الأحد، 6 يوليو 2014

ما الذي يستهوي الشباب في تنظيم "دولة العراق والشام"



لم تتفق دول العالم في تنسيقها المخابراتيّ والأمنيّ والإعلاميّ والسياسيّ والعسكريّ والثقافيّ، مثلما اتفقت ضد التنظيمات الجهادية. إعلاميًّا، تعاونت الدول في تقديم أقوى البرامج لتخويف الشباب من الانخراط في الجهاد، وتقبيح صورته وإقناعهم شرعًا ومنطقًا وعرفًا أنه ليس جهادًا، بل خروج وتطرف وإرهاب، إلخ. ثقافيًّا وشرعيًّا ونفسيًّا، تعاونت الدول في استثمار كلّ من يمكن الاستفادة منه؛ من مشايخ ومثقفين وكتّاب ومفكرين في صناعة رأي عام يردع الشباب عن التفكير في الانضمام لأي تنظيم جهادي. أمنيًّا، تعاونت الدول في تتبع نشاطات الجهاديين وتمكنت من اعتقال أعداد كبيرة منهم، وممّن يدعمهم ماديًّا وإعلاميًّا وفكريًّا، ونشرت نشاطاتها في تتبعهم حتى يكون هذا رادعًا لمن يفكر بالالتحاق فيهم. عسكريًّا تمّ استهداف مواقع الجهاديين، وبلغ التعاون أن تسمح دول مثل اليمن وباكستان، بخرق سيادتها من أجل قصف تجمعات الجهاديين[1].

حملة تؤتي عكس المطلوب منها

كان المتوقع بعد هذه الحملة العالمية المتكاملة، أن يرتدع الشباب بالكامل عن الالتحاق بالتنظيمات الجهادية، أو على الأقل لا يلتحق بها إلا القليل جدًّا من “المتهورين” الذين يمكن عزلهم والقضاء عليهم. الذي حصل هو العكس؛ فقد تنامى المشروع الجهاديّ وقفز عشرات أضعاف حجمه وانتشر في العالم كلّه، بعد أن كان محصورًا في بلد واحد أو بلدين. وكذا حرص الشباب على الالتحاق به؛ فبدلًا من بضعة عشرات صار عشرات الألوف من المجازفين الذين يضربون بالتحذيرات والتخويف ونصائح المشايخ عرض الحائط، ويخاطرون بكل الصعوبات من أجل أن يصلوا لمواقع التنظيمات الجهادية[2].

وبقدر ما تبدو هذه الحقيقة ظاهرة وساطعة وفارضة لنفسها بكل قوة، فإنّه يجري تجاهلها والتعامي عنها وخداع النفس بنجاح البرامج التي تردع الشباب عن الالتحاق بالتنظيمات الجهادية. وما لم يتم الاعتراف بهذه الحقيقة والتوقف عندها وإدراك حجمها وتصور أبعادها؛ فلن يمكن فهم الظاهرة الجهادية فضلًا عن فهم سبب التحاق الشباب فيها. هذا التعامي وخداع النفس يأتي بنتيجة عكسية فيضخّ المزيد من القوة في التنظيمات الجهادية وجاذبيتها، ويضاعف من انخراط الشباب فيها[3].

اعتراف وتقصٍّ

لا بدّ إذًا من الاعتراف بهذه الحقيقة والتجرد من تراكمات الإعلام والإرهاب الأمني والتزوير السياسي والتلاعب الثقافي. وبهذا الاعتراف تنفتح أبواب كثيرة تسهّل فهم أسباب انخراط الشباب في هذه التنظيمات ولماذا تنظيم “دولة العراق والشام” بالذات؟

أول هذه الأسباب شعور هؤلاء الشباب بالاستفزاز بسبب ما يعتقدونه من هيمنة قوى “الكفر” على دول الإسلام، مقابل ما يعتبرونه تكليفًا شرعيًّا بهيمنة الإسلام على كلّ دين وأن تكون كلمة الله هي العليا. وكان أول تحول للجهاد من جهاد محليّ مرضيّ عنه في أفغانستان، إلى جهاد عالميّ مغضوبٍ عليه هو “حصار العراق” لأكثر من عقد كامل، وتنفيذ الحصار من قواعد أمريكية داخل بلاد المسلمين ثم إكمال “الجريمة” باحتلال العراق. هذا الحصار الذي جاء أصلًا مسبوقًا باستفزاز أمريكيّ قديم للمسلمين، في دعم غير محدود لإسرائيل ككيان استيطانيّ مزروع في قلب العالم الإسلامي[4].

السبب الثاني، اعتقاد هؤلاء الشباب أن القيادات السياسية في الدول الإسلامية خانعة لأمريكا وتمارس قمع الشعوب وقهرها من أجل تمكين أمريكا وإبقائها مهيمنة. ويذهبون لأبعد من ذلك بالاعتقاد أنّ هذه القيادات تسعى لإبقاء الأمة المسلمة متخلفة وضعيفة قصدًا، حتى لا يكون لها شأن أمام تفوق الغرب الكافر. ولهذا، ليس من الوارد أن ينتظروا تحركًا من هذه القيادات لقلب المعادلة، بل هي بالنسبة لهم في نفس الخندق مع مَن يعتبرونه العدوّ الكافر[5].

السبب الثالث، فقر الهُويّة عند هؤلاء الشباب الذين تعلموا في القرآن قوة وعمق وثقل الانتماء الإسلامي، وتفوقه بمفهوم الاستعلاء مقابل ما يلقنونه في المدارس والإعلام من مفاهيم الوطنية. هذا الانتماء المرتبط بالعقيدة ومشروع الخلافة لا يمكن إشباعه في الانتماء لدول قطرية حدّد حدودَها المستعمرُ، فأصبحت في نظرهم هُويّة مصطنعة مفتعلة، لا تساوي شيئًا أمام الهُويّة الإسلامية والانتماء الديني. وهذا الفقر في الهُوية رغم أنه مدفون في الوجدان، إلا أنه قد يكون أقوى الدوافع في التوجهات الجهادية بسبب ضخامة معنى الانتماء في الإسلام. وعلماء الاجتماع يؤكدون أن عامل الانتماء والهوية يتفوق على العوامل الأخرى في التغييرات التاريخية الكبرى[6].

السبب الرابع، أن كل أنواع القيادات الدينية المسموح لها بالحديث والنشاط لا تشبع تطلعات هؤلاء الشباب أبدًا. وهذه القيادات على نوعين؛ النوع الأول منها محسوب على السلطة نفسها فتسقط مصداقيته عند الجهاديين، لأنهم يمثلون تنظيرًا للدين محرفًا يناسب صاحب السلطة. النوع الثاني قيادات لم تبادر بأي عمل أو موقف أو قول يشبع تطلعات الجهاديين، بل ربما صدر منهم ما يخالف هذه التطلعات فعوملوا مثل معاملة النوع الأول. وهذا يجمد دور هذه القيادات تمامًا في التأثير على الشباب الذي يفكر بالجهاد؛ لأنها في نظرهم لم تنجح في اختبار قول الحق في القضايا التي يجب أن يقال فيها، فلن يكونوا أهلًا لأن يؤخذ عنهم في التوجه للجهاد أو عدم التوجه[7]

السبب الخامس، إغلاق الطريق أمام التغيير والإصلاح بالطرق السلمية والمبالغة في قمع مَن يفكر بالإصلاح سلميًا. ومن المسلّم به تاريخيًّا ومنطقيًّا أن إغلاق الطريق السلميّ في التغيير يدفع تلقائيًا لاستخدام القوة، سواء بطريقة منظمة منهجية أو طريقة فوضوية عشوائية. وبما أن المشروع الجهادي بتنظيره الفكري وتنظيمه الحركي جاهز لتلقي من يتبرم من إغلاق الطرق السلمية، فليس غريبًا أن يلجأ هؤلاء الشباب للتنظيمات الجهادية تلقائيًّا. ولعل هذا يبين لماذا يتهكم كثير من الجهاديين في “تويتر” على دعاة السلمية والإصرار عليها[8].

السبب السادس، هو مبالغة بعض الأنظمة في القمع والتعذيب والقهر والحرمان من العدالة، وتغييب المعتقلين وإغلاق طرق التظلم وإخفاء أي معلومات عنهم. فيُستفز المطلوب في نفسه وماله وعرضه وحياته وكرامته، ويقف العالِم والقاضي وشيخ القبيلة كلهم مع السلطة وضده في ذلك. هذا القمع الشديد الذي تغلق فيه أبواب التظلم ويحاصر فيه المطلوب اجتماعيًّا وهو يرى نفسه على الحق، يصنع حالة من النزعة الانتقامية لا يمكن أن يشبعها إلا التفكير باستخدام القوة. والقوة هنا لا يقصد بها ردع الظالم أو تخويفه، بل تعني إزالته تمامًا وتخليص الناس منه ومن طغيانه. ولأنّ التنظيمات الجهادية هي الوحيدة التي توفر فرصة لمن يفكر باستخدام القوة، فلا غرابة أن يكون التفكير فيها تلقائيًّا بعد ذلك[9].

السبب السابع، هو قيام أمريكا بترميز التنظيمات الجهادية وجعلها ندًّا كفؤًا لها، وذلك بردها عليها بصوت عالٍ، وكأنه اعتراف أو شهادة بأنهم الخصم الوحيد الذي استطاع أن يؤذي أمريكا في العالم. والجميع يذكر رد فعل أمريكا على تفجير سفارتيها في كينيا وتنزانيا سنة 1998، بقصفها مصنع الشفاء في السودان مصحوبًا بحملة إعلامية كبيرة، مما فيه ترميز هائل لابن لادن. أما أحداث سبتمبر، فقد كان الرد عليها ردًا كونيًا، ساهم في تجييش الكثير من الشباب في العالم الإسلامي لصالح التنظيمات الجهادية. ولا تزال أمريكا تتحدث بصوت مرتفع عن قلقها من الجهاديين، وتقصفهم في كل مكان بطائرات “الدرونز” وبوسائل كثيرة لا تستخدم إلا في الحروب. والشباب الكاره للطغيان الأمريكي يفهم من هذا الاعتراف: أنّ التنظيمات الجهادية هي الأولى بإشباع تطلعاته، لأنها هي التي تستطيع أن تشفي غليله في أمريكا[10].

وتتمة لهذا السبب، فإن الحكومات المتهمة من قبل الجهاديين بالتبعية والخضوع لأمريكا، تحمست في المساهمة بالدور المنوط بها، في محاصرة الجهاديين ونفذت ما يزعم أنه مطلوب منها في ملاحقتهم والقضاء عليهم. هذا الموقف من قبل الحكومات كان بالنسبة لهؤلاء الشباب دليلًا إضافيًّا على أن هذه الحكومات جزءُ من مؤامرة تقودها أمريكا، وبهذا فهم تابعون “للمشروع الكفري العالمي”. وهذا سهّل عليهم اتهام هذه الحكومات مباشرة بالكفر، سواء بإطلاق عام على السلطة ككل، أو بإطلاق معين على شخصيات معينة في السلطة.

ما ذكر أعلاه ليس تفسيرًا لحالات عابرة، كهروب من يأس أو تعبير عن غضب، بل هي ظاهرة عامة وواسعة حصلت لعشرات الألوف من الشباب. والقضية لا تقف عند القناعة بالتنظيمات الجهادية ورفض الطرح الدارج، بل تتجاوز إلى المخاطرة بخطوات عملية تنتهي بالانخراط في هذه التنظيمات، رغم المحاذير بوقوع هؤلاء في أيدي السلطات الرسميّة. ولولا مثل هذه الدوافع -وربما غيرها- لما جازف عشرات الألوف من الشباب بكل تلك المحاذير والمخاطر.

لماذا تنظيم “دولة العراق والشام” بالذات؟

يبقى السؤال الأخير: لماذا يتوجه الشباب إلى تنظيم “دولة العراق والشام” بالذات، رغم أنّ هذا التنظيم يتعرض للهجوم حتى من التنظيمات الجهادية الأخرى؟ ربما يمكن تفسير ذلك بأن تنظيم “الدولة” يشبع كثيرًا من التطلعات المذكورة أعلاه بدرجة أعلى بكثير من إشباع الفصائل الأخرى.

فحين تجيب كثير من التنظيمات بأجوبة متفاوتة حول ماذا تريد، فإن تنظيم”دولة العراق والشام” واضح بأنه يريد أن يتمدد كسلطة تنفذ الشرع، وتفتح الفتوح كمقدمة للخلافة. وهذا الطرح البسيط والمباشر يستهوي كثيرًا من الشباب المفتقر لإشباع الرغبة بالانتماء الكامل للهُويّة الإسلامية الاستعلائية. وغالب الشباب لا يحبون التأصيل المعقد في التدرج في الانتقال للخلافة وتستهويهم هذه اللغة البسيطة والمباشرة، فيشعرون بانجذاب قويّ تجاهها[11].

وبقدر ما يرى كثير من المراقبين تصرفات ومواقف تنظيم “دولة العراق والشام” تطرفًا وتساهلًا في التكفير والدماء، فإن الشباب المتحمس الذين اكتووا بقمع الأنظمة، ينظرون لها كتصرفات ومواقف مثالية تشبع فيهم رغبة الانتقام ضد الأنظمة، التي تعتقل وتعذب وتقتل وتفرض الفساد وتهتك الأعراض وتهين الدين[12].

والدائرة تستمر

وعودًا على بدء، فإن طريقة أمريكا والعالم المتعاون معها في الردّ على نشاط التنظيمات الجهاديّة، هي في الحقيقة ضخّ للمزيد من التجنيد لصالح هذه التنظيمات. ولو تتبعتَ أساليب التعاون العالميّ ضدّ “الإرهاب”؛ لأدركت أنّه أفضل وسيلة لتجنيد الشباب لهذه التنظيمات[13].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:

[1] تحالف التحالفات ضد الإرهاب: دورية الصراعات والإرهاب

A Coalition of Coalitions: International Cooperation Against Terrorism

Studies in Conflict & Terrorism

[2] لا توجد تقديرات متفق عليها في عدد مَن التحق بالجهاد على مدى الثلاثين سنة الماضية، لكن يقدر عدد المجاهدين من خارج سوريا في سوريا بعشرين ألفًا، طبقًا لما يتداول في وسائل الاتصال.

[3] راجع كتاب مايكل شوير Through Our Enemies’ Eyes

[4] ولهذا نرى في كتابات الجهاديين كثرة استدعاء أحداث الغضب للهُوية في التاريخ الإسلامي، مثل رسالة هارون الرشيد لملك الروم، وقصة وامعتصماه.

[5] ولهذا السبب حظي جمال عبد الناصر وصدام حسين في مرحلة من المراحل بإعجاب الناس، لأنهم حققوا شيئًا من التحدي للمشروع الغربي.

[6] راجع كتاب مانويل كاسل (قوة الهوية) The Power of Identity

[7] هذا الكلام ينطبق على ما يسمّى علماء الصحوة؛ لأن الشباب الجهادي يعتبرهم من النوع الثاني.

[8] “من يجعلون الثورة السلمية مستحيلة، يجعلون الثورة العنيفة حتمية”، الرئيس الأمريكي جون كنيدي.

[9] راجع هذه المقالة العلمية، “الانتقام في الإرهاب”.

“Revenge in Terrorism: Its Presence and Its Power” Bradford, E. J. and Wilson, M

[10] راجع كتاب مايكل شوير Through Our Enemies’ Eyes

[11] لهذا السبب تناقل الكثير من الشباب فيديو تدمير المنافذ بين سوريا والعراق باحتفالية بهيجة.

[12] عرضت السي إن إن تقريرًا عن صليل الصوارم والإبداع الفني فيه لإظهار أشد علامات القسوة ضد أعداء الجهاد.

[13] راجع كتاب مايكل شوير Through Our Enemies’ Eyes

مقال سبق نشره في صحيفة التقرير على هذا الرابط

الجدل الضائع في مصطلحات (التغلب) و(الخروج)




ضخامة حجم الخلط والمغالطة في المفاهيم السياسية الإسلامية ليست تراكمية فقط، بل متداخلة بطريقة غيرت كامل التركيبة الذهنية في النظرية السياسية الإسلامية، وزاد حجم هذه الجريمة الثقافية والإشكالية الحضارية، ما قام به المغالطون من ترحيل مفاهيم لائقة بزمان ومكان وظرف معين، إلى أزمنة وأمكنة وظروف مختلفة، لا تتشابه إلا في رأس المغالط المدفوع برغبة عارمة لنيل الحظوة عند المستبد، الذي تروقه مثل هذه المغالطات.

وما زاد الأمور سوءاً، أن من تصدى لكشف المغالطة، لم ينتبه للتداخل المنهجي، ولم يستحضر ترحيل المفاهيم، بل كان التعامل مع كل مغالطة أو إشكالية، بنزعها من سياقها الزماني والمكاني والظرفي، وتخليصها من التحليل المنهجي للتركيبة الكلية التي تنتمي إليها. وردة الفعل هذه ساهمت بشكل ملحوظ، في بعثرة المسألة وشرذمتها، وصعّب العودة للتركيبة الذهنية الأصلية في النظرية السياسية الإسلامية، وأصبح الجدل والنقاش، بين فريقين، كل منهما يتكلم في وادٍ بعيدٍ عن الوادي الذي يتكلم فيه خصمه، كأنما نحن في جوقة طرشان، كلهم يتكلمون ولا أحد يسمع.

والمتابع لما يطرح في الساحة بأقلام مشايخنا وأساتذتنا، من مشاريع ضخمة في جهدها، لتنقية النظرية السياسية الإسلامية من هذه المغالطات والتزويرات، سيلحظ بما لا يدع مجالاً للشك تشوش الخريطة بالكامل، وارتباك المشهد العام بالكلية.

والمقالة لا تسمح بأكثر من استعراض بعض العينات، لما يمكن أن يسمى مغالطةً في المفهوم السياسي الإسلامي، والتي لا تقل في مستواها عن الجريمة الثقافية والحضارية، لم يكن وقودها أجيالاً متعاقبة من عوام المسلمين فقط، بل طوابير طويلة من المحسوبين على أهل العلم والفكر والمهتمين بالسياسة الإسلامية. ولعلنا نتذكر أن المقالة في صحيفة ليست مجالاً كافياً للتناول المنهجي الشامل لهذه القضية الشائكة.

العينة الأولى: ترحيل مفهوم “المتغلب” الوارد عند السلف على مفهوم المتغلب الحالي، بتجاهل كامل أن المتغلب الأول رغم استبداده وظلمه، يحكم وفق نظامٍ تتوفر فيه عناصر الشرعية الأساسية(رفع راية الدين والمشهد الشعائري الإسلامي ووحدة الأمة وحمايتها من أعدائها).

والمتغلب الحالي لا يشبه المتغلب الأول إلا باستبداده وظلمه فقط، ولا يتصف نظامه الذي يحكم به بأية صفة من الصفات الشرعية الأساسية المذكورة سابقاً، فبأي حقٍ ينظر له كصاحب شرعيةٍ إسلامية، بل بأي عقلٍ أو نقلٍ نستشهد بأقوال أحمد بن حنبل وابن تيمية في شرعية مثل هذا النظام المعطل للعناصر الأساسية للشرعية.

والمضحك المبكي، أن من تصدى لهذه المغالطة، وقع في الترحيل العكسي لمفهوم المتغلب، بأن أسقط ممارسات المتغلب الحالي على المتغلب الأول، فلم يسعه إلا إنكار وجود هذه المدرسة بالكلية. وهذا الجهد بهذه الطريقة حكم على نفسه بالفشل المحتوم، لنفيه وجود رأي شرعيٍ معتبرٍ له أدلته، وقال به علماء لهم الباع الأطول في معرفة النص بأحكامه. وعليه فإن تنزيه الشريعة وأحكامها من الإضفاء على المتغلب الحالي، غير منطقي ولا منهجي بأن ينبني عليه تعامل مماثل مع المتغلب الأول.

العينة الثانية: من المغالطات، تضخيم المفهوم المرحّل “شرعية المتغلب”، من مفهوم بحدود الطاعة لله، إلى مفهوم جديد مبني على تزكية جرائم المتغلب الحالي، وربط التدين بحبه وحب عمله، وتجريم كل من ينكر عليه أو يصفه بالظلم، بل بلغ الأمر مبلغاً أن بعضهم قال إن التجريم بالتفكير، يوجب أحكاماً مماثلةً لأحكام الحرورية الأولى.

وإلصاق هذا التضخيم، بالمدرسة القديمة القائلة بشرعية حكم المتغلب، كذب وتزوير صراح، ليس له أي تفسير غير ذلك. فتلك المدرسة لم تتنازل عن إعفاء المتغلب من أوصاف الظلم، بل جعلت الإنكار عليه واجباً شرعياً. ويكفي التنويه أن رموز هذه المدرسة في مقدمة من يصف الحكام بالظلمة، وينكر عليهم ويعتبر التقرب منهم وسخ (هكذا). والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصر، فالإمام أحمد كان يقول عن المأمون عدو الله وعدو الإسلام، في حين كان يترحم على أحمد بن نصر الخزاعي ويذكر عمله بالخير.

وفي المقابل وقع رافضو التزكية، في ترحيلٍ عكسي للمفهوم، حين أرادوا أن يقتدوا بالعلماء الأولين، فرحلوا مفهوم المتغلب القديم على المتغلب الحالي، واعتبروه حاكماً شرعياً، لكن يجوز وصفه بالظلم والاستبداد وانتقاده والإنكار عليه، والترحيل بهذه الطريقة لاشعوري في الغالب الأعم، وقد يكون السبب في ذلك العجز عن التفكير المنهجي، وقد يكون الكلام هنا صادماً لهم.

العينة الثالثة: في ترحيل المفاهيم، هو حصر الشرعية في شخص المتغلب، مسلم هو أم كافر، في إفادةٍ من اختزال الأدلة الشرعية، المأخوذة من نصوص لعلمائنا الأوائل، مع التجاهل التام لبقية الموروث النصي في النظرية السياسة الإسلامية. ويتضاعف التزوير والمغالطة إلى مستوى ضرورة تكفير الحاكم عينياً، حتى يمكن الخروج عليه، بمعنى أنه حتى لو اقترف الكفر البواح، لكن لم تتحقق الشروط وتنتفي الموانع في تكفير الحاكم المتغلب شخصياً، فطاعته واجبه ونظامه شرعي.

المدرسة الأولى التي تقبل حكم المتغلب، والتي تفترض وجود وتحقق عناصر الشرعية المذكورة سابقاً، ولم تتطرق لها، لأنها من المعلوم عندهم ضرورةً، كمن يحدثك عن طلاء بيته، فهو يفترض ضرورةً أنك تعلم أن بيته على قطعة أرض، ولم يخطر على باله أنك تعتقد أن بيته يطير على بساط الريح.

ومن تصدى لهذا الرأي وقع في نفس الفخ الاختزالي وغياب المنهجية، فسطّح القضية، واعتبر نفسه أمام رأي معتبر حقيقي، لا يمكن تجاوزه إلا بتكفير الحاكم عينياً. ثم لم يكتفِ بذلك فقط، بل ساقه تسطيحه إلى تكفير أركان دولة هذا الحاكم من وزراء وأعوان لا يقوم الحكم إلا بهم، حتى بلغ التكفير مبلغاً عجيباً، من تكفير أئمة المساجد ورجال الحسبة، بل قد رأيت من كفر أمه وأباه، والشجر والحجر، ولم يترك آحاد الناس فضلاً عن رؤسائهم إلا وحكفره.

العينة الرابعة:هي الأكبر جرماً، والتي استثمرت تشابه الألفاظ في المصطلحات، فقامت بإزاحة إحدى المدلولات لمعنى كامل، لمدلول آخر لمجرد التشابه اللفظي. من ذلك الخروج العقدي والخروج على الحكام، فهما مفهومان مختلفان تماماً، كان الصحابة يفرقون بينهما بطبيعية، بل يسري هذا التفريق في التابعين وأجيال متعاقبة من العلماء. فللأول عندهم دلالة مرتبطة بالبدعة، التي جاء النص واضحاً في التحذير منها، وتقبيح فاعلها، والحث على التخلص منها. أما الثاني فلم يكن له تصنيف يخرج عن طرفي الاجتهاد، للمصيب أجران، وللمخطئ أجر واحد.

كما أن المفهوم الأول قامت به جماعات منفصلة عن الأمة، ذات نظرة اجتماعية وثقافية مختلفة. أما المفهوم الثاني فقد قام به صحابة مشهود لهم بالجنة، وكبار التابعين وأقره الجمع الغفير من علماء الإسلام.

وقد يعذر آحاد الناس ممن ليس له دراية شرعية، في الخلط بين المفهومين، لكن ما يعتبر جريمة ثقافية تربوية منهجية بامتياز، هو وقوع هذا الخلط على مستوى العلماء. لأنه لايمكن أن يحمل على محمل سليم، قيام من عنده أدنى علم بالمصطلحات الشرعية بالخلط والترحيل فيما بينها، أو حتى عدم القدرة على التفريق. والتبرير الوحيد الذي يخرج به المتابع، هو رغبة هذا العالم بعدم تكدير صفو فساد الظلمة، من خلال إرهاب العامة بخطورة الخروج العقدي المزاح اعتسافاً.

والأغرب من هذا الخلط، هو الاختراع التأصيلي الذي قام به من تصدى لهذا التزوير، فأنبت مشروعاً للتغيير يحرّم استخدام العنف، جاعلاً من المهاتما غاندي سنة تتبع بحذافيرها. ولا خلاف في أن يختار المصلحون خياراتهم في التغيير، لكن الخلاف أن ينسب هذا القول بأنه هو الموقف الإسلامي الأوحد، ولا وجود لغيره، في نسفٍ لمنظومة كبيرة من النصوص الثابتة، وشطب لأحداث تاريخية موثقة.

المقال كما جاء في ثنايا الكلام أعلاه، ليس بزاوية كافية لكشف هذا العبث والتعسف، الذي تعرضت له منظومة الفكر السياسي الإسلامي. ولكنه من قبيل لفت الانتباه بأمثلةٍ تؤكد حجم التشويش في الذهنية السياسية الإسلامية. ولك أن تقارن مصطلحاتٍ من قبيل الشرعية والأمة والدين والدولة بما ذُكر أعلاه، فهي لا تقل تشويهاً عن فكرة المتغلب في الموروث السياسي الإسلامي.

سبق نشره في صحيفة التقرير على هذا الرابط

الأحد، 29 يونيو 2014

تحدي العلمانية


لم تبق دولة في العالم من أمريكا الشمالية إلى الجنوبية إلى أوربا وأفريقيا والصين والهند وروسيا واليابان وكوريا وبقية آسيا إلا وهي محكومة سياسة واقتصادًا وقانونًا بمرجعية علمانية، حتى لو لم تنص على ذلك[1]. وكثير من الذين يتصدون للمشروع العلماني يظنون أنهم يتعاملون مع ظاهرة فكرية عارضة تحمّس لها بعض المفكرين والمثقفين والفلاسفة، غير مدركين أنها منظومة شاملة متكاملة تهيمن على كل قطر، بل على النظام العالمي وتعطيه المرجعية في كل شيء.

العلمانية في وضعها الحالي ليست فكرة تبنّاها شخص أو خدمتها جماعة أو دولة، بل هي تراكم ضخم لجهود بشرية فكرية وعملية، تشكّلت على مدى مئات السنين وانتهت بالشكل الدارج حاليًا والذي فرض نفسه كمرجعية عالمية. هذا الناتج التراكمي الضخم يجعلها أكبر تحدٍ يواجه المشروع الإسلامي منذ انطلاقة الإسلام الأولى، بما يتفوق بكثير على الحملات الصليبية والغزو المغولي[2].


كيف ولماذا هيمنت العلمانية؟


لا يمكن التعامل مع هذا التحدي الضخم والمتمكّن والمسيطر بالتسطيح ولا بالاختزال، بل لا بدّ من رؤية عميقة ونظر فاحص لأسباب الهيمنة والتمكين. وإذا تجردنا في البحث فربما ننتهي إلى الأسباب التالية:


أولًا: المشروع العلماني يوفّر وعاءً واسعًا وطرحًا مشبِعًا وعمليًّا لمتطلبات الأركان الثلاثة في قيام الدول، وهي السياسة والاقتصاد والقانون، قابلًا للتبني كـ”نمط” أساسي للشعوب في مرجعيتها. وهذه النمطية هي التي جعلت العلمانية أساسًا ومرجعية لمعظم دول العالم، حتى تلك التي نصت في دساتيرها بأن “دين الدولة الرسمي هو الإسلام”. ربما تكون هذه النمطية مفروضة على دول شعوبها مسلمة ملتزمة، لكن الغالبية العظمى من الدول تتبنى العلمانية بشكل تلقائي حتى لو كان كلُّ سكّانها من ديانة واحدة بوذية أو هندوسية أو نصرانية.


ثانيًا: تمكّنت العلمانية بعد تراكم التجربة البشرية “العلمية” من إيجاد تفسير لكلّ ما كان يعتقد أن لا يفسره إلا الدين. الظواهر الكونية مثلًا تُفسّر بالقوانين الطبيعية التي وصفها علماء الطبيعية وفي مقدمتهم نيوتن، وما دام يمكن تفسير حركة الأجرام واحتراق الشمس وسطوع الضوء وسواد الظلام تفسيرًا ماديًّا، فلا حاجة للإله لتسيير الكون. أما أصل الحياة، ففُسر بنظرية داروين التي تحولت إلى أساس منهج علم الحيوان، ومنه إلى تدخلها في العلوم الاجتماعية عبر ما يسمّى الداروينية الاجتماعية، لا كما يعتقد البعض أنّها مجرد نظرية تنتظر الإثبات. وظاهرة المشاعر التي كان يعتقد أنها روحية بحتة تم ربطها بالدماغ والغرائز في علم النفس الحديث، فصار تفسيرها ماديًّا لا يحتاج لتفسير روحي أو ديني. وبقدر ما يستهجن المسلمون هذه التفسيرات العلمانية بسبب تماسك البديل الإسلامي، فإن تراث الديانات الأخرى لا يصمد أمام الطرح العلماني، بل يبدو متخلفًا مضحكًا.


ثالثًا: سهولة المشروع العلماني المتناهية في حل المشاكل العملية للبشر في تشكيلتهم الجماعية؛ فهو قائم على مفهوم غاية في البساطة والجاذبية، وهو انعدام الثوابت وغياب المحرمات. وكثير من المروجين للعلمانية لا يدركون أنه لا يوجد في العلمانية إلا ثابت واحد هو اللذة على مستوى الفرد والذي إذا تُرجم على مستوى الجماعة يتحول إلى منفعة الجماعة. غياب المحرمات فائق الجاذبية للبشر؛ لأنهم يحبون المتعة المطلقة ولا يريدون لمحرمات الأديان أن تتحول إلى قوانين ملزمة. أما انعدام الثوابت، فيعطي أقصى مساحات المرونة للمشروع العلماني ويجعله متفوقًا في الواقعية والقابلية للتطبيق.


رابعًا: مواءمة المشروع العلماني للدولة القُطرية الحديثة لأنّه الأنسب للمظلّة الوطنية التي تهيمن على الأديان والأعراق ويفترض أن تتعامل معها بالتساوي بسبب إلغاء أي مرجعية غير اللذة والمصلحة. وحتى ما يقع من تغليب دين معين أو عرق معين في بعض الدول، فهو إما استثناء أو هو نتيجة طبيعية لغياب الثوابت في المشروع العلماني حين تتسلّط قوة على أخرى. هذه الموائمة بقدر ما خدمت نظام الدولة القُطرية وجعلتها مشروعًا ناجحًا وعمليًّا، فقد كانت خدمة متبادلة؛ لأن استقرار مجموعة الدول القطرية أعطى العلمانية المزيدَ من المرجعية والتنميط العالمي وجعلها طرحًا لا بديل له.


خامسًا: ارتبطت العلمانية في نموذجها الأخير بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، فأعطاها جاذبية إضافية كونها حققت درجة عالية من الحرية والعدالة واحترام كرامة الإنسان واحترام خصوصيته وأملاكه. هذا الارتباط هو ما استقر عليه الطرح العلماني الأخير بعد أن مرّ بمراحل الإمبريالية والعنصرية والفاشية. ويظنّ الكثير من البشر أن العلمانية مرتبطة بهذه القيم الجذابة ارتباطًا بُنيويًّا، مما أعطى مزيدًا من الدعم لنمطية العلمانية وجعلها فكرة إنسانية ملؤها العدل والحرية. والذاكرة البشرية لديها الاستعداد لتناسي عنصرية النازية وقمع الفاشية ودكتاتورية الشيوعية رغم أنها نماذج أخرى للعلمانية. وقد وقع مفكرون كبار في هذا الفخ مثل فرانسيس فوكوياما وأسّس نظريته -”نهاية التاريخ”- عليها باعتبارها الشكل النهائي للإبداع البشري الذي لا رجعة فيه للوراء[3].

سادسًا: تزامن صعود العلمانية مع انتعاش التقنية والإبداع العلمي، ممّا أعطى انطباعًا بأنّ العلمانية هي الحاضنة المناسبة لهذا الإبداع، وأنّ هيمنة الأديان سابقًا هي التي منعت ذلك. والوجدان العالمي مشحونٌ بالحقد على الكنيسة وحربها على الإبداع، ولا يكاد الدين يذكر إلا ويذكر معه معاناة كوبرنيكوس وغاليلو. ولا يستغرب أن ينسب تطور العلوم في الفلك والفيزياء والطب والهندسة، ثم انبعاث الثورة الصناعية ثم تقنية الحاسب الآلي والاتصالات، لا يستغرب أن ينسب إلى التحوّل من هيمنة الدين إلى العلمنة.


سابعًا: تزامن صعود العلمانية مع الإبداع الإداري والتنظيمي، بعد التخلص من العلاقة البنيوية بين الكنيسة والملك، والتي كانت قد جعلت كلّ الشعب والدولة رهينة هيكل إداريّ جامد هو نتاج هذه العلاقة الساذجة… وانعدام الثوابت وتغليب المصالح فتحَ المجال لأكبر عملية إبداع إداري في التاريخ، أنتجت لنا مؤسسات معقّدة غاية في الكفاءة والإنتاج، ما كانت لتتأسس لو بقيت الشعوب تحت مظلة الكنيسة أو المعبد.

ثامنًا: أدّت الهيمنة العالمية للعلمانية، وارتباطها بسلسلة الدول القُطرية، إلى أن تتعدّى مرجعيتها القطر الواحد إلى مرجعية عالمية، لها مبادئُها ومؤسساتها العالمية من الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن إلى المؤسسات الاقتصادية الدولية… إلخ. هذه المبادئ والمؤسسات الدولية رفعت الهيمنة إلى أعلى مستوى في تاريخ البشرية، وأعطتها سلطة وشرعية عالمية لم يعرفها البشر من قبل.

لمَنْ الملك اليوم؟


هذه الأسباب وغيرها جعلت العلمانية تبدو كما لو كانت قوة مطلقة غير قابلة للمنافسة من قبل الأديان في الكرة الأرضية. والحقيقة لا يوجد دين -غير الإسلام- يستطيع أن يكافئ العلمانية لا قُطريًّا ولا عالميًّا، بل كل أصحاب الأديان راضون أن يعيشوا تحت كنف العلمانية، وربما استفادوا من العلمانية في قمع الأديان الأخرى، دون أن يجعلوا ديانتهم مرجعًا سياسيًّا. وما يغيب عن البعض، أنّ دولة مثل إسرائيل دولة علمانية، حتى لو كان الدين مبررًا وظيفيًّا في تأسيسها. ولذلك، فمن المفارقات أن كلّ أعضاء المجلس التأسيسي للمؤتمر الصهيوني علمانيون، والصهاينة في إسرائيل من أقل الإسرائيليين تديُّنًا، وقلنسوة الكيبا التي يعتبرونها رمزًا وظيفيًّا وليست من باب التدين [4].

الإسلام يتحدى


الإسلام قصته مختلفة؛ لأنه يواجه العلمانية بنفس أسباب تفوقها، وهي شمول الهيمنة وشمول المرجعية والمرونة والواقعية، وليس غريبًا -والحال هذه- أن تكون المواجهة بين الإسلام والعلمانية حتمية، بل ليس غريبًا أن تتعدد أشكال المواجهة.

الإسلام واجه العلمانية ثقافيًّا في جدل ضخم متعدّد الصور والمستويات والوسائط، في حوار فكري مقروء ومسموع ومشاهد، وصراع اجتماعي بالتنافس على التشكيلات الاجتماعية والمؤسسات المدنية، وواجهها سياسيًّا على المستوى القُطري في صراعات سلمية ومسلحة أخذت أشكالًا كثيرة، وواجهها كونيًّا في صراع عالميّ كان الربيع العربي والحرب المزعومة على الإرهاب من ميادينه. ويمكن أن يستشرف أيّ راصد للأحداث أن الإسلام سيدخل في صدام سياسي وعسكري شامل مع النظام العالمي كله.


من يتفوق؟

الإسلام حين يكافئ العلمانية بالهيمنة والشمول والواقعية، ويخلو من مشاكل الأديان الأخرى؛ فإنه بالتأكيد يتفوق على العلمانية بكثير مما ليس فيها: يتفوق الإسلام بوضوح الثوابت ودقة المرجعية (النص) ممّا يعطي هذه الثوابت حصانة من التبديل أو التغيير أو التلاعب. أما العلمانية، فبسبب غياب ثوابتها، لن يكون غريبًا أن تعود إلى عهد العنصرية والفاشية والإمبريالية، إذا دعا أيّ داع لذلك مثلما حصل في صعود النازية. أما الإسلام، فثوابته محددة بالكتاب والسنة ولا يستطيع أحد أن يغيرها، وكل محاولات التزوير في تفسيرها تنهار أمام تماسك هذه النصوص.

يتفوق الإسلام بالأخلاق والفضيلة المعتمدة على تلك الثوابت. فالعلمانية يمكن أن تصدر قوانين فيها ممنوعات وواجبات، لكنها لا يمكن أن تصنع فضيلة أو تروج لأخلاق وقيم إنسانية. والقيم التي ظهرت مع “النسخة” الأخيرة من العلمانية مثل الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، هي أولًا تطوّر عارض سيزول مع المرحلة القادمة من العلمانية؛ وثانيًا ليست مرتبطة بضمير ووجدان بشري، بل هي معانٍ مصلحية لمنع الضرر بين البشر قد قيست قياسًا ماديًّا بحتًا.


يتفوق الإسلام في “الانتماء”؛ لأن العلمانية ليس فيها هُويّة مطلقًا، والانتماء تحت مظلة العلمانية متروك للوطن أو للقومية، بينما الهُوية في الإسلام انتماء له ذاته. ومثلما يتفوق الإسلام في أصل الانتماء، فإنه يتفوق في قوة الانتماء، مقابل انتماءات الوطنية والقومية التي يستحيل أن تكافئ انتماء المسلم المثقل بالاستعلاء والثقة بالصواب المطلق، والمرتبط بالتبعية لكل طريق الأنبياء من آدم إلى محمد -عليهم الصلاة والسلام-.

ويتفوق الإسلام بقوة الجانب الروحي المنسجم مع النفس البشرية، والمنزّه من رهبنة الأديان الأخرى وخرافاتها. العلمانية سعت لتعويض الجانب الروحي بالموسيقى والفنون، وذهبت إلى أبعد من ذلك بترك أصحاب الأديان يمارسون عباداتهم الفردية؛ لكن غياب البعد الروحي جعل العلمانية جافّة عديمة الطعم واللون والرائحة، ولذلك انتشرت رياضة اليوجا في المجتمعات العلمانية، في نسختها الحلولية التي تنسجم تمامًا مع المفهوم العلماني المؤلِّه للإنسان.


ويتفوق الإسلام في قضية خطيرة جدًّا، وهي أنّ الدفاع عنه ونشره وتمكينه واجب دينيّ، سواء بالحوار والدعوة أو بالقتال والسلاح. ونصوص الدين تَعتبر السعي لهيمنة الإسلام على كل الأديان والأفكار واجبًا لا يجوز التقصير عنه. صحيح أن العلمانية تحظى بدفاع تلقائيّ عن مؤسساتها، ونشر طبيعيّ لأفكارها؛ لكن لا يوجد إلزام يكافئ الإلزام في الإسلام بهذا الدفاع والنشر.


من هو الخصم؟

لا يستطيع أحد إلغاء العداوة التي أثبتها القرآن للديانات الأخرى، ولا إنكار كيد أهلها للمسلمين، لكن في هذه المرحلة من التاريخ لا يكافئ التحدي العلماني أي تحدٍّ، وكل الأديان قد ابتلعتها العلمانية رغم أنفها ووضعتها تحت كنفها. صحيح أن بعض الدول العلمانية فيها تأثير كبير على صاحب القرار من أغلبية ذلك الدين، أو اللوبيات النصرانية أو اليهودية أو البوذية أو الهندوسية؛ لكنّ الصراع الحضاري الكليّ صراع مع العلمانية وليس مع هذه الأديان. هذا فضلًا عن أن أغلب الدول العلمانية قد تخلّى معظم سكّانها عن التدين، ولم يبق إلا اسمه، بل تخلّى الكثير منهم حتى عن اسم الدين. ومن الطرائف، أن عدد المسلمين الذين يصلّون في المساجد في أوربا أكثر من الذين يذهبون للكنائس.


والمبالغة في تضخيم دور المسيحية في هذا الصراع يخلخل فهم طبيعة المواجهة ويربك الصورة ويخلط الأوراق. وفي هذا السياق، لم يفهم كثير من الإسلاميين نظرة الدكتور المسيري -رحمه الله- في إن إنشاء إسرائيل؛ يعني هزيمة الخط الديني لليهود أمام خط الصهاينة الوظيفي العلماني[5]. وفي سياق مشابه، يعترض البعض بأن هنتنجتون أكّد على المواجهة الإسلامية المسيحية في طرحه لصدام الحضارات، وهذا صحيح، لكنه اعتبر المسيحية إرثًا تحت قبّة العلمانية وليس مواجهة من ذات المسيحية[6].

هذا لا يعني تجاهل دور الأديان ولا دور التراكمات التاريخية في الحقد على المسلمين والنظرة العنصرية لهم، لكن تبقى هذه الأمور إما كخلفية يُنظر لها في الاعتبار، أو كتفصيل يُضاف للقضية الأساسية؛ وهي التحدّي العلمانيّ.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] خارطة تبين الدول العلمانية في العالم هنا
[2] راجع كتاب (الإسلام والغرب الأمريكي بين إمكانية الحواروحتمية المواجهة) لمحمد إبراهيم مبروك..
[3] راجع كتيب: (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) لفرانسيس فوكوياما.
[4] و [5] را: كتاب (العلمانية الشاملة والجزئية)، وكتاب (الصهيونية والنازية) للدكتور عبد الوهاب المسيري -رحمه الله-.
[6] صموئيل هنتنجتون في كتاب (صدام الحضارات).

مقالة سبق نشرها في صحيفة التقرير على هذا الرابط

الجمعة، 27 يونيو 2014

تغريدات عن بعض الأخطاء الأساسية التي تقدح في أصل منهجية التعبير عن الفكرة

من علامات تخلف المجتمعات، أن من يشار إليه بالبنان من المحسوبين على الثقافة والفكر، يرتكبون أخطاء أساسية تقدح في أصل منهجية التعبير عن الفكرة.

من هذه الأخطاء، العجز عن التفريق بين المعلومة المجردة كحقيقة من الحقائق (والتي ليست خاضعة للرأي)، وبين الفكرة أو وجهة النظر.

كثير من المحسوبين على الفكر والثقافة، لا يحسن السرد بطريقة تعزل المعلومة المجردة عن وجهة نظره أو وجهة نظر غيره، فيضيع القارئ أو السامع.

ومن هذه الأخطاء، ربط الموقف تجاه فكرة ما بالشخص الذي صدرت منه، فتكون نفس الفكرة مقبولة إذا صدرت من فلان، ومرفوضة تماما إن صدرت من آخر.

وبعضهم يضفي غطاءً شرعيا لهذا المسلك، على الرغم من أنه ضد المنهجية الإسلامية، فقد أقر القرآن قول ملكة سبأ الكافرة، وأقر عليه الصلاة والسلام نصيحة إبليس لأبي هريرة.

ومن هذه الأخطاء الإصرار على الحديث أو الكتابة عن قضية لم يستوعبها جيدا، ويبقى يلت ويعجن في كتابته أو حديثه مصرا على أنه هو المرجع فيها.

ولذلك يقال : إن عجزت أن تفهم ماذا يريد الكاتب أو المحاضر، فلا تستعجل باتهام نفسك بعدم التركيز، فعلى الأرجح أن الكاتب نفسه قد يكون غير مستوعب للفكرة.

وغالبا ما يكون سبب ذلك الثقة الزائدة بالنفس من قبل بعض المحسوبين على الفكر والثقافة، فيظن نفسه مرجعا في علم ما بسبب ما يتدفق عليه من الثناء النفاقي. 


هذه المظاهر وغيرها يصعب أن تجدها في مجتمع ناضج حر توفرت فيه الفرصة للتنافس، فلا يكسب قلوب القراء إلا الذي يتقن المنهجية السلمية في الطرح والتعبير.

وهذا مقال قديم لي عن أمراض المثقفين في هوامش الأنظمة الشمولية، جمعت فيه بعض المظاهر السلبية للمثقفين اضغط هنا

جوزيف كليمنس (الحاج محمد الألماني)

ظاهرة الجهاديين الأوروبيين التي أثارت استغراب البعض، حول كيف لشاب أوروبي نشأ في بلاد المادية أن يتركها ويتحول للجهاد. والبحث في الأسباب لن ينتهِ إلى اتفاق بين الباحثين، فلكل باحث وجهة نظر يحاول أن يسوق الأخبار والأحداث لتوافقها.
ولعل تسليط الضوء على زاوية مختلفة نوعاً ما عما يتحدث عنه الآخرين، هي الأفضل للقارئ والمتابع. فيذكر صاحب كتاب (الجانب الخفي وراء اسلام هؤلاء) محمد كامل عبدالصمد، قصة الشاب الألماني "جوزيف كليمنس" من "دوسلدرف".
الذي رحل في عام ١٩١٢ لبلاد المغرب ملتحقاً في سلك الفرقة الفرنسية التي كانت تعمل على قمع الثورات المحلية.
إلا أن هذا الشاب ضاق ذرعاً بالجرائم التي يرتكبها المحتل بذرائع واهية لا تنطلي على أوروبي يعرف بني جلدته.
فبدأ يستمع إلى أخبار المجاهدين، وأثاره استبسالهم وشجاعتهم وصلابتهم وأخلاقهم ومثلهم العليا حتى في الظروف الحرجة.
انضم جوزيف كليمنس إلى جيش المجاهدين بقيادة الأمير عبدالكريم الخطابي عام ١٩٢١ وأصبح من أخلص رجاله.
فقد اعتمد عليه الأمير في رسم الخرائط وتصوير مواقع الأعداء وترجمة الرسائل. قابلته صحيفة الديلي نيوز ونشرت عنه بعض الكتب التي لا تخلو من أسطرة جوزيف. ومما يذكر أن جوزيف أسلم وغير اسمه إلى الحاج محمد الألماني واستمر في جهاده حتى أسرته فرنسا.
حكم عليه بالإعدام ثم خفف إلى الأعمال الشاقة المؤبدة نظراً لهروبه من الجندية، وسجن في جزيرة تسمى جزيرة الشيطان.

أمضى باقي حياته في المعتقل حتى وافته المنية عام ١٩٦٣ صابراً رابط الجأش لم يتراجع عن معتقداته رحمه الله.
القصة ذكرت في موقع الصدرين على الرابط هنا

الاثنين، 23 يونيو 2014

إيران الثورة.. مع أو ضد أمريكا؟



المبدئية والبراجماتية في السياسة الإيرانية والخطوة التالية لإيران



طالما وصفت إيران أمريكا بالشيطان الأكبر، وارتبط انطلاق الثورة الإيرانية بقوة العداوة لأمريكا، فهل يعتبر تفاهمها مع أمريكا ضد السنة في العراق خيانة لمبادئها وانقلابا على ثوابتها؟ هذا السؤال يمكن الإجابة عليه بالانتقال للإجابة على سؤال أكبر، وهو عن دور المبدئية مقابل المصلحية الواقعية (البراجماتية) في السياسة الإيرانية؟ والذي بدوره سيقودنا إلى معرفة معلومة أوسع، وهي حجم المسموح به براجماتيا في الفكر الشيعي عموما وفي ولاية الفقيه خصوصا. نستطيع من خلال دراسة هذه المعلومة الرجوع للسؤال الأول. في تسلسل منطقي ضروري لا يختزل المواقف أو يجتزئها.


هل هذا هو التعاون الأول مع أمريكا؟
التعاون الأمريكي الإيراني الحالي ضد أهل السنة في العراق، يحصل الآن بشكل مكشوف وبصوت مرتفع، لكن مثله حصل وتكرر كثيرا دون رفع الصوت. فقُبيل وخلال الغزو الأمريكي لأفغانستان كان هناك تنسيق (غير مباشر) بين الأمريكان والإيرانيين بسبب العدو المشترك (طالبان). وقد أوعزت إيران لتحالف الشمال بالقتال جنبا إلى جنب مع القوات الأمريكية ضد طالبان، وفي أكثر من مرة فتحت إيران مجالها الجوي لتنفيذ عمليات للطيران الأمريكي ضد طالبان والقاعدة. (1)
وعندما أعلنت أمريكا نيتها غزو العراق 2003، أوعزت إيران لكل الفصائل الشيعية بالتفاهم الكامل مع أمريكا. وأثناء الغزو طلبت إيران من السيستاني أن يفتي بعدم تعرض الشيعة للاحتلال. وبعد الغزو وقبل انطلاق المقاومة العراقية حصل بعض الصدام السياسي بين الحليفين (أمريكا وإيران)، ما لبث أن نُسي بعد انطلاق المقاومة العراقية، فعاد التفاهم بينهما، ووافقت أمريكا على إعطاء إيران اليد العليا في العراق. واستمر هذا التفاهم الكامل بين الإيرانيين والأمريكان بسبب خطر التيارات الجهادية السنية إلى أن وصل ذروته الآن. (2)
وفي مسار آخر كانت إيران بعد انطلاق الثورة تتهم دول الخليج بأنها عميلة لأمريكا وسوف تعاملها معاملة المتخندقين مع العدو. إلا أنها أدركت أن العداوة المعلنة لن تنفعها، فغيرت لغة الخطاب إلى لغة صداقة واحترام، وانفتحت اقتصاديا وسياسيا على أكثر من دولة، خاصة الكويت وقطر والإمارات رغم أنها مصنفة إيرانيا كجزء من المعسكر الأمريكي. 


هل كانت معاداة أمريكا في الأصل مبدئية؟
هذا الاستعداد للتفاهم الكامل مع أمريكا لمواجهة الإسلام السني في العراق وافغانستان يعيدنا إلى سؤال أهم: هل كانت معاداة أمريكا في الأصل مبدئية؟ بعبارة أخرى هل كان ما بذلته إيران في تنفيذ سياسة معادية لأمريكا، من بينها صناعة حزب الله ومحاربته إسرائيل أكثر من مرة ثم دعمها لحماس، هل كان عملا مبدئيا؟ الثورة السورية المباركة تجيبنا أن أمريكا وإسرائيل بالنسبة لإيران أمر ثانوي، إذا كان الجهاد السني هو الخطر المشترك. وليس سرا أن أمريكا وإسرائيل راضيتان عن مشاركة إيران وحزب الله في سوريا، والاعتراضات الشكلية يدحضها الواقع المخالف. ولكن يبقى السؤال: لماذ أنشأت إيران حزب الله في لبنان وأزعجت إسرائيل كثيرا ودعمت حماس ماديا؟ أليس هذا عملا مبدئيا؟.
المطلع على تفاصيل السياسة وآلية القرار الإيرانية، يدرك أن إنشاء حزب الله ودعم حماس مرتبط باستراتيجية أمنية قومية، أكثر من ارتباطه بايديولوجيا. فإيران ما بعد الثورة ترى نفسها دولة خارج النفوذ الأمريكي ولها قرارها المستقل، وتعلم أن أمريكا لن تسمح لها بهذه الاستقلالية، ولا حل لمنع أمريكا من إزعاجها، إلا بحيل سياسية وعسكرية واستخباراتية وأمنية تردع الأمريكان عن اجبار إيران على الخضوع. من ضمن هذه الحيل الانفتاح على روسيا والصين والتفاهم مع دول أوربا، وتقوية الدفاعات الإيرانية الخ. لكن من أقوى هذه الوسائل إيذاء أمريكا من خلال خاصرتها في المنطقة (إسرائيل)، عن طريق دعم حماس، وجعل إسرائيل تحت مرمى صواريخ حزب الله. فالقضية إذا ليست نصرة لفلسطين كمبدأ، بل هي التفاف أمني على أمريكا وإتيانها من "اليد الي تؤلمها".
والمتأمل في النشاطات الثقافية والإعلامية والدينية الشيعية الحالية في العراق، يرى التخلي عن القضية الفلسطينية وشطبها من الضمير الشيعي بالكامل. أما الأدبيات الإيرانية فالراصد الذكي يرى أنها متكلفة مصطنعة، لتكون كافية لتبرير مواجهة إسرائيل ومن ثم أمريكا وليس لذاتها كقضية إسلامية مقدسة.


سياسة إيران براجماتية، لا بل هي مبدئية!!!
هذا التحليل السياسي يعطي انطباعا عاجلا بأن إيران دولة مصلحية براجماتية أكثر منها مبدئية ايديولوجية، لكن هل هذه هي الحقيقة؟ لا يمكن معرفة الحقيقة إلا بالانتقال من النظرة السياسية إلى التأمل الفكري المذهبي، لنرى أين تنتهي الأيديولوجيا وأين تبدأ البراجماتية. وإذا ما بذلنا بعض الجهد الفكري في هذا التأمل، فسوف نرصد ثلاث أسباب تجعل الفاصل بين المبدئية والبراجماتية غير موجود، لأن ما يبدو براجماتيا هو في الأصل جزء من المنهجية الإيرانية المقبولة مبدئيا. 


السبب الأول: إيران دولة قومية (قطرية)
لا يوجد في الموروث الفقهي الشيعي ما يمكن أن يعتمد عليه في بناء الدولة ورسم العلاقات الدولية، وبناء عليه لا مفر من الاعتماد على مفهوم الدولة القومية الحديثة لإقامة إيران كدولة بعد الثورة. ورغم أهمية المذهب الشيعي الإثنا عشري في إنشاء إيران الثورة، فإنها في حقيقتها دولة قومية (قطرية) ترسم سياستها بالمنظار القومي، كدولة مستقلة ذات سيادة ولها مصالح أمنية قومية عليا. لا يعني هذا التقليل من أهمية المذهب ولا تساهل إيران في نشره وخدمته، لكن يبقى المذهب خادما لمصالح إيران القومية وليس العكس. ومن المفارقة ما ذُكر أعلاه، أن تكليف حزب الله والميليشيات العراقية بالقتال في سوريا، ثم مشاركة الحرس الثوري في القتال في العراق هو خدمة للأمن القومي الإيراني أكثر منه خدمة للمشروع المذهبي. والدفاع عن المصالح القومية العليا عند البعض قضية مبدئية لكنها عند من يقدم الدين والمذهب براجماتية مصلحية وبهذا تتداخل البراجماتية والمبدئية. وحين نتحدث عن الدولة القومية فإن المقصود هو "القطرية" تحديدا بالمفهوم الحديث للدولة، وليس القومية الفارسية مع أن الأخيرة لها دور كبير في السيكولوجيا الإيرانية والتوجه السياسي.


السبب الثاني: "ولاية الفقيه" ذاتها مشروع براجماتي 
الأساس الفكري الذي نشأت إيران الثورة عليه هو مبدأ ولاية الفقيه، وهو ذاته مشروع براجماتي استخدمه الخميني كوسيلة للتخلص من السلبية السياسية في الأدبيات الشيعية. فمرويات الفكر الإثناعشري المنسوبة للأئمة لا تشتمل إلا على مبدأ انتظار المهدي، والاعتماد عليها يعني استحالة التحرك السياسي من أساسه. محاولات الاجتهاد في الفقه الشيعي لا تخلو من "ابتداع" مشاريع سياسية محدودة وحشرها في المشروع الشيعي، لكنها لا تصمد أمام الزخم الهائل للمرويات التي تناقض ذلك. وهذا ينسحب على نفس نظرية ولاية الفقيه التي كانت موجودة قبل الخميني، ولم تترجم إلى مشروع عملي لنفس السبب. الخميني نجح في تحويل ولاية الفقيه لمشروع سياسي، لأنه استغل الظروف المواتية واحتقان الشعب ضد الشاه، فكان طرحه لها براجماتيا واقعيا وليس طرحا نظريا مصادما للمرويات. هذا الدور البراجماتي البنيوي لولاية الفقيه في تأسيس إيران الثورة، جعل البراجماتية والمبدئية متداخلتان بالضرورة. (3)


السبب الثالث: التقية بوابة نفسية واسعة للبراجماتية 
رغم الخلاف على مفهوم التقية لا ينكر أحد من الشيعة أن التقية ركن من أركان التشيع، وفيها جانب براجماتي كبير. وقد يُعترض بأن الشيعة صارت لهم دولة وقوة، ويفترض أنهم لم يعودوا بحاجة للتقية، فهل بقى للتقية هذا الدور في إفساح المجال للبراجماتية؟ يجاب على هذا الاعتراض بنقطتين، أولاً أن إيران لا تتعامل مع وضعها الداخلي فقط بل تتعامل مع توازنات إقليمية وعالمية تلعب فيها التقية دورا كبيرا. ثانياً تربية الشيعي على مبدأ التقية يضفي عليه حالة نفسية، تجعله -فردا كان أو جماعة أو دولة- في حالة أكثر استعداداً للبراجماتية ممن لا يؤمن بها. هذا الاستحضار للتقية يتحول إلى منصة نفسية للقرار البراجماتي، ومن ثم قبوله ضميرياً وتحويله إلى قرار مبدئي. وهكذا تصبح التقية الدينية آلية لأدلجة المصالح والقرارات التي في أصلها مخالفة للمبادىء، ومن ثم تتداخل الأيدولوجيا والمصالح بطريقة متشابكة.(4)
لهذه الأسباب لا يبقى معنى للسؤال ما دام تحقيق المصالح ذاته جزءا من المبدأ، وما دامت المرجعية النصية تسمح لمفهوم المصلحة أن يتمدد بلا حدود. هذا ليس تمرينا ذهنيا في الوصول لحل لغز نادر، بل هو محاولة لمعرفة طريقة تفكير صاحب القرار الإيراني واستشراف خطوته التالية. وبناء على هذا التحليل فإن دور الهوية والعقلية الفارسية، وطريقة الحوزة الإيرانية في توسيع هامش المذهب لصالح الدولة أقوى من المذهب نفسه. وتبعا لذلك يستطيع المراقب -في الجملة- توقع ما تنوي إيران الإقدام عليه تجاه الأزمة العراقية وغيرها من الأزمات.
------------------------------------------------------------------------------------

(1) للمزيد من التفاصيل (اجتماعات بون للتنسيق ضد الطالبان) هنا و هنا
(2) لمزيد من التفاصيل عن الاجتماعات الثلاثية أمريكا/العراق/إيران بعد احتلال العراق (في منتصف الصفحة) هنا
(3) بحث موسع عن تاريخ ولاية الفقيه وكيف تمكن الخميني من تفعيله عمليا بعد أن لم ينجح أحد قبله هنا
(4) لمزيد من التفاصيل عن التقية من موقع الشبكة الإمامية هنا

مقالة سبق أن نشرت في جريدة التقرير.

الاثنين، 16 يونيو 2014

تغريدات عن العشائر العراقية ودورها في القتال الدائر حالياً.

كثر الحديث عن دور العشائر العراقية ودورها في القتال الدائر حالياً، وهذه محاولة مني لعرض خريطة للعشائر العراقية وقدرتها على المشاركة في الثورة. 

جزء كبير من الشعب العراقي ينتسب للقبائل العربية الكبيرة، مثل زبيد بفروعها (دليم وعبيد وجبور) وشمر وعنزة وتميم وغيرها…..  

وإضافة لحجم التجمع السكاني من المدينة إلى القرية إلى البادية، تأثرت العشائرية في العراق بعوامل كثيرة أدت لتفاوت الشعور القبلي بين منطقة وأخرى.

وبمثل ذلك يتفاوت تمظهر الأنفة والشهامة والفروسية والكرم والغيرة ما بين منطقة وأخرى، بسبب التأثر بالظروف الاجتماعية والاختراقات السكانية غير العربية.

ودون تقليل من شأن بقية العشائر فإن المثلث الممتد من الفلوجة إلى القائم إلى الموصل يحوي أكثر القبائل التزاماً بهذه القيم والعادات ويشهد بذلك الكثير.

بل إن سبب انبعاث ثورة العشرين هو غضبة الشيخ ضاري بن محمود شيخ قبيلة زوبع من شمر رداً على إهانة الكولونيل ليجمان القائد الانجليزي.

ولم يتردد أبناء الشيخ ضاري في قتل القائد ليجمان، وبقي الشيخ ضاري في حرب ضروس مع الاحتلال إلى أن اعتقل وتوفي في السجن سنة 1928.

ولذلك اشتهرت اهزوجة "هز لندن ضاري وبجاها" أي أبكاها نسبة إلى تمكن ضاري من إرهاق الاحتلال الانجليزي بثورة شاملة.

وشعور هذه العشائر بالأنفة هو سبب صمود الفلوجة عدة مرات أمام الاحتلال الأمريكي بل واستهدافها من قبل الحكومة الطائفية الحالية.

وحتى أيام البعث اضطرت الحكومة أن تحترم عشائر الأنبار، وكانت مدينة الفلوجة هي المدينة الوحيدة التي لم تتمكن الحكومة من افتتاح سينما فيها. 

لكن هذه العشائر لديهم مشكلتان هي نفس مشاكل القبائل في أي مكان، ولا يمكن فهم دورهم في القتال إلا من خلال استحضار هذه الإشكالات.

الإشكال الأول سهولة خداع كامل القبيلة من خلال شراء أو رشوة زعيم لديه استعداد للخيانة كما فعل قيادات الصحوات ضد المقاومة. 

ولم تنتبه القبائل لهذه الخديعة إلا بعد وقوع المصيبة مما دفعها للثورة على القيادات الخائنة لكن بعد وقوع الفأس بالراس ولات حين مندم. 

الإشكال الثاني أنهم رغم قوة بأسهم إلا أنهم غير قادرين على التنظيم، وقتالهم أقرب للكر والفر ولا يمكن أن يبلوا بلاء حسنا إلا بأن ينظمهم غيرهم.

كما ان انتشارهم في المنطقة يضيف عاملا آخر في نجاح العمليات من خلال قدرتهم على الدعم اللوجستي بكافة أشكاله ودورهم كحاضنة شعبية. 

وإذا استحضرنا الأداء المتقن للمعارك الأخيرة يستطيع المراقب أن يطمئن إلى أن العشائر شاركت فعلا لكن جهة أخرى نظمتهم واستفادت من زخمهم.

للمزيد من المعلومات عن الشيخ ضاري بن محمود شيخ قبيلة زوبع من شمر اضغط هنا