الأربعاء، 6 أغسطس 2014

دروس غزة.. من التباكي إلى التعالي.




الهزة النفسية الهائلة التي تصنعها أحداث غزة خلخلت كثيرا من المسلمات والاعتقادات، بما يجعلها دورة مكثفة في تثقيفٍ عاجل وجماعي للشعوب العربية. هذه القفزات النفسية لشعوب كاملة في أيام قليلة، لم تكن لتحصل لولا معطيات الحدث الاستثنائية، وصدق الرجال الذين يصنعون هذا الحدث.

تجربة غزة أزاحت المفاهيم البائسة التي تهوي بالإنسان إلى حضيض الذل والمهانة، وثبتت بدلا منها المفاهيم العظيمة التي ترفعه إلى قيم العزة والكرامة. هذه المفاهيم لا يمكن إدراكها بقراءتها مكتوبة، لأنها مرتبطة بشبكة تفاعلية كاملة، وتجربة حياتية، وخليط من الوجدان والفكر والمعايشة مع الأحداث. ومسيرة غزة بمساحتها الصغيرة وشعبها المحاصر ووضعها المواجه لمؤامرة عالمية غير مسبوقة، هي الأمثل لأن تغرس في النفوس مثل هذا التغيير في المفاهم.

ميتة الربح وحياة الخسارة
فقدنا في غزة شهداء كثير (نحسبهم والله حسيبهم) والناس يعرفون الشهادة في سبيل الله، ويعظمون ويقدسون مفهوم الشهادة لكن غزة علمتنا كيف أن الشهادة ليست حدثا معزولا يعظم ويقدس لوحده. فرض علينا الواقع مقارنة إجبارية بين غزة بمقاييسها، وعالمنا العربي بمقاييسه، ففهمنا معنى قوله تعالى "ويتخذ منكم شهداء". هذه المقارنة لا نستطيع تحاشيها ليس لأن أحداث غزة تملأ الإعلام، لكن لأن واقعنا العربي السيء فيه ما يخجلنا أمام هذا التفوق الغزاوي العظيم.

تعلمنا من غزة أننا نفقد القتيل فيرتقي شهيدا في الجنة (نحسبه كذلك)، فيكون الآلاف الذين ارتقوا كأنهم نجحوا بدرجة كاملة في دورة غزة الحياتية العظيمة. أما عندنا فإننا نفقد الإنسان من الاستقامة إلى الانحراف، ومن السلامة والانضباط إلى الخمر والمخدرات. فيُران على القلب فيفشل قبل نهاية الامتحان. ثم يتراكم الران فينتقل من الإيمان إلى اللامبالاة بالدين، أو العلمنة الصريحة، أو الإلحاد الصريح، ومن الالتزام إلى ترك الواجبات، فنفقد الآلاف والملايين في دورة الحياة، في بلداننا لحضيض جهنم والعياذ بالله.

تعلمنا في غزة أن الشهداء يرتقون، وقد مهدوا السبيل لإنجاح الكثير من أقرانهم في هذه الدورة الحياتية العظيمة، لأنهم فرضوا واقعا إيمانيا وعقديا ومنهجيا وحضاريا يرفع شأن الأمة كلها. أما عندنا فيتراكم الانحراف ويصنع جوا يستمرئ المنكر ويطبّع الفساد ويستثقل الاستقامة. أما التضحية والتحدي والمسؤولية الجماعية، فهذه مطموسة من القاموس، ولا يستطيع المترف أن يدركها فضلا عن أن يفهمها.  من هنا كان فقدان الشهداء نعمة لهم ونعمة لمجتمعهم، بل نعمة لنا لأننا تعلمنا أننا نخسر بحياتنا وهم يربحون بموتهم. ومن هنا كانت خسارة الأحياء وهم أحياء، كارثة نخجل بها أمام أساتذتنا الشهداء.

متعة التحدي ولذة النضال
تعلمنا من غزة أن البيوت هدمت، والخدمات عطلت، والقطاع حوصر سبع سنوات عجافٍ، فماذا أنتج هذا الحصار؟ أنتج تقنية وسلاحا متطورا، وتنظيما متماسكا، وتدريبا راقيا، وتخطيطا متكاملا، وقدرات قتالية فائقة. لكن هل علمتنا غزة لماذا؟ نعم علمتنا غزة أن الروح التي تسري في الناس هي روح التحدي والنضال والإصرار على الفوز في هذا التحدي. وعلمتنا أننا بعيشنا المترهل والمتثاقل إلى الأرض، في حالة العجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال.

بماذا ترزأ الأمة؟
الأمة لا ترزأ بشخص عامي يتجرع الهزيمة فيستمرئها، أو بمرتزق بقلمه يوطن الهزيمة والتبعية، أو بعالم خائن معروف بخيانته يلوي أعناق النصوص الشرعية ليرسخ منهجية الهزيمة. إنما ترزأ الأمة بمن تظنهم أصحاب رسالة يعون ظرفهم، ويعرفون تماما موقعهم في المكان والزمان والحدث، ويدركون تميزهم العقدي والفكري والحضاري والتربوي، تُرزأ بهم حين تراهم لا يكتفون بإعلان الهزيمة، بل يجعلون الهزيمة قدر الأمة المحتوم.

سبحان الله، كل نصوص هذا الدين المثقلة بمعاني الاستعلاء، والمليئة بالمبشرات بالسمو والانتصار والتمكين، تختفي ويصبح المرء رهينة تجربته الحياتية المحدودة. والأسوأ من ذلك أن يصّر من يعيش حالة الهزيمة المرّة، على جر المجتمع المسلم مع تجربته الذاتية ليُلزمه بعيشها.

نزعة الدواء ثقيلة
الغرض المطلوب نواله عند التعامل مع منهجية التباكي ليس سهلا،  وجرعة الدواء قوية وثقيلة لا بد فيها من آثار جانبية مؤلمة. نهج التباكي والسلبية وتجرع الهزيمة وتقريرها وتحويلها إلى قدر محتوم، نهج قبيح مللنا منه وتجاوزناه والحمد لله، وينبغي أن نربي أنفسنا على رفضه والتضايق منه، وأن ننسفه بقوة وعنف وبلا هوادة. وإن صدر عن أناس لهم تلك المصداقية، فينبغي أن تزداد عبوة النسف، ويبالغ قصدا في تأنيب من يروّج له.

لقد استعادت الأمة والحمدلله محبة لغة الاستعلاء، وأصبحت لا تستلذ إلا بمن يحدثها بخطاب استنهاضي، فيه بشائر التمكين والظهور لأهل الحق وخطاب التحدي والمواجهة، سواء لطغاة الباطل الجاثمين على صدور المسلمين، أو لرؤوس الكفر الصريح. والمتصدون للكتابة والحديث للجمهور لا يسعهم أن يتجاهلوا التأييد العارم، والكاسح لصمود أهل غزة وإبداعاتهم، وتلذذ الناس بطريقتهم في تحدي الصهاينة. هم وأمثالهم يدركون ذلك قطعا، سواء أقروا به أم لم يقروا، فإن أقروا فقد قالوا الحقيقة، وإن لم يقروا فهي مغالطة مكشوفة.

الذات هي القضية
الحقيقة المؤلمة، والمؤلمة جدا ربما تكون أسوأ من تأكيد منهجية التباكي وقدرية الهزيمة. هذه الحقيقة هي استغراق الشخص الرمز، في السياق الذي يعيشه حتى يتحول مع ضغط الواقع، والمعاناة الشخصية، ومع متابعة الناس لنشاطه، وتجميده هو لرقابة "التجرد" إلى حالة ووضع ودور جديد، تسوقه لها هذه الضغوط والمعاناة. هذه الحالة الجديدة هي أن يعتقد الرمز أن مشاعره الشخصية، وحالته الذاتية، هي قضية الأمة، وليس أن حالة الأمة هي قضيته. بمعنى أن  يصل الحال بالرمز أن يعتقد بأن تضايقه من حال المسلمين، حالة شاعرية عامة، يجب أن يصفها ويكتبها ويسهل قراءتها من قبل الناس، لأن هذه بحد ذاتها هي القضية، وأن المسلمين في حالة انتظار وترقب لما يكتب من حالات شاعرية لأمثاله حتى يتقمصوها ويعيشوها.

انتهازية المصداقية
هذا الاستغراق في السياق، الاستغراق الذي يؤدي إلى نقل مركز القضية من الأمة لذات الرمز شخصيا، يتطور عند بعض الرموز وخاصة عند غياب التقويم وغلبة المجاملة بينهم، إلى إعادة تشكيل لمشروع الرسالة. حين يتكئ بعض الرموز على ما لديهم من رصيد من المصداقية، وينساقون مع متابعة الناس لما يصدر عنهم من الكتابات والتصرفات، دون كابح من رقيب "التجرد" يحسبون أنهم أمسوا هم القضية، فيتحدثون ويكتبون من هذا المنطلق شعروا أو لم يشعروا. ونظرا لانتشار ثقافة الذات والذاتية، فإن التيار العام مع الأسف الشديد، ليس فيه ما يكفي من أدوات التقويم والتنبيه التي تعيد وضع الرمز إلى السياق الأصلي، وتذكره بأن ذاته هي التي في خدمة القضية وليس العكس.

متى ينهزم الأقوياء ؟
في تأمل عميق لنوعية التحديات التي تواجه الساعين للتغيير الاجتماعي والتاريخي، يمكن تمييز ثلاث تحديات تكاد تسقط أكبر الصامدين:
- القدرة على التجرد والإخلاص والعدل ومقارعة جواذب ومؤثرات الحياة المختلفة.
- الاستعداد للصبر والمصابرة وطول النفس والإصرار على المطلب بكامله دون تنازلات.
-الثبات على المنهج والمنطلقات والموازين التي يحكم بها الساعي للتغير، حياته وتصرفاته.

التجرد التجرد
أما التجرد فسلعة مستحيلة، مهما زعم من زعم أنه قد حازها، والإنسان يعيش تحت نوازع ومؤثرات هائلة إن أخطأه أحدها حرفه الآخر. هذه النوازع والمؤثرات بعضها مكشوف وظاهر، يستطيع المرء أن يتجنبه بسهولة، لكن الكثير منها غير مكشوف ولا ظاهر، ولا يفطن له إلا من رزق العدل والبصيرة. بل إن بعض النوازع المكشوفة والظاهرة يأتي المرء ليتجنبها فيبالغ في ذلك، حتى ينحاز في الاتجاه المعاكس.

ربما يظن البعض أن مشكلة التجرد هي التخلص من حظوظ النفس فقط، لكن الحقيقة أن نوازع الحياة التي تحرف عن التجرد كثيرة، وتضخيم قوة العدو مثلا ليس إلا نموذجا من نماذج هذه النوازع الخارجة عن نطاق حظ النفس. وغالبا ما يعاني الذي يميل مع هذه النوازع ويفشل في التجرد، من شعور خفي قوي بأنه على غير الحق، خاصة إن كان معدنه في الأصل نظيفا.

هؤلاء تقرأ في عباراتهم المكتوبة أو المسموعة الكثير من الدفاع عن الذات، على شكل تزكية للنفس، تأتي في بعض الأحيان بدون مناسبة، وكأن الأصل هو الاتهام. ورغم أن الميل مع النوازع والفشل في التجرد أمر ليس محبوبا، لكن الأمة تقدره وتتفهمه، إن كان الفرد الذي عانى منه قد أبقى أثره على نفسه، لكن الأمة لا تقبل من يريد أن يلبّسها ميله وانحيازه، ويحرفها معه بعد أن فشل في العدل، ولم يتمكن من حيازة التجرد.

النفس الطويل
طول النَفَس والصبر والمصابرة مطلب صعب آخر، لا يناله إلا فئة قليلة من الناس رُزقت الثبات والعناد والتحدي على ما تؤمن به. والقرآن في مواضع كثيرة يثبت هذه الحقيقة من ناحيتين، ناحية حتمية تعرض من يسعى للتغيير لصعوبة في المسيرة وكثرة العقبات والتحديات والمحن أمامه، وناحية أن الذين يثبتون أمام هذه المحن فئة قليلة جدا، وأما الغالبية فينهارون في مراحل مختلفة من المسيرة. وفي قصة طالوت يثبت القرآن أنه قد يكون المرء مؤمنا بالله، ومع ذلك يضعف نفسيا، لأن الإيمان لم يصل به لمرحلة اليقين بملاقاة الله ((فلما جاوزه هو والذين آمنو معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)).

والأمة تعذر من يتعب ويكل ويمل ويقصر به الزاد، فيتنحى فاتحا المجال لغيره ومتمنيا له النجاح، وداعيا الله له بالثبات، بل ربما تقدر الأمة من يتنحى معترفا بالتقصير والضعف، خاصة إن حرص على أن لا يؤثر تنحيه على مسيرة التغيير. لكن الأمة لا تعذر من يريد أن يوقف المسيرة مع وقفته، أو يريد أن يجعل ما حصل له قدرا محتوما للأمة كلها، وكأن التاريخ يستأذنه وكأن عجلة الزمن توقفت عنده.

الثبات على المنهج
أما الثبات على المنهج فمسألة ليست مستقلة عن التجرد ولا عن طول النَفَس، فغالبا ما يكون الشك بالمنهج منبعثا من الميل مع النوازع والعوارض المختلفة، أو مع الملل والهزيمة بسبب طول المسيرة وكثرة العقبات. لكن يبقى وضوح المنهج ابتداء، وقوة قناعة الساعي للتغيير به، أمرا أساسيا يمنع هذا الشك مهما كانت المؤثرات.

وكثير من الساعين للتغيير يقتحمون المهمة دون وضوح لمعالم مسيرة التغيير، لا من حيث الهدف ولا من حيث المنطلقات، ولا من حيث السياسات التي تحكم حياتهم وتصرفاتهم، ولذلك تهزهم الأحداث والتحديات ومن ثم تهز قناعاتهم بالمنهج الذي يحكم حياتهم. وبعد تتابع الصدمات القوية على من لا يتكئ على منهج متماسك، خاصة مع تخلخل التجرد والنَفَس القصير تظهر على الرمز أو الساعي للتغير -عن قصد أو دون قصد- تنازلات منهجية غريبة تتعارض أصلا مع بدايات المسيرة.


بعضهم مثلا أصبح يتحدث بلغة لا تختلف كثيرا عن اللغة العلمانية بنسختها الليبرالية، وآخرون بلغة لا تختلف عن القُطرية العنصرية، وغيرهم تحولوا إلى أسرى التأسيس الفكري للإعلام الغربي، أو حتى الإعلام العربي المتخلف. لكن الأسوأ من ذلك أن يرفض الساعي للتغيير، أو الرمز أن يُحمّل نفسه الخطيئة أو التقصير أو الضعف أو قلة الصبر، ولا يريد أن يتنحى ويتركها لغيره،  فيلقي باللوم على المنهج، وكما يقول بسبب أخطاء بنيوية في المنهج كان الفشل!! والأمة ربما تعذر من يعترف أن ليس لديه وضوح منذ البداية في المنهجية، وأنه ليس كفؤا لأن يتحمل مسؤولية التغيير بسبب هذا الغبش، لكنها لا تعذر من يريد أن يدخل الأمة معه في اضطراب منهجي وتنازلات مبدئية.

مقالة سبق نشرها في صحيفة التقرير على الرابط.

الأحد، 3 أغسطس 2014

خلق القرآن بين الإمام أحمد بن حنبل والدكتور عبدالوهاب المسيري


هل كان موقف الإمام أحمد من مسألة خلق القرآن موقفاً مبادئياً، أم كان مجرد ترف فكري وتحجر في قبول الرأي الآخر؟ هل مسألة خلق القرآن قضية مهمة تستحق كل تلك المحنة التي تعرض لها الإمام أحمد؟ هل يمكن أن يشارك د. عبدالوهاب المسيري رحمه الله المنشغل طوال حياته بالصهيونية والعلمانية بنقاش قضية خلق القرآن؟ بل هل يمكن أن ينضم الفيلسوف العقلاني لصف الإمام أحمد في نقاش كهذا؟(١) مجموعة أسئلة أطرحها لتكون مدخلاً للمقالة، ويبقى السؤال الأهم من "مخلوق وغير مخلوق" هو: لو لم تتم إثارة هذه القضية من قبل المعتزلة، هل تهمنا كثيراً هذه القضية؟ بمعنى هل المسألة برمتها ضرورية لسلامة العقيدة أم أنها مضيعة وقت.

قضية خلق القرآن يسجلها التاريخ كمثلبة للمعتزلة، الذين رفعوا مستوى أهميتها لدرجة امتحان الناس عليها بقوة السلطة. وموقف أهل السنة وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كان إصراراً على أنه غير مخلوق رداً عليهم، وليس إنشاءً للفكرة ابتداءً، ولن تجد في صفحات التاريخ أن أهل السنة أثاروا القضية باتجاه الإثبات، حتى حركها المعتزلة من لدن الجعد بن درهم إلى أحمد بن أبي دواد وثمامة بن أشرس وغيرهم. 

بعد ١٢٠٠ سنة من الفتنة المشهورة يأخذنا الدكتور المسيري رحمه الله في رحلة فكرية تجيب على الأسئلة الواردة أعلاه، وتختص السؤال الأخير بانسيابية وتناسق عجيب، والأعجب من ذلك أن المسيري يخرج باستنتاج قاطع لصالح الإمام أحمد. بل إن الدكتور تجاوز الإمام بتأكيد هذه القضية وأنها ضرورة لانسجام العقيدة وتوافقها مع الفطرة أساساً.

يطرح الدكتور عبدالوهاب المسيري رحمه الله نظريةً أثبت فيها أن غالب الأديان والاعتقادات (حتى اللادينية) مبنية على نوع من أنواع التجسيد والحلول للمعبود (الإله) بطريقة يستطيع العابد أن يتعامل معها. وأن من طبيعة البشر أن يميلوا لشيء مقدس هو جزء من المعبود، يتعاطون معه بواحدة أو أكثر من حواسهم الخمس. ولا يكاد يسلم أي اعتقاد أو دين من تجسيد أو حلول في شيء يتعامل معه العابد بحواسه المباشرة.

ومن الأمثلة البسيطة لهذا التجسيد أو الحلول ما يوجد في الديانات الوثنية ( ومنها البوذية ) التي يتجسد فيها المعبود في حجر أو تمثال، ثم بقية أنواع التجسيد عند الديانات الوثنية كعبادة الشمس والكواكب والشجر، ثم الحيوانات كما في الهندوسية التي أصبحت الآلهة أكثر من العبّاد. ويتضح التجسيد في اليهودية والنصرانية أيضاً.

فاليهودية ترى حلول الله في كل الشعب اليهودي، فالشعب اليهودي كتلة إلهية بشرية يمكن التعامل معها بالحواس الخمس. وهذا الذي جعلهم يزعمون أن اليهودية جنس بذاته وقدر محتوم لا يمكن أن يختار الإنسان بموجبه أن يكون يهودياً أو لا يكون.

والنصرانية جسدت الله ( المعبود ) في شخص المسيح عليه السلام، فأصبح المسيح بذلك حالة إلهية يتعامل معها المؤمنون بشكل مباشر. ولأجل استمرار هذا التجسيد جعلوا من حادثة الصلب مفصلاً في انتقال التجسيد للأتباع، الذين قسموهم إلى قسمين رجال دين حلت فيهم القداسة، وعلمانيون وهم من ليسوا مقدسين. ويلاحظ أن الانتقال إلى منزلة رجال الدين ليس بالأمر العادي أو السهل، بل يجب أن تعقد لجنة تضم كرادلة لدراسة الموضوع، كما يجب أن يتقمص رجال الدين بعضاً من مظاهر القدسية كتحريم الزواج. ويمكن ملاحظة كيف عارضت الكنيسة الكاثوليكية كل الدعوات الألفية التي تتحدث عن عودة المسيح حتى لا يستعيد المسيح منهم حلول الألوهية.

الحركة الإصلاحية التي قام بها لوثر وكالفن في النصرانية، نقلت الحلول لجميع المؤمنين، وعارضت احتكار الحلول في طبقة رجال الدين، ومن هنا يلاحظ تناغم البروتستانتية مع اليهودية، فالشعبين كلهم آلهة حسب زعمهم، ودارسو الديانات والمذاهب يعرفون حجم الاتكاء الكبير على التوراة (العهد القديم) عند البروتستانتية.

وأطياف الأفكار اللادينية التي تبدأ من الإلحاد الفردي وتنتهي بالفكر العلماني، تمارس نفس التجسيد والحلول، فالإنسان يُألّه في الإلحاد الفردي، ويحل المعبود في ذاته، ويصبح التعامل مع ذاته بالحواس المعروفة أمراً سهلاً وميسراً. أما الفكر العلماني فإن المعبود هو كامل الكتلة البشرية التي تمثل جماعة بمصالح مشتركة في اللذة والمنفعة التي تعتبر أساس الفكر العلماني.

حتى الفرق المحسوبة على الإسلام، والتي تصنف إما بدعية أو كافرة من قبل أهل السنة، وقعت في إشكالية الحلول بدرجات متفاوتة. فالباطنية وبعض الصوفية يرون الحلول الصريح لله في شخصيات معينة ويرون تقديسهم بما يشبه العبادة الصريحة، فرق أخرى لم تصرح بالحلول لكنها غلت في بعض الشخصيات لدرجة قريبة من الحلول وهو الإيمان بارتباط خاص ومستمر لهم مع الله.

هذه الحيل، رغم أنها باطل عند أهل السنة، فقد كانت وسيلة لتحقيق مهمة التجسيد، ومن ثم التمكن من التعامل مع المعبود بالحواس الخمس لكل العقائد والأديان التي تبنتها. أهل السنة يرفضون كل ذلك بشكل مطلق ويؤمنون بأن الله بائن عن خلقه(٢)، والتي تعني استحالة التجسيد والحلول. حسنا، كيف إذا يمكن أن تُشبع حاجة الإنسان الطبيعية للتعامل مباشرة مع المعبود بالحواس الخمس دون أن تُخدش البينونة الكاملة؟ 

قد يفترض البعض أن ذلك في الكعبة والمشاعر(٣)، وهذا غير صحيح، فالكعبة والمشاعر رغم توقيرها وتعظيمها فهي في نهاية المطاف شعائر وليست صنما ولا يجوز مطلقا عبادتها أو التعامل معها وكأن الإله قد حل فيها. وقد اختصر لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه نفي الصنمية عن المشاعر بقوله مخاطبا الحجر الأسود  ((إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك)). لا بد إذاً من طريقة أخرى غير تجسيدية يمكن من خلالها تحقيق هذا الأمر.

هنا يأتي دور القرآن المنزل من عند الله، فالقرآن كلام الله، والكلام صفة من صفات المعبود سبحانه، وفي نفس الوقت نستطيع أن نقرأه ونكتبه ونحفظه ونفسره ونستمع إليه من غيرنا ومع هذا يبقى كلام الله غير مخلوق. وبهذا يحقق القرآن المطلب البشري في تعاملنا معه بحواسنا، ومع ذلك يبقى -رغم قراءتنا واستماعنا وكتابتنا وتفسيرنا له- كلام الله وصفة من صفاته. فلم يكن كونه كلام الله مانعا من التعامل معه بحواسنا، ولم يكن التعامل بالحواس منقصا من كونه كلام الله وصفة من صفاته. 

ومن هنا تأتي أهمية التأكيد على أن القرآن غير مخلوق، لأن كونه مخلوقا يزيل هذا التناسق العقدي الجميل الذي أشبع النزعة البشرية دون أي حلول إلهي في المخلوقات، بمعنى أن البينونة لم تخدش مطلقا. ومن يقرأ كلام المسيري يدرك أنه لا يكتفي بتقرير أن القرآن غير مخلوق، بل يذهب إلى أبعد من ذلك وهو إثبات أهمية تقرير هذا الأمر تحديدا، وأن إثارته مطلوبة وليست ترفا فكريا ولا نقاشا عبثيا. 

ــــــــــــــــــــــــــــ
١) هذا المقال مبني على كلام منشور للدكتور المسيري اضافة لنقاش شفوي معه حول الموضوع.

٢)  وممن توسع في هذه المسألة شيخ الإسلام في الحموية الكبرى، وقد ساق أقوال العلماء في هذه المسألة.

٣)  إن بني إسماعيل وكانوا قد أبعدوا عن أمر البيت فكانوا إذا خرجوا منها أخذوا معهم حجراً من حجارتها، فإذا أظعنوا في مكان وضعوه وطافوا به على أنه جزء من الكعبة، فانتشرت بعد ذلك عبادة الأصنام والأوثان، وتقبلت العرب رأي عمرو بن لحي الخزاعي، وتبدل دين إبراهيم ولم يبق من أثره إلا تعظيم البيت والطواف به الحج والعمرة والوقوف على عرفات ومزدلفة وهدي البدن، والإهلال بالحج والعمرة. ذكر ذلك محمود شاكر في التاريخ الإسلامي قبل البعثة ص ٨٨، الجزء الأول.




الخميس، 31 يوليو 2014

مَن أجبر أمريكا على محالفة إيران؟



أمريكا سيدة المنطقة

فرضت أمريكا نفسها في الخليج والمشرق العربي بعد الحرب العالمية الثانية، ثم أكدت قوتها بعد أزمة الخليج وانتهاء الحرب الباردة فصار نفوذها بلا منافس (١). وتقادم هذا النفوذ حتى ظن الناس أنه جزء من قدرهم، ولا يخطر ببال سياسي ولا مفكر ولا إعلامي أن يتصور المنطقة دون هذا النفوذ لكل المستقبل المنظور. والتجارب في تحدي هذا النفوذ مثل تجربة جمال عبد الناصر وصدام حسين فشلت؛ لأنها كانت بدون استراتيجية تكافئ الحضور الهائل سياسيًّا وثقافيًّا وعسكريًّا وأمنيًّا لأمريكا في المنطقة.

الاستراتيجية الإيرانية

حين انطلقت الثورة الإيرانية كادت أن تكون تكرارًا لتجربة جمال عبد الناصر وصدام؛ لأنها تعاملت مع النفوذ الأمريكي تعامل ردّ الفعل المستعجل دون استراتيجية واضحة. وبعد أن تجاوزت إيران مرحلة الحرب مع العراق وتسلم هاشمي رفسنجاني رئاسة الدولة، قرّر رسم استراتيجية قائمة على فهم شامل لطريقة التفكير الأمريكية، وخريطة النفوذ الأمريكي، ونقاط الضعف فيها، ومعرفة الخريطة الديموغرافية والمذهبية في المنطقة (٢). وإثر ذلك، رسمت إيران استراتيجية قائمة على الاركان التالية:

- إيقاف الصدام الثوري مع حكومات المنطقة التابعة للنفوذ الأمريكي، ومجاملتها قدر الإمكان من أجل الوصول للأقليات الشيعية، واستغلالها دون محاذير (٣).

- التظاهر باحترام المذهب السني في الطرح السياسي والإعلامي، وإقناع الأغلبية السنية أن إيران تحمل همّ الإسلام عمومًا، وليس همّ المذهب الشيعي فقط.

- بذل أقصى الجهود للتطوير العسكري بكل أنواع السلاح والتدريب وكفاءة القوات المسلحة، والسعي للاستقلال التقني في الصناعة النووية والصواريخ والحواسيب والإنترنت والاتصالات.

- استغلال الفوضى في لبنان لصناعة قوة موالية لإيران (حزب الله) تكون وسيلة لابتزاز أمريكا من خلال إزعاج ربيبتها إسرائيل (٤).

- توثيق العلاقة مع روسيا والصين، أولًا: من أجل الحصول على السلاح المتطور والتقنية النووية، وثانيًا: من أجل أن تقف معها ضد أي قرار أممي تسعى له أمريكا.

- السيطرة على القوى المعارضة لصدام، وتهيئتها كأداة استدراج أمريكا لإزاحة صدام، الذي يعتبر أكبر عقبة أمام نجاح الاستراتيجية الإيرانية.

- توثيق وتوسيع العلاقة مع النظام السوري، أولًا من أجل تسهيل الوصول للبنان، وثانيًا من أجل استكمال الهلال الشيعي بعد السيطرة على العراق.

- التعامل مع الأحداث في المنطقة (مثل أزمة الخليج الأولى وأحداث سبتمبر وغزو أمريكا لأفغانستان وغزو العراق) بطريقة براجماتية، حتى يمكن خداع أمريكا وتحويلها خادمًا للمشروع الإيراني.

- إيجاد نفوذ في اليمن بجماعة على غرار حزب الله اللبناني (الحوثيين) كذراع إضافي في استكمال النفوذ على كامل الجزيرة العربية (٥).

- توسيع النفوذ البحري في البحر الأحمر، وباب المندب، والبحر العربي، بعد مجموعة اتفاقيات وحقوق رسو وقواعد بحرية، في أريتريا وجيبوتي وجزر القمر.

حصيلة الاستراتيجية الإيرانية

حققت إيران كل ما كانت تريده من هذه الاستراتيجية:

- في الجانب الدفاعي، بناء جيش قوي متكامل عددًا وعدة وتدريبًا ومؤسّسًا على فهم التوازن في المنطقة، حيث اعتمدت إيران على الردع أكثر من الدفاع، وذلك بتخويف أمريكا أنها تستطيع أن تدمر مصالحها في الخليج في أي لحظة تتعرض لهجوم أمريكي.

- في التقنية، نجاح في برامج الصواريخ وتقدم في التقنية النووية والحواسيب وتقنية التجسس الإلكتروني، ومما لا يعرفه الكثير أن النظام السوري استفاد جدًّا من هذه التقنية بعد الثورة.

- في الاختراق الإقليمي تمكنت إيران من خداع حكومات المنطقة، والوصول للأقليات الشيعية بكفاءة، وجعل التيارات المؤيدة لها هي الأقوى في هذه الأقليات، مع توجيهها بعدم التحرك إلا عند الحاجة.

- في لبنان، كان مشروع حزب الله من أنجح مشاريع التنظيمات المتطورة حزبيًّا وحركيًّا واجتماعيًّا، ولولا الثورة السورية والجهاد السني، لم تكن شوكة حزب الله لتنكسر.

- في سوريا، نجحت إيران في ربط النظام السوري معها بعلاقة مصيرية، رغم الفرق الكبير بين النظامين والخلاف المذهبي والتوجه القومي العروبي المزعوم للنظام السوري (٦).

- في العراق، نجحت إيران في استدراج أمريكا لتخليصها من صدام على حساب الحكومات التابعة لأمريكا وبدماء الأمريكان، ثم بنفس السياسة الهادئة نجحت في السيطرة على العراق رغم أنف أمريكا.

- في اليمن، نجحت إيران في توسيع نفوذ الحوثيين، فتحولوا من حركة هامشية، إلى قوة تهدد العاصمة صنعاء، وتتحكم في أجزاء كبيرة من اليمن.

- في البحر الأحمر وباب المندب، حققت إيران نجاحًا جزئيًّا في الوجود البحري، وذلك بسبب المنافسة الشرسة من قبل أمريكا وإسرائيل وفرنسا.

ماذا كانت الخطوة التالية لإيران؟

بعد هذا النجاح في السيطرة على العراق، والتنسيق الكامل مع النظام السوري، وقوة ذراعها في لبنان، واستكمال الاستعداد العسكري والأمني، والتحالفات الدولية، كانت خطوات إيران تتمثل في التالي:

- تحقيق اختراق ناعم لدول الخليج، ثم السيطرة على ضفتي الخليج، والتحكم بشريط النفط الممتد من البصرة إلى الإمارات.

- استكمال الهلال الشيعي الممتد من هيرات إلى اللاذقية، إلى حدود لبنان الجنوبية، وتمكين إيران من أن تطل على البحر المتوسط والخليج العربي والبحر العربي، والسيطرة على أغنى آبار النفط في العالم.

- السيطرة على الحجاز إما باحتلاله أو التحكم به، بعد استكمال الإحاطة به من الجهات الأربع: العراق والخليج واليمن والنفوذ البحري في البحر الأحمر.

- السيطرة على وسائل الإعلام الإسلامية والعربية، بعد تهميش حكومات الخليج السنية، والتأثير على كل المجتمعات السنية في العالم.

كيف تعثر المشروع الإيراني؟

كان المشروع الإيراني ينفذ رويدًا رويدًا دون توقف، وكانت دول المنطقة عاجزة عن إيقافه، بل ساهمت -من حيث لا تعلم- في تنفيذه من خلال إبعاد شعوبها بأغلبيتها السنية عن دورها القيادي عالميًّا، وإشغالها بسفاسف الأمور. وحتى بعد أن انتبهت بعض هذه الدول لخطر المشروع الإيراني، لم يكن لديها الأدوات ولا الرؤية في مواجهته. ولذلك لم يلاقِ المشروع الإيراني أيّة صعوبة في تنفيذ خطواته، إلى أن حصل ما لم يكن الإيرانيون قد حسبوا حسابه، وهو انطلاق الربيع العربي وتداعياته على سوريا والعراق.

البداية في سوريا

أول صدمة حقيقية للمشروع الإيراني كانت الثورة السلمية في سوريا، ثم ما تلاها من تداعيات. حين انحازت إيران بشكل فاضح ومكشوف مع النظام السوري، خسرت كثيرًا من السنة الذين سبق أن خدعتهم بزعمها الوقوف مع قضايا الإسلام وعلى رأسها قضية فلسطين. الخسارة الثانية، بعد أن تعسكرت الثورة تبين أن إيران لا يمكن أن تفرط بالنظام السوري، وأن التزامها به التزام مصيري، فقررت التدخل عسكريًّا بمستشاريها وبالحرس الثوري، كما قرّرت أن تدفع بحزب الله والمليشيات العراقية الشيعية في وجه المجاهدين السنة.

وقتها صارت الأغلبية السنية في المنطقة تنظر لإيران نظرة عدو استراتيجي، واقتنعت شعوب المنطقة بدعم أيّ جهد ضد النفوذ الإيراني حتى لو لم تتحرك الدول.

ولأن المقاتلين الحقيقيين ضد النظام السوري من المجاهدين السنة الذين تعاديهم أمريكا، فلم تكن إيران قلقة من غضب أمريكي، ولا من الحكومات المحالفة لأمريكا في المنطقة. وكانت تقديرات إيران للموقف الأمريكي وحلفائه صحيحة، فرغم كل ما فعله النظام السوري بدعم إيراني صريح، لم تتجاوز أمريكا التنديد الكلامي في موقفها من الأزمة السورية.

وتوقعت إيران أن الجهاد السني سيكون نسخة من المقاومة العراقية السابقة، التي تعاملت معها بالاختراق ثم الشيطنة، ونجحت في إقناع الأمريكان بإنشاء جماعات الصحوة التي حيدت المقاومة بكفاءة (٧). وفعلًا، حاولت إيران الاختراق والشيطنة في الثورة السورية، واستخدام أمريكا وحلفائها في تبطئة الثورة وشق صفوفها. نجحت إيران جزئيًّا؛ رغم إرهاقها اقتصاديًّا وعسكريًّا وأمنيًّا وسياسيًّا في سوريا، فقد كانت المواجهة قابلة للتحمل (٨).

التحدي الكبير

التطور الأخطر والذي تجاوز الإرهاق ليكون مقوضًا للمشروع الإيراني كله ومهددًا إيران ذاتها، هو الاجتياح المفاجئ من قبل تنظيم الدولة للموصل، ثم بقية المناطق السنية في العراق. خطورة هذا الاجتياح على إيران تتمثل في التالي:

- تدمير بنية الجيش العراقي التابع للمالكي ومن ثمّ التابع حقيقةً لإيران.
- تخويف وإرهاب بقية قطاعات الجيش العراقي، خوفًا من اجتياح مماثل.
- السيطرة على مناطق السنة، سهلت تجنيد القوى السنية ضد المالكي، بعد معاناة السنة تحت سلطته.
- السيطرة الكاملة على الحدود السورية العراقية، ومن ثمّ قطع الإمدادات البرية الإيرانية لسوريا.
- إجبار الميليشيات العراقية التي تقاتل مع النظام السوري على العودة للعراق لمواجهة هذا الاجتياح.
- غنيمة كميّة ضخمة من السلاح والذخيرة والمال مما تركه جيش المالكي الفارّ.

عجز جيش المالكي والميليشيات التابعة له عن مواجهة تنظيم الدولة، وضع إيران في ورطة حقيقية لسببين:

السبب الأول: لا توجد قوة غير إيران مستعدة لمواجهة تنظيم الدولة، فالأمريكان حلفوا يمينًا مغلظًّا أن لا يعودوا للعراق (٩)، ودول الجوار ليس لديها القدرة ولا الرغبة على مواجهة مثل هذا التنظيم، والأكراد لا يمكن أن أن يقاتلوا أبعد من مناطق نفوذهم، والصحوات لا يمكن إحياؤها بعد الويلات التي لاقاها السنة من سلطة المالكي.

السبب الثاني: أن إيران لا تقبل أن ينهار مشروعها الذي عكفت عليه ربع قرن بهذه السرعة، مما يعني أنها تضطر للتصدي للمشكلة بنفسها، وتتدخل في العراق عسكريًّا حتى لو أدى ذلك لأن تكون وجهًا لوجه مع تنظيم الدولة والقوى السنية في العراق.

التدخل الإيراني تحت مظلة الميليشيات العراقية حصل ونجح جزئيًّا في تبطئة تقدم الاجتياح، لكنه لا يكفي لإيقافه تمامًا ولن يسترد المناطق التي خسرها المالكي. وتقديرات الإيرانيين أن تنظيم الدولة سوف يستعيد زخم التقدم، ولن يقبل بأي أنصاف حلول بما في ذلك تقسييم العراق، وسوف يواصل التقدم وربما يجتاح بغداد قريبا؛ً فما هو الحلّ؟

هل تسمح أمريكا؟

يبدو أن لا حلّ إلا دخول قوات إيرانية (الحرس الثوري غالبًا) بصفتها المتكاملة بشكل رسمي، حتى تكون أكثر قدرة وتماسكًا في المواجهة القتالية. هذا يعني بالضرورة احتلاًلا عسكريًّا إيرانيًّا للعراق؛ فهل ستسمح أمريكا وحلفاؤها بذلك؟

يمكن معرفة الإجابة الأمريكية من خلال مقارنة نظرة أمريكا لإيران مقابل نظرتها لتنظيم الدولة. أمريكا تنظر لإيران كخصم منافس في لعبة دولية بقواعد معروفة وقبول أسس النظام الدولي القائم حاليًا. وبعد تعامل أمريكا مع إيران في العقود الماضية، أدركت أنها دولة براجماتية قابلة للتفاهم، بل التحالف، عند اللزوم. أما تنظيم الدولة، فعدوّ شامل العداء من كل الوجوه، لا يؤمن بالبراجماتية ولا بقواعد اللعبة الدولية ولا بأسس النظام الدولي.

المفارقة الأخرى، أن أمريكا نفسها قلقة من تنظيم الدولة أكثر من قلق إيران، وتريد لهذا الخطر أن يزول أو يُحتوى، وليس عندها القدرة على التدخل بنفسها ولا إجبار حلفائها الآخرين على التدخل. وبهذا؛ فلا يحتاج المرء للكثير من الذكاء حتى يستنتج موافقة أمريكا (وحلفائها) بقناعة كاملة على تدخل إيراني يكافئ خطر تنظيم الدولة. بل إن الأمريكان (وحلفاءهم في المنطقة)، ربما شجعوا الإيرانيين على التعجيل بتوسيع تدخلهم في العراق.

هل يدرك الأمريكيون النتيجة؟

هل يدرك الأمريكان أن أي زيادة في التدخل الإيراني تعني تجييش المزيد من السنة في العراق وخارجه ضد التدخل الإيراني؟ وانضمام أضعاف العدد الحالي من المقاتلين للتنظيم؟ … وبهذا تكون أي زيادة في التدخل الإيراني تقوية للتنظيم. الأخطر من ذلك أن الحكومات السنية في المنطقة ستخسر الكثير من شرعيتها، وترتفع أسهم تنظيم الدولة بصفته الجهة الوحيدة التي صمدت أمام غزو فارسي صريح. وهكذا بعد أن تظن أمريكا أنها تتجرع الدواء المرّ، إذا بها تتجرع سمًّا لا علاج فيه ولا ترياق. السؤال المهمّ هنا ما هو أخف الضررين على أمريكا؛ تشجيع إيران على التدخل؟ أو منعها منه؟

الجواب في الحقيقة ليس مهمًّا بقدر أهمية هذا الاستنتاج: وهو أن أمريكا في ورطة حقيقية أمام التحدي الجهادي. فلا هي التي تستطيع مواجهته بنفسها، ولا التي تستطيع تحريك عملائها داخل العراق وخارجه لمواجهته، ولا هي التي تستطيع ضربه بإيران، على طريقة عدو عدوي صديقي، ولا هي التي تستطيع تركه يتمدد كما يريد.

وبغض النظر عن الموقف من تنظيم الدولة، فإن العربي المسلم يفرح وهو يشاهد أمريكا التي كانت إلى عهد قريب لا تسأل عما تفعل، ولا يستطيع أحد أن يتحرك إلا بإذنها، يراها الآن مشلولة وكل خيار أخطر عليها من الآخر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:

(١) كان النجاح الكبير للقوات الأمريكية في حرب الخليج 1991 وسقوط الاتحاد السوفياتي سببًا في غطرسة أمريكية استفزت كثير من الأمم خاصة المسلمين.

(٢) صحيح أن رفسنجاني له دور كبير في رسم هذه الاستراتيجية، لكن الفضل يعود لآليات الدولة الإيرانية أكثر مما يعود لفرد واحد.

(٣) كان شعار تصدير الثورة التي تبناه الخميني، سببًا في حالة مواجهة بين إيران وجيرانها، وتحاشي كل الدولة تحسين العلاقة مع إيران فيما عدا سوريا.

(٤) حزب الله تأسس قبل استلام رفسنجاني، لكن مشروعه تطور كثيرًا بعد توسيع الاستراتيجية الإيرانية.

(٥) ظاهرة التشيّع الاثني عشري حادثة في اليمن، وكان التشيع مقتصرًا على الطائفة الزيدية، التي تعتبر معتدلة جدًّا مقارنة بالاثني عشرية. ولم تقصر إيران في استغلال الجهل والحاجة في اجتذاب اليمنيين للتشيع الاثني عشري بقيادة الحوثيين.

(٦) على عكس ما يظن البعض، فإن للاثني عشرية (مذهب إيران) موقفًا شديدًا ضد النصيرية (مذهب حكام سوريا) لكن المصالح السياسية أذابت الخلاف.

(٧) كانت ضربات المقاومة العراقية بين سنة 2005 و2007 مرعبة للأمريكان، ولم تتمكن أمريكا من احتوائهم إلا بعد تأسيس الصحوات، وذلك قبل أن يعاني السنة في العراق الويلات من طائفية المالكي.

(٨) التجزؤ في الفصائل في سوريا، كان فرصة مثالية لاختراقات وصحوات، لكن بقدر ما تبدو هذه الفوضى مفيدة لإيران، فإن إنشاء صحوات فعالة كان أصعب بكثير من الحالة في العراق.

(٩) تتابعتِ التصريحاتُ الأمريكية عن استحالة العودة للعراق بعد الأحداث الأخيرة، وكأن كل مسؤول أمريكي يريد أن ينأى بنفسه أسرع من الآخر، وذلك بسبب الخسائر الضخمة لأمريكا في العراق بعد الاحتلال.

مقالة سبق نشرها في صحيفة التقرير على هذا الرابط.

الثلاثاء، 22 يوليو 2014

مقالاتي















































القضية الفلسطينية والحقائق العشر


التعاطف مع ما يجري في غزة والغضب على الصهاينة لا يعني بالضرورة إدراك كثير من المتعاطفين لما يجري في أبعاده الحقيقية ولا استيعاب جذور المشكلة. وبسبب تقادم الزمن وتغير المعطيات الاجتماعية والديموغرافية والحملات الموجهة، انطمست كثير من الحقائق وزُوّرت حقائق أخرى فصارت الأجيال الأخيرة بحاجة ماسة لإعادة تصور القضية الفلسطينية من جديد. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بإحياء الحقائق المطموسة وإزالة التزوير والتحريف عن حقائق أخرى، وتصحيح الصورة الكاذبة التي صنعتها المؤامرة العالمية عن هذه القضية. هذه محاولة لطرح نماذج من هذه الحقائق بمفرداتها البسيطة كمنصة انطلاق لفهم القضية الفلسطينية. (١)

الحقيقة الأولى: حدود فلسطين

الصورة المنطبعة في ذهننا عن فلسطين بخريطتها الحالية المستطيلة وخطوط حددها المستعمر، ليس لها أصل في تاريخنا الإسلامي. فلسطين جزء من بلاد الشام في قلب الكيان الإسلامي في كل مراحل الحكم الإسلامي من الخلافة الراشدة إلى الأموية إلى العباسية إلى العثمانية. صحيح أن اسم المنطقة فلسطين اسم قديم لكن لم تتشكل بهذه الحدود إلا بعد الاستعمار البريطاني، وتأسيس الأقطار المجاورة بشكل مصطنع. وطول أمد التشكيلة القطرية التي أقيمت على أساس "سايكس بيكو" ورسوخها في الذهنية العربية يجب أن لا يشطب هذه الحقيقة، فلا تصح عقيدة المسلم إلا بمفهوم إسلامي للانتماء ووحدة الأمة.  وهذا يعني أنه لا يمكن أن يكتمل الشعور بالمسئولية تجاه فسلطين إلا باعتبارها قلب كياننا الإسلامي الكبير يحمل مسئوليتها كل مسلم بنفس ما يحمله الفلسطيني المقيم هناك. (٢)

الحقيقة الثانية: تهجير شعب وتوطين شعب

جوهر قضية فلسطين هو إزاحة شعب عربي مسلم من أرضه وتهجيره وإحلال يهود قادمين من أصقاع الأرض محله، ثم صناعة دولة اسمها إسرائيل. ومع الزمن شطبت هذه الحقيقة وفرض واقع جديد اعترفت به المحافل الدولية وكل الدول العربية، وتفرغ الإعلام الموجه (عالميا وعربيا) لصياغة ذهنية عربية لا تعرف شيئا عن أصل القضية. صاحب ذلك قمع شديد لجذوة المقاومة من قبل أجهزة المخابرات العربية مدعوما بمؤامرات متواصلة لإنهاء المقاومة عسكريا وسياسيا ومعنويا. في هذا الجو المحرّف ظهرت الأجيال الجديدة وهي تُـلقّن أن قضية فلسطين محصورة في احتلال "دولة إسرائيل" لأراض عربية سنة ١٩٦٧ دون أي إشارة إلى أن هذه الدولة من أصلها باطلة. وبناء على هذا الفهم المحرف أعيد تشكيل القضية حتى صار أقصى مراد الفلسطينيين إخراج إسرائيل من المناطق المحتلة عام ٦٧. ولولا العامل الديني لم يعد أحد يفكر بالعودة للأصل، وهو أن إسرائيل كلها دولة مسخ ولا حل إلا بأن يحكم الإسلام المنطقة كلها ويعود أهل فلسطين ويتم التعامل مع اليهود بما يفرضه الإسلام. (٣)

الحقيقة الثالثة: الصهيونية واليهودية

كثير من الناس لا يعرف حقيقة المشروع الصهيوني الذي يناقض اليهودية في مسألة أساسية وهي اجتماع اليهود في فلسطين. الشريعة اليهودية تمنع اجتماع اليهود في إسرائيل إلا تحت راية المخلص، ولم يمكن جمعهم بهذه الطريقة إلا بالحيلة الصهيونية التي قلبت الفكرة وجعلت اجتماع اليهود في فلسطين وتأسيس دولة يهودية ضرورة  لظهور المخلّص. ومما لا يعرفه الكثير فإن الصهاينة علمانيون بل إن كثيرا منهم ملحدون وتبنوا اليهودية كمشروع قومي لخدمة "قومهم" بطريقة فيها التفاف على الديانة نفسها (٤). وبعد أن قامت الدولة اليهودية (إسرائيل) أصبح للصهاينة اليد العليا على اليهود المخالفين، فنجحوا في تغيير المؤسسة الدينية اليهودية لتكون متبنية للمشروع الصهيوني. ولم يقتصر هذا التغيير على داخل إسرائيل بل اضطرت كل المؤسسة الدينية اليهودية في العالم أن تتغير لصالح المشروع الصهيوني ولم يبق من الحاخامات معترضا على المشروع إلا القليل. (٥) 

الحقيقة الرابعة: الاستعمار والصهيونية

لم يكتب للمشروع الصهيوني التمكين إلا بعد أن تبنته القوى الاستعمارية (الأوربية) في بداية القرن العشرين الميلادي، وذلك لتحقيق عدة أهداف استعمارية. أول الأهداف التخلص من الفائض اليهودي المزعج في أوربا، وثاني الأهداف تصدير هذا الفائض ليكون كتلة بشرية في وجه العرب. وهذا لا يمكن إلا بتأسيس دولة لليهود في قلب العالم العربي يوفر على الاستعمار مواجهة روح النضال العربية التي كانت أقوى أشكال الإزعاج  للاستعمار الغربي. وهنا اتفق مراد الصهاينة مع الرغبة الاستعمارية فحظي بدعم هائل كان أقوى نماذجه مشروع بريطاني متكامل، بدأ بوعد بلفور وانتهى بإعلان دولة إسرائيل سنة ١٩٤٨ (٦). وحظي المشروع الصهيوني بتأييد كل الأحزاب الأوربية تقريبا بما في ذلك الحزب النازي الألماني، لأن الصهيونية توفر على النازية تحقيق مرادها الكبير وهو التخلص من اليهود دون أن تضطر لطردهم أو إفنائهم. (٧)

الحقيقة الخامسة: الصهيونية والغرب من الخادم ومن المخدوم؟ 

بقي المشروع الصهيوني خادما لمراد الاستعمار إلى أن تأسست دولة إسرائيل، حيث توفرت للصهاينة فرصة صناعة لوبيات قوية في كل الدول الغربية، ومن ثم قلب المعادلة والتحكم بالدول الغربية. ونجح المشروع الصهيوني من خلال الإعلام والمال والاختراق السياسي  في تسخير قدرات هذه الدول وقوتها لصالح إسرائيل. ووصل هذا المشروع ذروته في حرب حزيران ١٩٦٧ حيث كان التعاطف الغربي مع إسرائيل شعبيا ورسميا في قمته. وبدأ هذا التعاطف ينحسر ببطء شديد بعد أن أدرك بعض الساسة الغربيين أن إسرائيل تحولت إلى عبء أكثر من خادم لمصالحهم. لكن هذا الإدراك ليس بالقوة الكافية التي تواجه ثقل وقوة وضغط اللوبيات الصهيونية التي أوجدت هيبة حقيقية لإسرائيل في الوجدان الغربي. (٨)

الحقيقة السادسة: الدعم الأمريكي متى وكيف؟

الدعم الأمريكي الهائل لإسرائيل الذي نراه اليوم لم يكن مرتبطا بالجزء الأول من المشروع الصهيوني، وكانت أول خطوة نوعية في تأييد إسرائيل متأخرة نسبيا، هي الاعتراف بالكيان الصهيوني سنة ١٩٤٨. والسبب هو أن الصهاينة ركزوا على أوربا في بداية مشروعهم، لأن القوى الاستعمارية كانت في أوربا وحين لاحظوا صعود نفوذ أمريكا استخدموا الجزء الثاني من مشروعهم، وهو اللوبيات للتأثير على القرار الأمريكي لصالح إسرائيل. وفي الحقيقة بقي التأثير الصهيوني على أمريكا أقل من أوربا إلى بداية الستينات، والدليل الموقف الأمريكي الرافض للعدوان الثلاثي على مصر.(٩) وبعدها تنامت قوة اللوبيات الصهيونية في أمريكا حتى صارت مصالح إسرائيل مقدمة على مصالح أمريكا القومية (١٠). وقد اكتشف الصهاينة النزعة البروتستانية الإنجيلية في أمريكا، التي توافق الصهاينة في فكرة وطن لليهود في أرض الميعاد، للتهيئة للمخلّص فاستثمروها إلى أبعد حد في التأثير على المتدينين الأمريكان.  (١١)

الحقيقة السابعة: السبب نحن وليس هم 

لم يكن الصهاينة لينجحوا رغم كل الدعم الاستعماري لو كان المسلمون في حالة تماسك وقوة، لكن المسلمين حين انطلق المشروع الصهيوني كانوا في أدنى حالاتهم في الثقة بالنفس وقوة الانتماء والشعور بالمسئولية. وقد تراكم الهبوط الحضاري للمسلمين في أواخر عهد الدولة العثمانية إلى أن وصلوا لما سماه مالك بن نبي بـ "القابلية للاستعمار". (١٢) واستمر الهبوط الحضاري وضعف الانتماء عند العرب والمسلمين بعد مشروع سايكس بيكو، وإحلال مفاهيم الوطنية والقومية وأتم الصورة تسلط حكام خادمين للمشروع الصهيوني في إبعاد العرب والمسلمين عن انتمائهم الحقيقي. وتدهور حال الحكومات العربية من موقف المحارب لإسرائيل ولو شكليا، إلى الاعتراف بدولة إسرائيل والدخول في سلام معها إلى التطبيع مع إسرائيل، وأخيرا إلى التعاون مع إسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية. وإذا كانت بعض الحكومات تعلن التنسيق الصريح مع إسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية وخاصة الإسلامية منها، فإن حكومات أخرى تعمل الشيء ذاته أو ما يشبهه دون أن تعلن أو تصرح. (١٣)

الحقيقة الثامنة: من هو الضامن لأمن إسرائيل؟

من الملاحظات العجيبة أن إسرائيل لم تتعرض خلال الأربعين سنة الماضية (منذ ١٩٧٠م) إلى هجوم للمقاومة من أي دولة عربية محاذية لإسرائيل إلا من لبنان. التفسير الوحيد لهذه الملاحظة يمكن استنتاجه من معرفة الفرق بين لبنان والدول العربية الأخرى، وهو أن كل الدول فيها سلطة مركزية قوية إلا لبنان. ولنفس السبب كانت الأردن مصدر هجمات للمقاومة قبل أيلول الأسود، حين كانت سلطة الحكومة المركزية لا تكفي للسيطرة على حركة المقاومة الفلسطينية. الاستنتاج البسيط من هذه الملاحظة هو أن الحكومات العربية هي التي تحمي إسرائيل وتمنع الهجمات عليها، وبذلك فإن هذه الحكومات عمليا هي الضامنة لأمن إسرائيل. ولنفس السبب لم تتوقف الهجمات من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة إلا بعد تأسيس السلطة الفلسيطينية، ومن ثم أدائها لنفس المهمة التي تؤديها الحكومات العربية بل بمستوى أكثر فعالية من خلال التنسيق الأمني الصريح مع الصهاينة. أما في لبنان فقد تمكنت القوى العالمية من الاستفادة من حزب الله كبديل للسلطة المركزية، حيث سُمح له بالسلطة المطلقة في جنوب لبنان مقابل منع الفصائل الفلسطينية من أي نشاط ضد إسرائيل(١٤). ولم يبق بعد ذلك مصدر لإزعاج إسرائيل إلا غزة بسبب سيطرة حماس عليها ولو كُتب أنها تحت يد السلطة لانتهت المقاومة تماما. (١٥)

الحقيقة التاسعة: الخط البياني السياسي والخط البياني الشعبي 

حين خنعت الحكومات أمام جبروت المشروع الصهيوني كان الناس يعودون رويدا رويدا لهويتهم، بدءا بـ"الصحوة" ومرورا بالظاهرة الجهادية وانتهاء بالربيع العربي. ولو كان الأمر متروكا للحكومات لربما نجحت إسرائيل أن ترغم أنوفنا بالأمر الواقع، ومع كل ذلك فالزخم العام في مسيرة الانتماء لم يكن -ولن يكون- خاضعا لطغيان حاكم ولا لسلطة مستبد. ولولا وحدة الهوية وقوة الانتماء، لما كانت الثورات العربية قادرة على اقتحام الحدود لتنفجر في أكثر من بلد، وتلحظها بركانا على وشك الانفجار في بلدان أخرى. والمتبنون للمقاومة ليس لديهم إمكانات إسرائيل الإعلامية والسياسية والعسكرية، فضلا عن أنهم لم يسلموا من خذلان الحكام الخونة وملاحقتهم ومساعدة إسرائيل في حصارهم. لكن العودة الكبيرة للهوية هونت عليهم المهمة وغيرت المعادلة وقلبت ميزان المعركة بجدارة، لأن المعركة تغذت بزخم شعبي غير خاضع لكيد الحكام. وفي حين كان الخط البياني للقوة السياسية والعسكرية العربية الإسلامية في انحسار، كان الخط البياني للهوية والانتماء في صعود بطيء لكنه أكيد. هذا الزخم الشعبي سيصنع عاجلا أو آجلا تغييرات "خلاقة" تقضي على الحكومات العربية المدافعة عن إسرائيل، ويجعل الشعوب العربية المجاهدة وجها لوجه مع الكيان الصهيوني بدون جيوش عربية تحمي إسرائيل. (١٦) 

الحقيقة العاشرة: القومية والوطنية مقابل الإسلامية 

موقفنا تجاه قضية فسلطين، هل هو تعاطف عنصري (قومي) مع  شعب من شعوبنا العربية  طرد من أرضه؟  أم هو رفض لجسم غريب تمت زراعته داخل كيان الأمة العربية المسلمة؟ النموذج الأول، وقوده لا يتجاوز غضب مؤقت لجيل أو جيلين ومصيره الذبول والانحسار والرضا بالأمر الواقع، مهما كانت المعاناة كما حصل في برامج الاستيطان الأوربية في الأمريكيتين واستراليا ونيوزيلندة. أما النموذج الثاني، فوقوده تاريخ وثقافة ووجدان وإيمان وانتماء مسئولية متجددة، لا يذبل مع الزمن ولا ينحسر مع الضغوط. النموذج الأول لا يتحمل مسئوليته إلا الشعب المعني بالأمر، وقليل ممن يتعاطف معه من أفراد ومؤسسات وشعوب بنشاط مؤقت محدود التأثير. أما النموذج الثاني، فيتحمل مسئوليته كل المسلمين بشعور مصيري مرتبط بذات الهوية والانتماء. النموذج الأول لا يهمه من له الغلبة والسلطة والمهم أن يعود العربي إلى أرضه وبيته ومزرعته. النموذج الثاني لايرضى إلا بعودة الغلبة والهيمنة للمسلمين وسلطانهم ومنهجهم وشريعتهم. ولهذا السبب تحولت كثير من فصائل المقاومة الوطنية (النموذج الأول) إلى أدوات تنسيق مع إسرائيل، بعد أن تخلت عن مبادئها بينما صمدت الفصائل الإسلامية (النموذج الثاني) بتحمل كامل تبعات القضية. (١٧)





 ----------------------------------------------------------------------------

(١) حتى المتخصصين بالقضية الفلسطينية تفوت عليهم بعض الحقائق، ليس بسبب جهلهم بها لكن بسبب تعرضهم لما تعرض له كثير من أبناء الأمة من إعادة تركيب لذهنيتهم طبقا لمنهجية غير منضبطة بمرجعية إسلامية في فهم التاريخ والأحداث.

(٢) هذه إحدى الخرائط التي تبين توزيع الولايات التابعة للدولة العثمانية في أواخر عهدها وفيها يتضح أن المعالم الحالية لفلسطين ليس لها دخل بذلك التوزيع للإطلاع على الخريطة اضغط هنا

(٣) حتى الفصيل الأكبر من الفصائل الفلسطينية الوطنية "فتح" جعلت أقصى أمانيها التمتع بسلطة داخل أراضي ٦٧ بما يصاحبها من خنوع كامل لإسرائيل وقمع للمقاومة. للمزيد راجع كتاب "القضية الفلسطينية: خلفياتها التاريخية وتطوراتها المعاصرة" للدكتور محسن محمد صالح. 

(٤) النظرية الصهيونية التي قلبت فكرة اليهود من رفض الدولة بسبب انتظار المخلّص إلى الإيمان بالدولة سعيا للاستعداد لخروجه، شبيهة جدا بنظرية ولاية الفقيه التي قلبت الفكرة عند الشيعة من رفض الدولة بسبب انتظار المهدي إلى الإيمان بالدولة سعيا لتهيئة الأرض لخروجه.

(٥) من الجماعات اليهودية القليلة التي صمدت حتى الآن في التشبث بالتعاليم اليهودية الأصلية برفض التجمع هي حركة "ناطوري كارتا" التي تتحرك بنشاط ضد دولة إسرائيل ولها مراكز في عواصم كثيرة في العالم. وعلى كل حال فمن إرادة الله أن يجتمع اليهود حتى يتحقق وعد الله للمسلمين بالقضاء عليهم كما جاء في الحديث الصحيح "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر وراءه يهودي: تعال يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله!"

(٦) من أجمل من كشف الدور البريطاني الممنهج والمدروس في التمكين للصهاينة في فلسطين وثائقي "النكبة" في قناة الجزيرة اضغط هنا.

(٧) راجع كتاب الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ للدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله حيث كمية ضخمة من المراسلات بين المنظمتين تثبت اتفاق الأهداف تجاه اليهود. 

(٨) هذا لا يعني أن الغرب لم يعد مستفيدا من بقاء إسرائيل فبعض الساسة الغربيين يعتقدون أن إسرائيل ازدادت أهميتها بعد عودة الروح الإسلامية للشعوب العربية، بل إن خوسيه أزنار رئيس وزراء إسبانيا السابق قال صراحة "الغرب ينهار بانهيار إسرائيل" للاطلاع على التصريح اضغط هنا.
(٩) العدوان الثلاثي هو الحرب التي شنتها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل للسيطرة على قناة السويس سنة ١٩٥٦ رفضتها أمريكا تجاوبا مع تهديد الاتحاد السوفيتي وضغطت على الجميع للانسحاب.

(١٠) تحدث بعض الأمريكان بخجل عن هذا الموضوع لكن كتاب The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy للمؤلف John J. Mearsheimer ناقش المسالة بصراحة وبسببها اتهم بمعاداة السامية.
ويمكن الرجوع لكتاب "من يجرؤ على الكلام" للسيناتور بول فيندلي لمعرفة حجم تأثير اللوبي اليهودي على صانع القرار الأمريكي.

(١١) راجع كتاب البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي أطروحة دكتوراة للدكتور يوسف الحسن. 

(١٢) كتاب شروط النهضة لمالك بن نبي والذي اشتهرت فيه عبارة "القابلية للاستعمار" من أفضل الكتب في تفسير حالة الهبوط الحضاري في مقابل شروط النهضة الحضارية. 

(١٣) المشكلة ليست إعلان دولة من الدول العربية ولائها الصريح لإسرائيل وعدائها الصريح لحماس لكن المشكلة هي نجاح الإعلام والتعليم في البرمجة الكلية للرأي العام لإيجاد دعم شعبي ولو جزئي لهذا الوضع الخياني. 

(١٤) لم يكن إخراج الفلسطينيين من لبنان سنة ١٩٨٢ بذاته سببا في توقف العمليات والدليل استمرار العمليات ضد إسرائيل بعد خروج الفسلطينيين من بيروت ولم تتوقف مشاكل إسرائيل من لبنان إلا بعد التفاهم مع حزب الله سنة ٢٠٠٦. 

(١٥) من توفيق الله أن بادرت قيادة حماس بالسيطرة على غزة سنة ٢٠٠٧ فأجهضت مؤامرة كبيرة بالقضاء عليها فكانت إلهاما ربانيا لإبقاء جذوة المقاومة بكل قوتها. 

(١٦) من المفارقات أن بعض النبوءات في الكتاب المقدس تتحدث عن نجاح الفلسطينيين بتسلق الجدار العازل الذي ربما يقصد به الجدار الذي أقيم لمحاصرة الضفة الغربية سنة 2002. 

(١٧) لا يُنكر صدق فريق من القومين في قوميتهم لكن فريقا آخر (من جنس صبّاحي وهيكل) يقدمون قيمهم العلمانية والليبرالية على مسئوليتهم القومية ولذلك يكرهون الإسلاميين حتى لو رأوا بلائهم العظيم في محاربة المشروع الصهيوني ويؤيدون السيسي رغم صهيونيته ويؤيدون بشار رغم تدميره لشعبه ولسان حالهم يقول: "كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر".


سبق نشره على هذا الرابط.