الخميس، 31 يوليو 2014

مَن أجبر أمريكا على محالفة إيران؟



أمريكا سيدة المنطقة

فرضت أمريكا نفسها في الخليج والمشرق العربي بعد الحرب العالمية الثانية، ثم أكدت قوتها بعد أزمة الخليج وانتهاء الحرب الباردة فصار نفوذها بلا منافس (١). وتقادم هذا النفوذ حتى ظن الناس أنه جزء من قدرهم، ولا يخطر ببال سياسي ولا مفكر ولا إعلامي أن يتصور المنطقة دون هذا النفوذ لكل المستقبل المنظور. والتجارب في تحدي هذا النفوذ مثل تجربة جمال عبد الناصر وصدام حسين فشلت؛ لأنها كانت بدون استراتيجية تكافئ الحضور الهائل سياسيًّا وثقافيًّا وعسكريًّا وأمنيًّا لأمريكا في المنطقة.

الاستراتيجية الإيرانية

حين انطلقت الثورة الإيرانية كادت أن تكون تكرارًا لتجربة جمال عبد الناصر وصدام؛ لأنها تعاملت مع النفوذ الأمريكي تعامل ردّ الفعل المستعجل دون استراتيجية واضحة. وبعد أن تجاوزت إيران مرحلة الحرب مع العراق وتسلم هاشمي رفسنجاني رئاسة الدولة، قرّر رسم استراتيجية قائمة على فهم شامل لطريقة التفكير الأمريكية، وخريطة النفوذ الأمريكي، ونقاط الضعف فيها، ومعرفة الخريطة الديموغرافية والمذهبية في المنطقة (٢). وإثر ذلك، رسمت إيران استراتيجية قائمة على الاركان التالية:

- إيقاف الصدام الثوري مع حكومات المنطقة التابعة للنفوذ الأمريكي، ومجاملتها قدر الإمكان من أجل الوصول للأقليات الشيعية، واستغلالها دون محاذير (٣).

- التظاهر باحترام المذهب السني في الطرح السياسي والإعلامي، وإقناع الأغلبية السنية أن إيران تحمل همّ الإسلام عمومًا، وليس همّ المذهب الشيعي فقط.

- بذل أقصى الجهود للتطوير العسكري بكل أنواع السلاح والتدريب وكفاءة القوات المسلحة، والسعي للاستقلال التقني في الصناعة النووية والصواريخ والحواسيب والإنترنت والاتصالات.

- استغلال الفوضى في لبنان لصناعة قوة موالية لإيران (حزب الله) تكون وسيلة لابتزاز أمريكا من خلال إزعاج ربيبتها إسرائيل (٤).

- توثيق العلاقة مع روسيا والصين، أولًا: من أجل الحصول على السلاح المتطور والتقنية النووية، وثانيًا: من أجل أن تقف معها ضد أي قرار أممي تسعى له أمريكا.

- السيطرة على القوى المعارضة لصدام، وتهيئتها كأداة استدراج أمريكا لإزاحة صدام، الذي يعتبر أكبر عقبة أمام نجاح الاستراتيجية الإيرانية.

- توثيق وتوسيع العلاقة مع النظام السوري، أولًا من أجل تسهيل الوصول للبنان، وثانيًا من أجل استكمال الهلال الشيعي بعد السيطرة على العراق.

- التعامل مع الأحداث في المنطقة (مثل أزمة الخليج الأولى وأحداث سبتمبر وغزو أمريكا لأفغانستان وغزو العراق) بطريقة براجماتية، حتى يمكن خداع أمريكا وتحويلها خادمًا للمشروع الإيراني.

- إيجاد نفوذ في اليمن بجماعة على غرار حزب الله اللبناني (الحوثيين) كذراع إضافي في استكمال النفوذ على كامل الجزيرة العربية (٥).

- توسيع النفوذ البحري في البحر الأحمر، وباب المندب، والبحر العربي، بعد مجموعة اتفاقيات وحقوق رسو وقواعد بحرية، في أريتريا وجيبوتي وجزر القمر.

حصيلة الاستراتيجية الإيرانية

حققت إيران كل ما كانت تريده من هذه الاستراتيجية:

- في الجانب الدفاعي، بناء جيش قوي متكامل عددًا وعدة وتدريبًا ومؤسّسًا على فهم التوازن في المنطقة، حيث اعتمدت إيران على الردع أكثر من الدفاع، وذلك بتخويف أمريكا أنها تستطيع أن تدمر مصالحها في الخليج في أي لحظة تتعرض لهجوم أمريكي.

- في التقنية، نجاح في برامج الصواريخ وتقدم في التقنية النووية والحواسيب وتقنية التجسس الإلكتروني، ومما لا يعرفه الكثير أن النظام السوري استفاد جدًّا من هذه التقنية بعد الثورة.

- في الاختراق الإقليمي تمكنت إيران من خداع حكومات المنطقة، والوصول للأقليات الشيعية بكفاءة، وجعل التيارات المؤيدة لها هي الأقوى في هذه الأقليات، مع توجيهها بعدم التحرك إلا عند الحاجة.

- في لبنان، كان مشروع حزب الله من أنجح مشاريع التنظيمات المتطورة حزبيًّا وحركيًّا واجتماعيًّا، ولولا الثورة السورية والجهاد السني، لم تكن شوكة حزب الله لتنكسر.

- في سوريا، نجحت إيران في ربط النظام السوري معها بعلاقة مصيرية، رغم الفرق الكبير بين النظامين والخلاف المذهبي والتوجه القومي العروبي المزعوم للنظام السوري (٦).

- في العراق، نجحت إيران في استدراج أمريكا لتخليصها من صدام على حساب الحكومات التابعة لأمريكا وبدماء الأمريكان، ثم بنفس السياسة الهادئة نجحت في السيطرة على العراق رغم أنف أمريكا.

- في اليمن، نجحت إيران في توسيع نفوذ الحوثيين، فتحولوا من حركة هامشية، إلى قوة تهدد العاصمة صنعاء، وتتحكم في أجزاء كبيرة من اليمن.

- في البحر الأحمر وباب المندب، حققت إيران نجاحًا جزئيًّا في الوجود البحري، وذلك بسبب المنافسة الشرسة من قبل أمريكا وإسرائيل وفرنسا.

ماذا كانت الخطوة التالية لإيران؟

بعد هذا النجاح في السيطرة على العراق، والتنسيق الكامل مع النظام السوري، وقوة ذراعها في لبنان، واستكمال الاستعداد العسكري والأمني، والتحالفات الدولية، كانت خطوات إيران تتمثل في التالي:

- تحقيق اختراق ناعم لدول الخليج، ثم السيطرة على ضفتي الخليج، والتحكم بشريط النفط الممتد من البصرة إلى الإمارات.

- استكمال الهلال الشيعي الممتد من هيرات إلى اللاذقية، إلى حدود لبنان الجنوبية، وتمكين إيران من أن تطل على البحر المتوسط والخليج العربي والبحر العربي، والسيطرة على أغنى آبار النفط في العالم.

- السيطرة على الحجاز إما باحتلاله أو التحكم به، بعد استكمال الإحاطة به من الجهات الأربع: العراق والخليج واليمن والنفوذ البحري في البحر الأحمر.

- السيطرة على وسائل الإعلام الإسلامية والعربية، بعد تهميش حكومات الخليج السنية، والتأثير على كل المجتمعات السنية في العالم.

كيف تعثر المشروع الإيراني؟

كان المشروع الإيراني ينفذ رويدًا رويدًا دون توقف، وكانت دول المنطقة عاجزة عن إيقافه، بل ساهمت -من حيث لا تعلم- في تنفيذه من خلال إبعاد شعوبها بأغلبيتها السنية عن دورها القيادي عالميًّا، وإشغالها بسفاسف الأمور. وحتى بعد أن انتبهت بعض هذه الدول لخطر المشروع الإيراني، لم يكن لديها الأدوات ولا الرؤية في مواجهته. ولذلك لم يلاقِ المشروع الإيراني أيّة صعوبة في تنفيذ خطواته، إلى أن حصل ما لم يكن الإيرانيون قد حسبوا حسابه، وهو انطلاق الربيع العربي وتداعياته على سوريا والعراق.

البداية في سوريا

أول صدمة حقيقية للمشروع الإيراني كانت الثورة السلمية في سوريا، ثم ما تلاها من تداعيات. حين انحازت إيران بشكل فاضح ومكشوف مع النظام السوري، خسرت كثيرًا من السنة الذين سبق أن خدعتهم بزعمها الوقوف مع قضايا الإسلام وعلى رأسها قضية فلسطين. الخسارة الثانية، بعد أن تعسكرت الثورة تبين أن إيران لا يمكن أن تفرط بالنظام السوري، وأن التزامها به التزام مصيري، فقررت التدخل عسكريًّا بمستشاريها وبالحرس الثوري، كما قرّرت أن تدفع بحزب الله والمليشيات العراقية الشيعية في وجه المجاهدين السنة.

وقتها صارت الأغلبية السنية في المنطقة تنظر لإيران نظرة عدو استراتيجي، واقتنعت شعوب المنطقة بدعم أيّ جهد ضد النفوذ الإيراني حتى لو لم تتحرك الدول.

ولأن المقاتلين الحقيقيين ضد النظام السوري من المجاهدين السنة الذين تعاديهم أمريكا، فلم تكن إيران قلقة من غضب أمريكي، ولا من الحكومات المحالفة لأمريكا في المنطقة. وكانت تقديرات إيران للموقف الأمريكي وحلفائه صحيحة، فرغم كل ما فعله النظام السوري بدعم إيراني صريح، لم تتجاوز أمريكا التنديد الكلامي في موقفها من الأزمة السورية.

وتوقعت إيران أن الجهاد السني سيكون نسخة من المقاومة العراقية السابقة، التي تعاملت معها بالاختراق ثم الشيطنة، ونجحت في إقناع الأمريكان بإنشاء جماعات الصحوة التي حيدت المقاومة بكفاءة (٧). وفعلًا، حاولت إيران الاختراق والشيطنة في الثورة السورية، واستخدام أمريكا وحلفائها في تبطئة الثورة وشق صفوفها. نجحت إيران جزئيًّا؛ رغم إرهاقها اقتصاديًّا وعسكريًّا وأمنيًّا وسياسيًّا في سوريا، فقد كانت المواجهة قابلة للتحمل (٨).

التحدي الكبير

التطور الأخطر والذي تجاوز الإرهاق ليكون مقوضًا للمشروع الإيراني كله ومهددًا إيران ذاتها، هو الاجتياح المفاجئ من قبل تنظيم الدولة للموصل، ثم بقية المناطق السنية في العراق. خطورة هذا الاجتياح على إيران تتمثل في التالي:

- تدمير بنية الجيش العراقي التابع للمالكي ومن ثمّ التابع حقيقةً لإيران.
- تخويف وإرهاب بقية قطاعات الجيش العراقي، خوفًا من اجتياح مماثل.
- السيطرة على مناطق السنة، سهلت تجنيد القوى السنية ضد المالكي، بعد معاناة السنة تحت سلطته.
- السيطرة الكاملة على الحدود السورية العراقية، ومن ثمّ قطع الإمدادات البرية الإيرانية لسوريا.
- إجبار الميليشيات العراقية التي تقاتل مع النظام السوري على العودة للعراق لمواجهة هذا الاجتياح.
- غنيمة كميّة ضخمة من السلاح والذخيرة والمال مما تركه جيش المالكي الفارّ.

عجز جيش المالكي والميليشيات التابعة له عن مواجهة تنظيم الدولة، وضع إيران في ورطة حقيقية لسببين:

السبب الأول: لا توجد قوة غير إيران مستعدة لمواجهة تنظيم الدولة، فالأمريكان حلفوا يمينًا مغلظًّا أن لا يعودوا للعراق (٩)، ودول الجوار ليس لديها القدرة ولا الرغبة على مواجهة مثل هذا التنظيم، والأكراد لا يمكن أن أن يقاتلوا أبعد من مناطق نفوذهم، والصحوات لا يمكن إحياؤها بعد الويلات التي لاقاها السنة من سلطة المالكي.

السبب الثاني: أن إيران لا تقبل أن ينهار مشروعها الذي عكفت عليه ربع قرن بهذه السرعة، مما يعني أنها تضطر للتصدي للمشكلة بنفسها، وتتدخل في العراق عسكريًّا حتى لو أدى ذلك لأن تكون وجهًا لوجه مع تنظيم الدولة والقوى السنية في العراق.

التدخل الإيراني تحت مظلة الميليشيات العراقية حصل ونجح جزئيًّا في تبطئة تقدم الاجتياح، لكنه لا يكفي لإيقافه تمامًا ولن يسترد المناطق التي خسرها المالكي. وتقديرات الإيرانيين أن تنظيم الدولة سوف يستعيد زخم التقدم، ولن يقبل بأي أنصاف حلول بما في ذلك تقسييم العراق، وسوف يواصل التقدم وربما يجتاح بغداد قريبا؛ً فما هو الحلّ؟

هل تسمح أمريكا؟

يبدو أن لا حلّ إلا دخول قوات إيرانية (الحرس الثوري غالبًا) بصفتها المتكاملة بشكل رسمي، حتى تكون أكثر قدرة وتماسكًا في المواجهة القتالية. هذا يعني بالضرورة احتلاًلا عسكريًّا إيرانيًّا للعراق؛ فهل ستسمح أمريكا وحلفاؤها بذلك؟

يمكن معرفة الإجابة الأمريكية من خلال مقارنة نظرة أمريكا لإيران مقابل نظرتها لتنظيم الدولة. أمريكا تنظر لإيران كخصم منافس في لعبة دولية بقواعد معروفة وقبول أسس النظام الدولي القائم حاليًا. وبعد تعامل أمريكا مع إيران في العقود الماضية، أدركت أنها دولة براجماتية قابلة للتفاهم، بل التحالف، عند اللزوم. أما تنظيم الدولة، فعدوّ شامل العداء من كل الوجوه، لا يؤمن بالبراجماتية ولا بقواعد اللعبة الدولية ولا بأسس النظام الدولي.

المفارقة الأخرى، أن أمريكا نفسها قلقة من تنظيم الدولة أكثر من قلق إيران، وتريد لهذا الخطر أن يزول أو يُحتوى، وليس عندها القدرة على التدخل بنفسها ولا إجبار حلفائها الآخرين على التدخل. وبهذا؛ فلا يحتاج المرء للكثير من الذكاء حتى يستنتج موافقة أمريكا (وحلفائها) بقناعة كاملة على تدخل إيراني يكافئ خطر تنظيم الدولة. بل إن الأمريكان (وحلفاءهم في المنطقة)، ربما شجعوا الإيرانيين على التعجيل بتوسيع تدخلهم في العراق.

هل يدرك الأمريكيون النتيجة؟

هل يدرك الأمريكان أن أي زيادة في التدخل الإيراني تعني تجييش المزيد من السنة في العراق وخارجه ضد التدخل الإيراني؟ وانضمام أضعاف العدد الحالي من المقاتلين للتنظيم؟ … وبهذا تكون أي زيادة في التدخل الإيراني تقوية للتنظيم. الأخطر من ذلك أن الحكومات السنية في المنطقة ستخسر الكثير من شرعيتها، وترتفع أسهم تنظيم الدولة بصفته الجهة الوحيدة التي صمدت أمام غزو فارسي صريح. وهكذا بعد أن تظن أمريكا أنها تتجرع الدواء المرّ، إذا بها تتجرع سمًّا لا علاج فيه ولا ترياق. السؤال المهمّ هنا ما هو أخف الضررين على أمريكا؛ تشجيع إيران على التدخل؟ أو منعها منه؟

الجواب في الحقيقة ليس مهمًّا بقدر أهمية هذا الاستنتاج: وهو أن أمريكا في ورطة حقيقية أمام التحدي الجهادي. فلا هي التي تستطيع مواجهته بنفسها، ولا التي تستطيع تحريك عملائها داخل العراق وخارجه لمواجهته، ولا هي التي تستطيع ضربه بإيران، على طريقة عدو عدوي صديقي، ولا هي التي تستطيع تركه يتمدد كما يريد.

وبغض النظر عن الموقف من تنظيم الدولة، فإن العربي المسلم يفرح وهو يشاهد أمريكا التي كانت إلى عهد قريب لا تسأل عما تفعل، ولا يستطيع أحد أن يتحرك إلا بإذنها، يراها الآن مشلولة وكل خيار أخطر عليها من الآخر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:

(١) كان النجاح الكبير للقوات الأمريكية في حرب الخليج 1991 وسقوط الاتحاد السوفياتي سببًا في غطرسة أمريكية استفزت كثير من الأمم خاصة المسلمين.

(٢) صحيح أن رفسنجاني له دور كبير في رسم هذه الاستراتيجية، لكن الفضل يعود لآليات الدولة الإيرانية أكثر مما يعود لفرد واحد.

(٣) كان شعار تصدير الثورة التي تبناه الخميني، سببًا في حالة مواجهة بين إيران وجيرانها، وتحاشي كل الدولة تحسين العلاقة مع إيران فيما عدا سوريا.

(٤) حزب الله تأسس قبل استلام رفسنجاني، لكن مشروعه تطور كثيرًا بعد توسيع الاستراتيجية الإيرانية.

(٥) ظاهرة التشيّع الاثني عشري حادثة في اليمن، وكان التشيع مقتصرًا على الطائفة الزيدية، التي تعتبر معتدلة جدًّا مقارنة بالاثني عشرية. ولم تقصر إيران في استغلال الجهل والحاجة في اجتذاب اليمنيين للتشيع الاثني عشري بقيادة الحوثيين.

(٦) على عكس ما يظن البعض، فإن للاثني عشرية (مذهب إيران) موقفًا شديدًا ضد النصيرية (مذهب حكام سوريا) لكن المصالح السياسية أذابت الخلاف.

(٧) كانت ضربات المقاومة العراقية بين سنة 2005 و2007 مرعبة للأمريكان، ولم تتمكن أمريكا من احتوائهم إلا بعد تأسيس الصحوات، وذلك قبل أن يعاني السنة في العراق الويلات من طائفية المالكي.

(٨) التجزؤ في الفصائل في سوريا، كان فرصة مثالية لاختراقات وصحوات، لكن بقدر ما تبدو هذه الفوضى مفيدة لإيران، فإن إنشاء صحوات فعالة كان أصعب بكثير من الحالة في العراق.

(٩) تتابعتِ التصريحاتُ الأمريكية عن استحالة العودة للعراق بعد الأحداث الأخيرة، وكأن كل مسؤول أمريكي يريد أن ينأى بنفسه أسرع من الآخر، وذلك بسبب الخسائر الضخمة لأمريكا في العراق بعد الاحتلال.

مقالة سبق نشرها في صحيفة التقرير على هذا الرابط.

الثلاثاء، 22 يوليو 2014

مقالاتي















































القضية الفلسطينية والحقائق العشر


التعاطف مع ما يجري في غزة والغضب على الصهاينة لا يعني بالضرورة إدراك كثير من المتعاطفين لما يجري في أبعاده الحقيقية ولا استيعاب جذور المشكلة. وبسبب تقادم الزمن وتغير المعطيات الاجتماعية والديموغرافية والحملات الموجهة، انطمست كثير من الحقائق وزُوّرت حقائق أخرى فصارت الأجيال الأخيرة بحاجة ماسة لإعادة تصور القضية الفلسطينية من جديد. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بإحياء الحقائق المطموسة وإزالة التزوير والتحريف عن حقائق أخرى، وتصحيح الصورة الكاذبة التي صنعتها المؤامرة العالمية عن هذه القضية. هذه محاولة لطرح نماذج من هذه الحقائق بمفرداتها البسيطة كمنصة انطلاق لفهم القضية الفلسطينية. (١)

الحقيقة الأولى: حدود فلسطين

الصورة المنطبعة في ذهننا عن فلسطين بخريطتها الحالية المستطيلة وخطوط حددها المستعمر، ليس لها أصل في تاريخنا الإسلامي. فلسطين جزء من بلاد الشام في قلب الكيان الإسلامي في كل مراحل الحكم الإسلامي من الخلافة الراشدة إلى الأموية إلى العباسية إلى العثمانية. صحيح أن اسم المنطقة فلسطين اسم قديم لكن لم تتشكل بهذه الحدود إلا بعد الاستعمار البريطاني، وتأسيس الأقطار المجاورة بشكل مصطنع. وطول أمد التشكيلة القطرية التي أقيمت على أساس "سايكس بيكو" ورسوخها في الذهنية العربية يجب أن لا يشطب هذه الحقيقة، فلا تصح عقيدة المسلم إلا بمفهوم إسلامي للانتماء ووحدة الأمة.  وهذا يعني أنه لا يمكن أن يكتمل الشعور بالمسئولية تجاه فسلطين إلا باعتبارها قلب كياننا الإسلامي الكبير يحمل مسئوليتها كل مسلم بنفس ما يحمله الفلسطيني المقيم هناك. (٢)

الحقيقة الثانية: تهجير شعب وتوطين شعب

جوهر قضية فلسطين هو إزاحة شعب عربي مسلم من أرضه وتهجيره وإحلال يهود قادمين من أصقاع الأرض محله، ثم صناعة دولة اسمها إسرائيل. ومع الزمن شطبت هذه الحقيقة وفرض واقع جديد اعترفت به المحافل الدولية وكل الدول العربية، وتفرغ الإعلام الموجه (عالميا وعربيا) لصياغة ذهنية عربية لا تعرف شيئا عن أصل القضية. صاحب ذلك قمع شديد لجذوة المقاومة من قبل أجهزة المخابرات العربية مدعوما بمؤامرات متواصلة لإنهاء المقاومة عسكريا وسياسيا ومعنويا. في هذا الجو المحرّف ظهرت الأجيال الجديدة وهي تُـلقّن أن قضية فلسطين محصورة في احتلال "دولة إسرائيل" لأراض عربية سنة ١٩٦٧ دون أي إشارة إلى أن هذه الدولة من أصلها باطلة. وبناء على هذا الفهم المحرف أعيد تشكيل القضية حتى صار أقصى مراد الفلسطينيين إخراج إسرائيل من المناطق المحتلة عام ٦٧. ولولا العامل الديني لم يعد أحد يفكر بالعودة للأصل، وهو أن إسرائيل كلها دولة مسخ ولا حل إلا بأن يحكم الإسلام المنطقة كلها ويعود أهل فلسطين ويتم التعامل مع اليهود بما يفرضه الإسلام. (٣)

الحقيقة الثالثة: الصهيونية واليهودية

كثير من الناس لا يعرف حقيقة المشروع الصهيوني الذي يناقض اليهودية في مسألة أساسية وهي اجتماع اليهود في فلسطين. الشريعة اليهودية تمنع اجتماع اليهود في إسرائيل إلا تحت راية المخلص، ولم يمكن جمعهم بهذه الطريقة إلا بالحيلة الصهيونية التي قلبت الفكرة وجعلت اجتماع اليهود في فلسطين وتأسيس دولة يهودية ضرورة  لظهور المخلّص. ومما لا يعرفه الكثير فإن الصهاينة علمانيون بل إن كثيرا منهم ملحدون وتبنوا اليهودية كمشروع قومي لخدمة "قومهم" بطريقة فيها التفاف على الديانة نفسها (٤). وبعد أن قامت الدولة اليهودية (إسرائيل) أصبح للصهاينة اليد العليا على اليهود المخالفين، فنجحوا في تغيير المؤسسة الدينية اليهودية لتكون متبنية للمشروع الصهيوني. ولم يقتصر هذا التغيير على داخل إسرائيل بل اضطرت كل المؤسسة الدينية اليهودية في العالم أن تتغير لصالح المشروع الصهيوني ولم يبق من الحاخامات معترضا على المشروع إلا القليل. (٥) 

الحقيقة الرابعة: الاستعمار والصهيونية

لم يكتب للمشروع الصهيوني التمكين إلا بعد أن تبنته القوى الاستعمارية (الأوربية) في بداية القرن العشرين الميلادي، وذلك لتحقيق عدة أهداف استعمارية. أول الأهداف التخلص من الفائض اليهودي المزعج في أوربا، وثاني الأهداف تصدير هذا الفائض ليكون كتلة بشرية في وجه العرب. وهذا لا يمكن إلا بتأسيس دولة لليهود في قلب العالم العربي يوفر على الاستعمار مواجهة روح النضال العربية التي كانت أقوى أشكال الإزعاج  للاستعمار الغربي. وهنا اتفق مراد الصهاينة مع الرغبة الاستعمارية فحظي بدعم هائل كان أقوى نماذجه مشروع بريطاني متكامل، بدأ بوعد بلفور وانتهى بإعلان دولة إسرائيل سنة ١٩٤٨ (٦). وحظي المشروع الصهيوني بتأييد كل الأحزاب الأوربية تقريبا بما في ذلك الحزب النازي الألماني، لأن الصهيونية توفر على النازية تحقيق مرادها الكبير وهو التخلص من اليهود دون أن تضطر لطردهم أو إفنائهم. (٧)

الحقيقة الخامسة: الصهيونية والغرب من الخادم ومن المخدوم؟ 

بقي المشروع الصهيوني خادما لمراد الاستعمار إلى أن تأسست دولة إسرائيل، حيث توفرت للصهاينة فرصة صناعة لوبيات قوية في كل الدول الغربية، ومن ثم قلب المعادلة والتحكم بالدول الغربية. ونجح المشروع الصهيوني من خلال الإعلام والمال والاختراق السياسي  في تسخير قدرات هذه الدول وقوتها لصالح إسرائيل. ووصل هذا المشروع ذروته في حرب حزيران ١٩٦٧ حيث كان التعاطف الغربي مع إسرائيل شعبيا ورسميا في قمته. وبدأ هذا التعاطف ينحسر ببطء شديد بعد أن أدرك بعض الساسة الغربيين أن إسرائيل تحولت إلى عبء أكثر من خادم لمصالحهم. لكن هذا الإدراك ليس بالقوة الكافية التي تواجه ثقل وقوة وضغط اللوبيات الصهيونية التي أوجدت هيبة حقيقية لإسرائيل في الوجدان الغربي. (٨)

الحقيقة السادسة: الدعم الأمريكي متى وكيف؟

الدعم الأمريكي الهائل لإسرائيل الذي نراه اليوم لم يكن مرتبطا بالجزء الأول من المشروع الصهيوني، وكانت أول خطوة نوعية في تأييد إسرائيل متأخرة نسبيا، هي الاعتراف بالكيان الصهيوني سنة ١٩٤٨. والسبب هو أن الصهاينة ركزوا على أوربا في بداية مشروعهم، لأن القوى الاستعمارية كانت في أوربا وحين لاحظوا صعود نفوذ أمريكا استخدموا الجزء الثاني من مشروعهم، وهو اللوبيات للتأثير على القرار الأمريكي لصالح إسرائيل. وفي الحقيقة بقي التأثير الصهيوني على أمريكا أقل من أوربا إلى بداية الستينات، والدليل الموقف الأمريكي الرافض للعدوان الثلاثي على مصر.(٩) وبعدها تنامت قوة اللوبيات الصهيونية في أمريكا حتى صارت مصالح إسرائيل مقدمة على مصالح أمريكا القومية (١٠). وقد اكتشف الصهاينة النزعة البروتستانية الإنجيلية في أمريكا، التي توافق الصهاينة في فكرة وطن لليهود في أرض الميعاد، للتهيئة للمخلّص فاستثمروها إلى أبعد حد في التأثير على المتدينين الأمريكان.  (١١)

الحقيقة السابعة: السبب نحن وليس هم 

لم يكن الصهاينة لينجحوا رغم كل الدعم الاستعماري لو كان المسلمون في حالة تماسك وقوة، لكن المسلمين حين انطلق المشروع الصهيوني كانوا في أدنى حالاتهم في الثقة بالنفس وقوة الانتماء والشعور بالمسئولية. وقد تراكم الهبوط الحضاري للمسلمين في أواخر عهد الدولة العثمانية إلى أن وصلوا لما سماه مالك بن نبي بـ "القابلية للاستعمار". (١٢) واستمر الهبوط الحضاري وضعف الانتماء عند العرب والمسلمين بعد مشروع سايكس بيكو، وإحلال مفاهيم الوطنية والقومية وأتم الصورة تسلط حكام خادمين للمشروع الصهيوني في إبعاد العرب والمسلمين عن انتمائهم الحقيقي. وتدهور حال الحكومات العربية من موقف المحارب لإسرائيل ولو شكليا، إلى الاعتراف بدولة إسرائيل والدخول في سلام معها إلى التطبيع مع إسرائيل، وأخيرا إلى التعاون مع إسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية. وإذا كانت بعض الحكومات تعلن التنسيق الصريح مع إسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية وخاصة الإسلامية منها، فإن حكومات أخرى تعمل الشيء ذاته أو ما يشبهه دون أن تعلن أو تصرح. (١٣)

الحقيقة الثامنة: من هو الضامن لأمن إسرائيل؟

من الملاحظات العجيبة أن إسرائيل لم تتعرض خلال الأربعين سنة الماضية (منذ ١٩٧٠م) إلى هجوم للمقاومة من أي دولة عربية محاذية لإسرائيل إلا من لبنان. التفسير الوحيد لهذه الملاحظة يمكن استنتاجه من معرفة الفرق بين لبنان والدول العربية الأخرى، وهو أن كل الدول فيها سلطة مركزية قوية إلا لبنان. ولنفس السبب كانت الأردن مصدر هجمات للمقاومة قبل أيلول الأسود، حين كانت سلطة الحكومة المركزية لا تكفي للسيطرة على حركة المقاومة الفلسطينية. الاستنتاج البسيط من هذه الملاحظة هو أن الحكومات العربية هي التي تحمي إسرائيل وتمنع الهجمات عليها، وبذلك فإن هذه الحكومات عمليا هي الضامنة لأمن إسرائيل. ولنفس السبب لم تتوقف الهجمات من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة إلا بعد تأسيس السلطة الفلسيطينية، ومن ثم أدائها لنفس المهمة التي تؤديها الحكومات العربية بل بمستوى أكثر فعالية من خلال التنسيق الأمني الصريح مع الصهاينة. أما في لبنان فقد تمكنت القوى العالمية من الاستفادة من حزب الله كبديل للسلطة المركزية، حيث سُمح له بالسلطة المطلقة في جنوب لبنان مقابل منع الفصائل الفلسطينية من أي نشاط ضد إسرائيل(١٤). ولم يبق بعد ذلك مصدر لإزعاج إسرائيل إلا غزة بسبب سيطرة حماس عليها ولو كُتب أنها تحت يد السلطة لانتهت المقاومة تماما. (١٥)

الحقيقة التاسعة: الخط البياني السياسي والخط البياني الشعبي 

حين خنعت الحكومات أمام جبروت المشروع الصهيوني كان الناس يعودون رويدا رويدا لهويتهم، بدءا بـ"الصحوة" ومرورا بالظاهرة الجهادية وانتهاء بالربيع العربي. ولو كان الأمر متروكا للحكومات لربما نجحت إسرائيل أن ترغم أنوفنا بالأمر الواقع، ومع كل ذلك فالزخم العام في مسيرة الانتماء لم يكن -ولن يكون- خاضعا لطغيان حاكم ولا لسلطة مستبد. ولولا وحدة الهوية وقوة الانتماء، لما كانت الثورات العربية قادرة على اقتحام الحدود لتنفجر في أكثر من بلد، وتلحظها بركانا على وشك الانفجار في بلدان أخرى. والمتبنون للمقاومة ليس لديهم إمكانات إسرائيل الإعلامية والسياسية والعسكرية، فضلا عن أنهم لم يسلموا من خذلان الحكام الخونة وملاحقتهم ومساعدة إسرائيل في حصارهم. لكن العودة الكبيرة للهوية هونت عليهم المهمة وغيرت المعادلة وقلبت ميزان المعركة بجدارة، لأن المعركة تغذت بزخم شعبي غير خاضع لكيد الحكام. وفي حين كان الخط البياني للقوة السياسية والعسكرية العربية الإسلامية في انحسار، كان الخط البياني للهوية والانتماء في صعود بطيء لكنه أكيد. هذا الزخم الشعبي سيصنع عاجلا أو آجلا تغييرات "خلاقة" تقضي على الحكومات العربية المدافعة عن إسرائيل، ويجعل الشعوب العربية المجاهدة وجها لوجه مع الكيان الصهيوني بدون جيوش عربية تحمي إسرائيل. (١٦) 

الحقيقة العاشرة: القومية والوطنية مقابل الإسلامية 

موقفنا تجاه قضية فسلطين، هل هو تعاطف عنصري (قومي) مع  شعب من شعوبنا العربية  طرد من أرضه؟  أم هو رفض لجسم غريب تمت زراعته داخل كيان الأمة العربية المسلمة؟ النموذج الأول، وقوده لا يتجاوز غضب مؤقت لجيل أو جيلين ومصيره الذبول والانحسار والرضا بالأمر الواقع، مهما كانت المعاناة كما حصل في برامج الاستيطان الأوربية في الأمريكيتين واستراليا ونيوزيلندة. أما النموذج الثاني، فوقوده تاريخ وثقافة ووجدان وإيمان وانتماء مسئولية متجددة، لا يذبل مع الزمن ولا ينحسر مع الضغوط. النموذج الأول لا يتحمل مسئوليته إلا الشعب المعني بالأمر، وقليل ممن يتعاطف معه من أفراد ومؤسسات وشعوب بنشاط مؤقت محدود التأثير. أما النموذج الثاني، فيتحمل مسئوليته كل المسلمين بشعور مصيري مرتبط بذات الهوية والانتماء. النموذج الأول لا يهمه من له الغلبة والسلطة والمهم أن يعود العربي إلى أرضه وبيته ومزرعته. النموذج الثاني لايرضى إلا بعودة الغلبة والهيمنة للمسلمين وسلطانهم ومنهجهم وشريعتهم. ولهذا السبب تحولت كثير من فصائل المقاومة الوطنية (النموذج الأول) إلى أدوات تنسيق مع إسرائيل، بعد أن تخلت عن مبادئها بينما صمدت الفصائل الإسلامية (النموذج الثاني) بتحمل كامل تبعات القضية. (١٧)





 ----------------------------------------------------------------------------

(١) حتى المتخصصين بالقضية الفلسطينية تفوت عليهم بعض الحقائق، ليس بسبب جهلهم بها لكن بسبب تعرضهم لما تعرض له كثير من أبناء الأمة من إعادة تركيب لذهنيتهم طبقا لمنهجية غير منضبطة بمرجعية إسلامية في فهم التاريخ والأحداث.

(٢) هذه إحدى الخرائط التي تبين توزيع الولايات التابعة للدولة العثمانية في أواخر عهدها وفيها يتضح أن المعالم الحالية لفلسطين ليس لها دخل بذلك التوزيع للإطلاع على الخريطة اضغط هنا

(٣) حتى الفصيل الأكبر من الفصائل الفلسطينية الوطنية "فتح" جعلت أقصى أمانيها التمتع بسلطة داخل أراضي ٦٧ بما يصاحبها من خنوع كامل لإسرائيل وقمع للمقاومة. للمزيد راجع كتاب "القضية الفلسطينية: خلفياتها التاريخية وتطوراتها المعاصرة" للدكتور محسن محمد صالح. 

(٤) النظرية الصهيونية التي قلبت فكرة اليهود من رفض الدولة بسبب انتظار المخلّص إلى الإيمان بالدولة سعيا للاستعداد لخروجه، شبيهة جدا بنظرية ولاية الفقيه التي قلبت الفكرة عند الشيعة من رفض الدولة بسبب انتظار المهدي إلى الإيمان بالدولة سعيا لتهيئة الأرض لخروجه.

(٥) من الجماعات اليهودية القليلة التي صمدت حتى الآن في التشبث بالتعاليم اليهودية الأصلية برفض التجمع هي حركة "ناطوري كارتا" التي تتحرك بنشاط ضد دولة إسرائيل ولها مراكز في عواصم كثيرة في العالم. وعلى كل حال فمن إرادة الله أن يجتمع اليهود حتى يتحقق وعد الله للمسلمين بالقضاء عليهم كما جاء في الحديث الصحيح "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر وراءه يهودي: تعال يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله!"

(٦) من أجمل من كشف الدور البريطاني الممنهج والمدروس في التمكين للصهاينة في فلسطين وثائقي "النكبة" في قناة الجزيرة اضغط هنا.

(٧) راجع كتاب الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ للدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله حيث كمية ضخمة من المراسلات بين المنظمتين تثبت اتفاق الأهداف تجاه اليهود. 

(٨) هذا لا يعني أن الغرب لم يعد مستفيدا من بقاء إسرائيل فبعض الساسة الغربيين يعتقدون أن إسرائيل ازدادت أهميتها بعد عودة الروح الإسلامية للشعوب العربية، بل إن خوسيه أزنار رئيس وزراء إسبانيا السابق قال صراحة "الغرب ينهار بانهيار إسرائيل" للاطلاع على التصريح اضغط هنا.
(٩) العدوان الثلاثي هو الحرب التي شنتها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل للسيطرة على قناة السويس سنة ١٩٥٦ رفضتها أمريكا تجاوبا مع تهديد الاتحاد السوفيتي وضغطت على الجميع للانسحاب.

(١٠) تحدث بعض الأمريكان بخجل عن هذا الموضوع لكن كتاب The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy للمؤلف John J. Mearsheimer ناقش المسالة بصراحة وبسببها اتهم بمعاداة السامية.
ويمكن الرجوع لكتاب "من يجرؤ على الكلام" للسيناتور بول فيندلي لمعرفة حجم تأثير اللوبي اليهودي على صانع القرار الأمريكي.

(١١) راجع كتاب البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي أطروحة دكتوراة للدكتور يوسف الحسن. 

(١٢) كتاب شروط النهضة لمالك بن نبي والذي اشتهرت فيه عبارة "القابلية للاستعمار" من أفضل الكتب في تفسير حالة الهبوط الحضاري في مقابل شروط النهضة الحضارية. 

(١٣) المشكلة ليست إعلان دولة من الدول العربية ولائها الصريح لإسرائيل وعدائها الصريح لحماس لكن المشكلة هي نجاح الإعلام والتعليم في البرمجة الكلية للرأي العام لإيجاد دعم شعبي ولو جزئي لهذا الوضع الخياني. 

(١٤) لم يكن إخراج الفلسطينيين من لبنان سنة ١٩٨٢ بذاته سببا في توقف العمليات والدليل استمرار العمليات ضد إسرائيل بعد خروج الفسلطينيين من بيروت ولم تتوقف مشاكل إسرائيل من لبنان إلا بعد التفاهم مع حزب الله سنة ٢٠٠٦. 

(١٥) من توفيق الله أن بادرت قيادة حماس بالسيطرة على غزة سنة ٢٠٠٧ فأجهضت مؤامرة كبيرة بالقضاء عليها فكانت إلهاما ربانيا لإبقاء جذوة المقاومة بكل قوتها. 

(١٦) من المفارقات أن بعض النبوءات في الكتاب المقدس تتحدث عن نجاح الفلسطينيين بتسلق الجدار العازل الذي ربما يقصد به الجدار الذي أقيم لمحاصرة الضفة الغربية سنة 2002. 

(١٧) لا يُنكر صدق فريق من القومين في قوميتهم لكن فريقا آخر (من جنس صبّاحي وهيكل) يقدمون قيمهم العلمانية والليبرالية على مسئوليتهم القومية ولذلك يكرهون الإسلاميين حتى لو رأوا بلائهم العظيم في محاربة المشروع الصهيوني ويؤيدون السيسي رغم صهيونيته ويؤيدون بشار رغم تدميره لشعبه ولسان حالهم يقول: "كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر".


سبق نشره على هذا الرابط.

الأحد، 20 يوليو 2014

كذبة القرن : الفلسطينيون هم من باع أرضهم لليهود.


هذه المقولة ( بيع الفلسطينين لأرضهم ) من أكبر الكذبات التاريخية، والتزويرات المتداولة. ومما ساعد على انتشارها مع الأسف الشديد ترويجها في الأوساط الصحفية العربية والثقافية، التي ليست بمنأى عن الدور السياسي القذر الراغب في التملص من قضية فلسطين، عبر السماح لهذه الفرية أن تتداول كحقيقة ثابتة ومسلمة ومقبولة بلا اعتراض. كإحدى الحجج التي ترددها الأنظمة البائسة لتبرير عمالتها وعدم مساعدتها في تحرير فلسطين.
حكى لي أحد الأقارب أنه سمعها من والده في الستينات الميلادية، بمعنى أنها قديمة أيضاً وليست وليدة العقدين الأخيرين.
ولكي نتدرج في إيضاح الموضوع وتتبعه ينبغى أن يأتي السؤال بصورة مقلوبة، ولتكن صيغته كالتالي :
كيف احتل اليهود أرض فلسطين إذاً؟ وكيف أوجدوا موطئ قدم لهم فيها؟

تبدأ الحكاية في العهد العثماني حيث أعطي اليهود جزءً كأي أقلية تعيش في فلسطين منذ القدم. والمعروف أن أكثر اليهود في تلك الفترة قدموا من الأندلس بعد سقوطها في يد النصارى، حيث لم يرغبوا في العيش مع غير المسلمين، ولذلك تجد لهم تواجداً في الشمال الأفريقي وفي مصر وفي الشام وغيرها.
السلطنة العثمانية أعطت اليهود ٦٥٠ ألف دونم، بناءً على أنهم أقلية كغيرهم. ولا تتحمل السلطنة العثمانية أي دونم إضافي، والجميع يعرف قصة السلطان عبدالحميد عندما رفض جميع إغراءات اليهود، في بيع فلسطين.
ثم هناك ٦٦٥ ألف دونم أعطتها حكومة الانتداب البريطاني على النحو التالي:
أ) ٣٠٠ ألف دونم كمنحة للوكالة اليهودية من المندوب السامي البريطاني.
ب) ٢٠٠ ألف دونم باعها نفس المندوب على الوكالة بمبالغ رمزية.
ج) أهدت المندوبية البريطانية ١٦٥ ألف دونم من أرض السلطان عبدالحميد في منطقتي الحولة وبيسان للوكالة نفسها.
الأراضي التي بيعت حقاً، لم تكن ملكيتها لفلسطينين أصلاً، بل لإقطاعيين لبنانيين وسوريين، وتفصيلها على النحو التالي :
أ) عائلة سرسق البيروتية (ميشيل سرسق وإخوانه ) باعوا ٤٠٠ ألف دونم لليهود، وهي الواقعة في سهل مرج ابن عامر، وكانت تسكنها ٢٥٤٦ عائلة فلسطينية، هُجرت كلها من بيوتها.
ب) عائلة سلام البيروتية باعت ١٦٥ ألف دونم حول بحيرة الحولة لليهود، وقد حصلت عليها العائلة من السلطنة العثمانية كامتياز لاستصلاح الأراضي ثم تمليكها للفلاحين الفلسطينين.
ج) عائلتي بيهم وسرسق ( محمد بيهم وميشيل سرسق أيضاً ) باعا امتيازاً آخر في منطقة الحولة.
د) أنطوان وميشيل تيان باعا أرضاً لليهود في وادي الحوارث مساحته ٥٣٥٠ دونم، واستولى اليهود على جميع أراضي وادي الحوارث البالغة ٣٢ ألف دونم بمساعدة الإنجليز.
هـ) آل قباني البيروتيين باعوا أرضاً مساحتها ٤ آلاف دونم بوادي القباني لليهود أيضاً.
و) آل صباغ وآل تويني البيروتيين باعوا لليهود قرى (الهريج والدار البيضاء والانشراح ـ نهاريا ـ)

ز) عوائل القوتلي والجزائري والمرديني السورية باعت هي أيضاً أراضي كبيرة في منطقة صفد لليهود.
ح) باع آل يوسف السوريون قطعة كبيرة لشركة (The Palestinian Land Development Company).
ط) باع كل من خير الدين الأحدب، وصفي قدورة، وجوزيف خديج، وميشال سرجي، ومراد دانا وإلياس الحاج اللبنانيين لليهود مساحة كبيرة من الأراضي الفلسطينية المجاورة للبنان.
هناك ٣٠٠ ألف دونم باعها فلسطينيون على اليهود، إلا أن هذه التصرفات جرمت بموجب فتوى مؤتمر علماء فلسطين الأول في 25 يناير 1935، التي تعتبر البائع والسمسار والوسيط كلهم مارقين من الدين خارجين من زمرة المسلمين، يحرم دفنهم في مقابر المسلمين، ونتج عن هذه الفتوى تصفية الكثير من السماسرة، ومن باع أرضه ومن توسط في البيع.
مجموع ما حصل عليه اليهود بالبيع يساوي تقريباً مليونين دونم، أي ما يعادل ٧،٤١٪ من مساحة فلسطين الحالية (الضفة الغربية قطاع غزة والأراضي التي تسمى إسرائيل).
ولنسلم جدلاً أن الفلسطينيين باعوا أرضهم لليهود فهل يحق لهم ذلك؟
نقل ابن القيم في كتابه أحكام أهل الذمة بعض الأحكام المتعلقة بتملك أهل الذمة في دار الإسلام فذكر: "أن أبا عبد الله سئل عن الرجل يبيع داره وقد جاءه نصراني فأرغبه وزاده في ثمن الدار، ترى أن يبيع منه وهو نصراني أو يهودي أو مجوسي ؟ قال: لا أرى له ذلك، يبيع داره من كافر يكفر فيها ؟ يبيعها من مسلم أحب إلي (قال ابن القيم: فهذا نص على المنع)"، وقال: "قال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن الذمي اليهودي والنصراني لهم شفعة ؟ قال لا قلت المجوسي ؟ قال ذاك أشد. قال ابن القيم في تعليقه على الروايات السابقة: "وحقيقة الأمر أن الكفار ممنوعون من الاستيلاء على ما ثبت للمسلمين فيه حق من عقار أو رقيق أو زوجة مسلمة أو إحياء موات أو تملك بشفعة من مسلم، لأن مقصود الدعوة أن تكون كلمة الله هي العليا وإنما أُقِروا بالجزية للضرورة العارضة والحكم المقيد بالضرورة مقدر بقدرها"، والذين أقروا بجواز تملك أهل الذمة في بلد المسلمين، لم يعارضوا العلة التي أوردها ابن القيم وهو أن: "مقصود الدعوة أن تكون كلمة الله هي العليا".
يقول الشيخ محمد بن شاكر الشريف ما نصه :
"مما تقدم يتبين لنا أنه لا يجوز لأهل فلسطين أن يتنازلوا عن أرض فلسطين أو عن جزء منها لليهود ويقروا بسيطرتهم عليها وتملكهم لها، بأية حجة أو ذريعة حتى لو كان ذلك بدعوى الصلح، فالصلح الذي يحرم حلالا أو يحل حراما لا يجوز، فالتنازل عما اصطلح على تسميته "حق العودة" لا يجوز فعله أو الإقدام عليه، لأن في ذلك الإقرار الدائم بضياع فلسطين أو جزء منها وانتقال ملكيتها إلى الأبد إلى اليهود وهو ما يطلبه اليهود من الفلسطينيين والعرب تحت مسمى"يهودية الدولة".
إذاً من أين جاءت هذه الكذبة؟
يقول الشـيخ "محمد أمين الحسـيني" مفتي فلسـطين: "إن المخابرات البريطانيـة وبالتعاون مع اليهود أنشـؤوا عدة مراكز دعايـة ضد الفلسـطينيين، ملؤوها بالموظفين والعملاء والجواسـيـس، وكان من مهامها بث الدعايـة المعروفـة بدعايـة الهمـس واللمز والتدليـس".

شهادات وأقوال:
يقول المؤرخ الإنكليزي (أرنولد توينبي): 
"سلب أراضي فلسطين جرى في أكبر عملية نهب جماعية عرفها التاريخ... ومن أشد المعالم غرابة في النزاع حول فلسطين: هو أن تنشأ الضرورة، للتدليل على حجة العرب ودعواهم".

الكاتب اليهودي المنصف (عميرة هاس) يقول: 
"وفي الوقت الحالي لا يوجد شخص يستطيع أو يرغب في ذكر حجم الأراضي التي بيعت بالغش والخداع، وما هي نسبتها للأراضي الشاغرة، وما هو عدد المتضررين ـ يقصد الفلسطينيين ـ".

أما البروفيسور اليهودي (إسرائيل شاحاك) فيقول: 
"لم يبقَ من أصل 457 قرية فلسطينية وقعت ضمن الحدود الإسرائيلية التي أعلنتها في عام 1949م إلا تسعون قرية فقط، أما القرى الباقية وعددها 358 فقد دُمرت، بما فيها منازلها، وأسوار الحدائق، وحتى المدافن وشواهد القبور؛ بحيث لم يبقَ بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة ـ حجر واحد قائماً. ويُقال للزوار الذين يمرون بتلك القرى إن المنطقـة كلها كانت صحراء".

أما شـهادة (موشـيـه ديان) فهي تُبرئ الفلسـطينيين من تهمـة بيع أراضيهم؛ حيث يعترف قائلاً :
"لقد جئنا إلى هذا البلد الذي كان العرب قد توطنوا فيـه، ونحن نبني دولـة يهوديـة... لقد أُقيمت القرى اليهوديـة مكان القرى العربيـة. أنتم لا تعرفون حتى أسـماء هذه القرى العربيـة وأنا لا أتكلم؛ لأن كتب الجغرافيا لم تعد موجودة. وليسـت كتب الجغرافيا هي وحدها التي لم تعد موجودة، بل القرى العربيـة نفسـها أيضاً. وما من موضع بُني في هذا البلد إلا وكان أصلاً لسـكان عرب".

كما يؤكد تلك الحقيقـة أيضاً الباحث اليهودي (بني موريـس) بقولـه: 
"نشـرنا الكثير من الأكاذيب، وأنصاف الحقائق التي أقنعنا أنفسـنا وأقنعنا العالم بها... لقد حان وقت معرفـة الحقيقـة، كل الحقيقـة... والتاريخ هو الحكم في النهايـة".


المحامية اليهودية (إليغرا باشيكو) تقول : 
"الوثائق المزورة وعمليات الغش أمر عادي في صفقات بيع الأراضي إلى المستوطنين اليهود".

من تقرير كتبه حاخامين بعثهما ماركس نوردو أحد كبار قادة الحركة الصهيونية المقربين من هرتزل، اللذان أرسلهما للنظر في إمكانية الهجرة العملية إلى فلسطين، جاء فيه :
"إن فلسطين عروس جميلة وهي مستوفية لجميع الشروط، ولكنها متزوجة فعلاً".

وما زالت متزوجة وهاهي تتجهز لقدوم عريسها.

المصادر :
١ـ د. خالد الخالدي - رئيس قسم التاريخ والآثار بالجامعة الإسلامية بغزة، رداً على سؤال ( كيف ترد على شخص يقول أن الفلسطينيين باعوا أرضهم لإسرائيل )، نشرته نيوز فلسطين.
٢ـ مقال "الفلسطينيون لم يبيعوا أرضهم كما روَّجت العصابات الصهيونية" بقلم: صلاح رشيد.
٣ـ مقال "هل باع الفلسطينيون أرضهم؟ وتخلوا عنها لليهود"، د/محسن محمد صالح.
٤ـ موقع صيد الفوائد فتوى الشيخ محمد بن شاكر الشريف من مقال "تمليك دار الإسلام لغير المسلمين".


الخميس، 10 يوليو 2014

الاستراتيجية الجهادية بين الظواهري والبغدادي.. كيف نفهم المشروع الجهادي؟




انتشرت كثير من البحوث والمقالات التي حاولت مناقشة الفروقات الفكرية والمنهجية والتنظيمية بين “القاعدة” وبين “دولة العراق والشام”، لكن قليل من تناول الفروق في الرؤية والاستراتيجية. وحتى من تناول هذه المسألة، فإنما ناقشها بشكل عارض أو كلام محدود في سياق قضية أخرى. والسبب أن معظم الباحثين والمعلقين يشدهم الاهتمام العالمي وتوفر المعلومات، أكثر مما يشدهم معرفة الصورة الكاملة عن المشروع الجهادي والتنظيمات الجهادية. والحديث عن الاستراتيجية متعب؛ لأن الباحث فيها عليه أن يستقرئها استقراءً بسبب قلة الحديث عنها في أدبيات الجهاديين بكل تياراتهم[1].



أربع مراحل



ومنعًا للاختلاف في المصطلحات، فإن المقصود بالرؤية هو النظرة الكلية للواقع والهدف العام بشكل مجمل. أما الاستراتيجية، فهي التصور التفصيلي لفهم الواقع وتحديد موقع التنظيم فيه، وتحديد الخطة العامة والخطط المرحلية بوضوح. وطبقًا لهذه المعاني، فقد مرّ المشروع الجهادي بأربع مراحل مفصلية تشكلت استراتيجية “القاعدة” في المرحلة الثالثة، وتشكلت استراتيجية “الدولة” في المرحلة الرابعة.



المرحلة الأولى، الجهاد ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان كردّ فعل بدون رؤية ولا استراتيجية، لكنها مرحلة تسببت -عن غير قصد ولا تخطيط- في بعث المشروع الجهادي كله.



المرحلة الثانية، بدأت بعد أزمة الخليج وخروج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان، وفيها تشكلت الرؤية العامة باعتبار أمريكا خصمًا أساسيًّا للإسلام بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وتفرد أمريكا بالتحكم بالعالم، وهذه كسابقتها كانت بدون استراتيجية.



المرحلة الثالثة، بدأت بعد عودة بن لادن لأفغانستان من السودان ولقائه مع الظواهري، والذي حوّل رؤية بن لادن إلى استراتيجية متكاملة ويحق لنا بذلك أن نسميها استراتيجة الظواهري.



المرحلة الرابعة، بدأت بإعلان الدولة الاسلامية في العراق بناء على رؤية جديدة مخالفة للقاعدة، ثم تحولها إلى دولة العراق والشام باستراتيجية مختلفة عن القاعدة، ويحق لنا بذلك أن نسميها استراتيجية البغدادي.



من صاحب الرؤية ومن صاحب الاستراتيجية؟



كانت الرؤية واضحة عند بن لادن كما جاء أعلاه، لكن لم تكن لديه استراتيجية متكاملة. انحصرت خطة بن لادن فقط في إجبار الأمريكان على الخروج من بلاد المسلمين، وذلك باستهدافهم بعمليات مباشرة تتسبب في بثّ الرعب فيهم ومن ثم يجبرون على الخروج رغم أنوفهم. لم ترق هذه الخطة كثيرًا للظواهري ورأى أن فيها تبسيطًا للمشكلة، وعدم فهم للمعطيات المحلية والعالمية. ومن هنا، طرح الظواهري تصورًا شاملًا وتفصيليًّا للواقع العالمي، وأسّس، بناءً عليه، خطة كاملة لتمكين المشروع الجهادي من تحقيق غاياته بعد التحييد الكلي لأمريكا[2].



تركيبة العالَم في عين الظواهري



الظواهري رأى أن تركيبة العالم تشكلت بعد أزمة الخليج وسقوط الاتحاد السوفياتي وتفرد أمريكا بالنفوذ كبناء له ثلاثة مستويات، كل مستوى من هذه المستويات يقدم ضمانًا لحماية التركيبة ويقمع أي رغبة في تغييرها.



المستوى الأول، سلسلة الدول القطرية في العالم التي ظاهرها الاحترام المزعوم للحدود والسيادة، وباطنها التعاون فيما بينها لقمع أي نزعة لتغيير هذه الحدود، أو أي رفض للهيمنة الغربية. ولأن هذه الدول تعمل كمجموعات إقليمية وعالمية، فإن أي مخالفة للنهج العالمي تعني أن يكون هذا المخالف وجهًا لوجه مع كثير من دول العالم.



المستوى الثاني، هو هيمنة الغرب القوي على العالم سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا وإعلاميًّا، حتى صار في الوجدان البشري هو العالَم وهو المجتمع الدولي وهو الرأي العام الدولي.. إلخ. هذه الهيمنة الغربية تقدم ضمانًا أعلى مستوى من ضمانات الدول القطرية بقدراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية، لمنع أي تمرد على النظام الدولي الحالي في أي قُطر من الأقطار، سواء كان صادرًا من الحاكم أو من الشعب.



المستوى الثالث، هيمنة أمريكا على الجميع وموافقة الغرب على قيادتها وريادتها وأن تكون الضامن النهائي لسلامة هذه التركيبة العالمية. وأمريكا -من خلال هذا الموقع- ستكون قادرة بذاتها أو من خلال هيمنتها على الغرب، أو من خلال هيمنتها على كل الدول، على منع أي خلخلة في هذه التركيبة سواء كانت هذه الخلخلة من خلال حركات إسلامية أو غيرها.



وإذا وضع هذا التصور على الواقع، يتبيّن أن فيه درجة عالية من الدقة؛ فقد تعاونت كل دول المنطقة ضد صدام حسين الذي لم يعترف بالحدود مع الكويت، وتعاونت مرة أخرى حين رفض أن يكون جزءًا من الهيمنة الأمريكية، وكان المهيمن على الموقف العالمي هو الغرب الأوربي بقيادة أمريكا. وتكرر الحدث مع طالبان، كما تكرر أيضًا مع دول الربيع العربي، فقد تعاونت الدول الإقليمية بدعم غربي وقيادة أمريكية لإيقاف الربيع العربي، بل ومحاولة قلب الطاولة على من انطلقوا به.



ويرى الظواهري أن أي خلخلة لهذه التركيبة من أسفلها على أساس كل دولة سيكون مضيعة للوقت، فحتى لو وصل الجهاديون لمرحلة الاستيلاء على السلطة فمآلهم للفشل بسبب قوة التعاون على المستويات الثلاثة. والعكس صحيح؛ فالظواهري يرى أن هذه التركيبة قد اعتمدت كثيرًا على القيادة الأمريكية إلى درجة أنّها ستصاب بالارتباك والفوضى لو فقدت قيادة أمريكا، ولن تتعافى إلا بعد أن تجد بديلًا قياديًّا بحجم أمريكا.



ولهذا بنى الظواهري تصوره على أساس أن هذه التركيبة يجب أن تُخلخل من أعلاها وليس من أسفلها، وذلك بتحييد، أو شلّ، أمريكا وإشغالها بنفسها ومنعها من القدرة على التدخلات العالمية. وحين تنشغل أمريكا بنفسها وتخسر موقعها القيادي العالمي يمكن التلاعب بالوحدات القطرية، والتأكد من أن أي نفوذ سياسي على الأرض للجهاديين لن يكون في خطر.



المعالم الأساسية في خطة الظواهري



لكن كيف يمكن مواجهة أمريكا وهي أقوى من الجميع، بل إن الجميع يخدمها في حمايتها؟ الحلّ عند الظواهري هو في “نظرية الكاراتيه” أو ما يسميه القادة الاستراتيجيون في الغرب “الحرب غير المتوازية”، التي تعتمد على تحويل قوة الخصم ضده. يعرف الظواهري العقلية الأمريكية جيّدًا؛ لأنه قضى وقتًا في أمريكا وأدرك سهولة تطبيق نظرية الكاراتيه عليها. والفكرة تتلخص في استثارة الأمريكان لردة فعل محددة، تتسبب في ضررهم من خلال تحقيق مآرب معينة يريدها الظواهري، مستفيدًا من نفسية الكاوبوي الأمريكية المستعجلة في الرد والانتقام. وقد رتّب الظواهري خطته على ثلاث مراحل:



مرحلة التجنيد، وتتلخص في استخدام أمريكا كشركة علاقات عامة، تقدم دعاية هائلة ومجانية للقاعدة وبن لادن، وذلك باستفزاز أمريكا وإجبارها على الرد بصوت عالٍ على القاعدة، ومن ثم إقناع المسلمين الغاضبين على أمريكا أن القاعدة هي الأحق بإشباع تطلعاتهم، وإن رغبوا بشفاء الغليل منها فعليهم الالتحاق بالقاعدة. ومن هنا جاء استفزاز أمريكا بضرب سفارتيها في كينيا وتنزانيا عام 1998بدلًا من استهداف قواعدها العسكرية في الخليج. وتحقق مطلب الظواهري وهو التجنيد فعلًا؛ فقد قفز عدد الملتحقين بالقاعدة في أفغانستان بعد الرد الأمريكي عشرات الأضعاف عما كان عليه قبله.



مرحلة الاستقطاب والاستنزاف، تتلخص في استخدام أمريكا كأداة لإجبار كافة المسلمين على الوقوف ضد أمريكا نفسها، وذلك من خلال استفزازها في عقر دارها ودفعها لتحريك حملة هائلة، يظن المسلمون أن المستهدف فيها هو الإسلام نفسه. وقد تحقّق ذلك فعلًا في أحداث سبتبمر/ أيلول وكان رد الفعل الأمريكي شاملًا وعالميًّا دفعَ المسلمين لأن يقتنعوا أن الحملة ضد الإسلام نفسه. خصوصًا أن الحملة العسكرية صاحَبَها تضييق على كافة الأنشطة الإسلامية كالدعوة والإغاثة وغير ذلك. وهذا الاستقطاب جعلَ فئات من المسلمين في كل مكان جاهزين لتنظيم أنفسهم تلقائيًّا ضد الأمريكان، دون تنسيق مع القاعدة وما يترتب على ذلك من استنزاف ضخم للأمريكان اقتصاديًّا وعسكريًّا ونفسيًّا. ومرّة أخرى، تصدق توقعات الظواهري ويتم الاستقطاب والاستنزاف ويتجيش المسلمون ضد أمريكا في كل مكان في العالم وينتشر الفكر الجهادي عبر كلّ الحدود.



مرحلة التحييد تحصل بطريقة تراكمية، من خلال الإرهاق الاقتصادي والعسكري إضافة للخلخلة الداخلية للنظام الفيدرالي والمجتمع الأمريكي. الإرهاق الاقتصادي والعسكري حصل باستمرار النشاطات الجهادية في كل مكان وإجبار أمريكا على إنفاق تريليونات لاحتواء خطر القاعدة (مجموع ما أنفق على احتلال افغانستان والعراق يقترب من 10 تريليون دولار). الخلخلة الداخلية لأمريكا حصلت بإجبار أمريكا على التنازل عن الحريات والعدالة من أجل الأمن وإبقاء المجتمع الأمريكي تحت إرهاب الدولة وإضعاف الثقة بالنظام الفيدرالي. وصدقت توقعات الظواهري للمرة الثالثة، وانحسر نفوذ أمريكا وتآكل اقتصادها وضعفت ثقة الشعب بالنظام الفيدرالي كثيرًا.



بعد التأكد من تحييد أمريكا، أو بعبارة أخرى؛ عجزها عن قيادة هذه التركيبة العالمية، يمكن وقتها تغيير هدف العمليات من مهمات محدودة لكل عملية، إلى سيطرة حقيقية على الأرض وإسقاط أنظمة ودمج دول كاملة في دولة إسلامية واحدة. ويرى الظواهري أن مرحلة الارتباك التي تمرّ بالغرب ومنظومة الدول القُطرية بعد شلل أمريكا، مدة محدودة يجب أن تستثمر فورًا قبل أن يعيد الغرب ترتيب صفوفه ويدبر قيادة بديلة[3].



البغدادي والاستراتيجيّة الأفقيّة



بدأ مشروع “الدولة” منذ أيام الزرقاوي، ولكنها كانت رؤية عامة ليس فيها استراتيجية تمامًا مثلما كانت رؤية بن لادن دون استراتيجة. لم تتضايق قيادة القاعدة من إعلان الدولة في العراق، بل أيّدها ابن لادن ببيان رسمي وذلك لأنه يراه مشروع إمارة محدود لتنفيذ الشرع في الأماكن التي يسيطر عليها المجاهدون. وبهذا لم يكن في إعلان الدولة خروج عن استراتيجية القاعدة التي تنتظر تحييد أمريكا. واستمر الحال مع القيادات التي خلفت الزرقاوي على نفس الطريقة إلى أن وصلت قيادة الدولة إلى أبي بكر البغدادي. ساهمت أربعة عوامل في اتخاذ البغدادي قرارًا بالتمدّد الأفقيّ، وعدم انتظار التحييد الكامل لأمريكا، ومن ثم تجاهل خطوات الظواهري:



العامل الأول، انطلاق الربيع العربي واشتراك كثير من الشعوب في غضبة جماعية ضد الأنظمة الحاكمة، مما سبب إرباكًا للنظام العالمي على المستوى الأول (القُطري) دون الحاجة لتحييد أمريكا.



العامل الثاني، انطلاق الثورة المسلحة في الشام وتكوين فصيل ضخم من القاعدة فيها (جبهة النصرة) والتي يعتقد البغدادي أن قائدها (الجولاني) كان تابعًا له في العراق وعليه أن يستمر في التبعية له ما دامت الشام مجاورة للعراق.



العامل الثالث، القمع الشديد الذي تعرض له السنة في العراق من قبل حكومة المالكي، مما جعل الحاضنة في وضع مثالي لمن يخرجهم من هذا الوضع البائس. والمساحة التي فيها هذه الحاضنة كبيرة بما يكفي للاطمئنان للتمدد الأفقي.



العامل الرابع، أنّ أمريكا وإن لم تصل لمرحلة الشلل والتحييد الكامل؛ فقد أرهقت كثيرًا خاصة في العراق وأفغانستان ولم تعد قادرة على التدخل في منطقتنا كما كانت تفعل من قبل.



هذه العوامل مجتمعة إضافة للشخصية المتوثبة لقيادات الدولة دفعت البغدادي لأن يعزم بمشروع التمدد الأفقي ويوسع مفهوم الدولة لدولة العراق والشام ثم الخلافة. وبرصدٍ هادئ لبيانات البغدادي والعدناني مقابل بيانات الظواهري، يتبيّن أن هذه النقطة هي أساس الخلاف، وليس ما يتبادر عادةً بأنها الإشكال بين البغدادي والجولاني. ولأنّ البغدادي يعلم أنّه حين أقدمَ على إعلان دولة العراق والشام يكسر استراتيجية الظواهري، لم يفكّر باستشارته، بل صرح بمخالفته وتخطئته. وذهب بعض أتباع البغدادي إلى حد مطالبة الظواهري أن يقوم هو نفسه بمبايعة البغدادي. الخلاف إذًا في تقدير المرحلة، هل تم تحييد أمريكا بما يكفي لعجزها عن إبطال المشروع أو لم يتم هذا التحييد بعد؟[4]



هل يصدق تقدير البغدادي في تحديد المرحلة أو يصدق تقدير الظواهري، وهل تستطيع دولة البغدادي (الخلافة) أن تصمد أمام مناعة المستويات الثلاثة التي لا تزال متماسكة رغم إرهاق أمريكا؟ أيًّا كان الجواب، فإن البغدادي نفذ ما يؤمن به ولن يعود للوراء، وأما الظواهري فعلى الأرجح سيساير الوضع بحذر ويتخذ موقفًا وسطًا؛ فلن يندفع في دعم (الخلافة)، ولن ينأى بنفسه عنها[5].



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] لا يمكن الإحالة لوثيقة محددة أو تسجيل صوتي أو مرئي محدد من أدبيات الجهاديين أو غيرهم بل هذا التصور تم استقراؤه من تتبع شامل للأدبيات ومن حوارات شخصية طويلة مع بعض المحسوبين عليهم. وأما ما نشر تحت عنوان “إدارة التوحش” فقد كان محاولة تفسيرية تأريخية أقرب منها شرحًا لاستراتيجية مرسومة. وكذا كتابات حسين بن محمود كانت أقرب للتحليل السياسي منها للاستراتيجية.

[2] تحدث ابن لادن في جلسة خاصة يعتقد أنها سجلت أيام أزمة الخليج أن الخصم القادم بعد الاتحاد السوفياتي هو أمريكا مما يدل على وضوح في الرؤية، لكنه استمر يفكر بمشروع إخراج الأمريكان من بلاد المسلمين.

[3] بغضّ النظر عن المواقف الشرعية والأخلاقية من الجهاديين، فإن هذه الاستراتيجية تدل على وضوح كامل في التصور وقدرة على صناعة الحدث وإجبار الخصم على ردة الفعل وليس العكس.

[4] تزعم جهات استخباراتية وأخرى تدعي أنّها مطلعة أن الشخصية الرئيسة في تنظيم الدولة ليس البغدادي ولكن شخص يُقال له أبو علي الأنباري. وأيًّا كان، فصاحب القرار في التنظيم فقد اختار المضي قدمًا في الاستراتيجية الأفقية.

[5] بعد الفراغ من كتابة هذا المقال، انتشرت في الإنترنت رسالة منسوبة للظواهري يؤيد فيها الدولة بموقف قريب ممّا توقعناه.


مقالة سبق أن نشرت في صحيفة التقرير علي هذا الرابط