الأحد، 21 سبتمبر 2014

داعش والحلف الدولي من سينتصر؟



كثر الحديث عن الحلف الدولي ضد داعش، والنتائج المحتملة لهذه المواجهة، لكن معظم ما يدور، يناقش الجانب العسكري والقتالي فقط، ولا يتناول الحدث بطريقة شاملة تستوعب مجمل الصورة. ويصعب استشراف شكل المواجهة أو نتيجتها، دون التعامل مع كل المعطيات والعوامل المساهمة في تحديد طبيعة هذه المواجهة. و هنا محاولة لرسم خريطة شاملة للمشهد مكانيا وزمانيا، وأخذ الجوانب الحركية والاجتماعية والدينية والنفسية في الاعتبار.

المواجهة حتمية  

الصدام بين داعش والنظام الدولي بقيادة أمريكا، أمر محتوم لا يمكن تفاديه، وليس مرتبطا بقتل مجموعة من الرهائن أو التأثير على مصالح غربية. وحرص الحكومات المحلية على مواجهة داعش، هو كذلك ليس مرتبطا بعمالة للقوى الكبرى، بل حرص ذاتي مبرره نفس مبرر مصادمة النظام العالمي كله.

سبب الصدام هو نفس ما أشرنا إليه في مقال سابق، أن النظام العالمي معتمد كليا على واقع الدول القطرية المستقرة على حدود آمنة متفق عليها، بضمان السيطرة الغربية والهيمنة الأمريكية. إرباك هذا الواقع القطري هو اعتداء مباشر على العالم كله، واستفزاز خاص للغرب وأمريكا. ولهذا السبب كانت استراتيجية القاعدة الأولى في تفادي التعامل مع كل قطر على حدة، والتركيز على شلل أمريكا. فضّل البغدادي أن لا ينتظر نتيجة هذه الاستراتيجية، وقرر تأسيس دولة حقيقية، وتدمير الحدود بين سوريا والعراق وليكن ما يكون.

داعش والنظرة البعيدة

كان واضحا أن توسع داعش ليس نزوة شباب متحمس استمتع برمزية تدمير علامات الحدود، بل هو تمدد لا يتوقف هدفه إلغاء كل الحدود التي يصل إليها. وتبين أن الطريقة التي يعمل بها أصحاب هذا المشروع، ليست قرارات لحظية وعمليات متفرقة، بل خطة متكاملة باستعداد عسكري وسياسي وإعلامي ومالي وتربوي. ومن حسن حظهم أن تشكّلهم وُجد في قطرين متجاورين فيهما اضطراب داخلي (العراق وسوريا)، فتوفرت أرضية كاملة لتنفيذ الفكرة باقتدار، ثم استثمار أقصى للظروف والأوضاع. وهذا ما جعل الصدام مع النظام العالمي آتيا لا محالة، ليس على شكل حرب غامضة على الإرهاب، بل معارك عسكرية مباشرة. (1)

داعش والمراهنات

حين انطلق مشروع داعش في بداياته، راهن الكثير أنه لا يملك مقومات الاستمرار، وسوف يُستهلك إما بالخلاف مع الفصائل الأخرى، أو بنفرة الناس منه بسبب ما نسب إليه من تطرف وقسوة. ولكن التنظيم خالف التوقعات، فاجتاح مساحات واسعة في العراق والشام، وتمكن من المحافظة عليها بكفاءة، وضَبَط الوضع العسكري والأمني والمدني فيها. ثم استمر يتمدد ويضيف المزيد من المكاسب، ويستولي على قواعد عسكرية ومطارات ومراكز استراتيجية خطيرة. والأخطر من ذلك، أنه ضاعف عدد المقاتلين عدة أضعاف، كما ضاعف قدراته المالية والعسكرية عشرات الأضعاف. 

 نحن إذا لسنا أمام عصابة متحمسة، بل أمام تنظيم جمع بين الإرادة والقدرة على تدمير الحدود ، ثم التمدد بلا توقف لتحقيق حلم الخلافة الذي يبشر به. هذا الخطر على كل دول المنطقة أولا، وعلى الهيمنة الغربية ثانيا، هو السبب الحقيقي في الصدام، والذي لو لم يحصل اليوم سيحصل غدا. وهو كذلك نفس السبب في الحماس التلقائي من دول المنطقة، للمشاركة في حلف دولي ضد التنظيم الذي تعتقد أنها إن لم تفعل ذلك، سيجتاحها قريبا.  

مكاسب التنظيم وتمدده التي حصلت حتى الآن، تمت قبل سعي أمريكا لإقامة الحلف، فهل سيتغير الوضع، وينجح الحلف العالمي بقيادة أمريكا في القضاء على الدولة أو احتواء هذا التمدد؟ الجواب يعتمد على معرفة جيدة بقدرات الطرفين، وقدرة كل منهما على المواجهة والتعامل مع الطرف الثاني. كما يعتمد على الظروف المحلية والعالمية، ومدى ملاءمتها لأي من الطرفين بنجاح خطته. (2) 

معطيات لصالح داعش

دعاية مجانية لداعش: سيكون التحالف مبررا قويا للمزيد من التجنيد لداعش، لأن إعلان أمريكا الحرب على داعش سينظر له من قِبل الكثير كتزكية لها، ومن ثم يقطع الطريق على كل من يحاول التشكيك في نشأتها وأهدافها. ومبالغة الأمريكان في الحديث عن الموضوع، وعقد المؤتمرات، ورفع الصوت من أجله، هو بمثابة برنامج علاقات عامة لداعش في هذه المرحلة. وكما ذكرنا سالفا، فإن من يشفي غليل الشباب في أمريكا، هو البطل وهو المشبع للتطلعات. 

إحراج الفصائل السورية: سيكون التحالف محرجا لكل الفصائل التي يفترض أنها جادة في مواجهة النظام السوري، ومجبرا لها بالوقوف معنويا وربما عسكريا مع داعش، إذا جد الجد في أي ضربة عسكرية. بل لن نستغرب أن يلتحق المزيد من كوادر الفصائل الأخرى بداعش، لو تصاعدت الحملة الدولية ضدها، وقد يصل الحال إلى انضمام فصائل بكاملها لداعش.

محدودية ضرر القصف الجوي: ثبت أن أمريكا ستكتفي بالقصف الجوي ولن تتدخل بريا، وقد تبين أن داعش ليست منظمة حمقاء تكشف قدراتها للقصف الجوي، وأن لديها من الدهاء العسكري ما أعطاها تفوقا ملحوظا. ونظرا لسعة المساحة التي استولت عليها داعش، فسوف تجد أمريكا صعوبة بالغة في الاستفادة من الضربات الجوية، وهذا ما اعترف به الكثير من المحللين. (3)

الحليف الحقيقي في العراق: في العراق لن يساهم في الحرب البرية إلا الجيش العراقي الطائفي وإيران (مشاركة الأكراد محدودة جدا لأسباب جغرافية وديموغرافية لا تخفى على العارفين). وكون هؤلاء هم الحليف الحقيقي لأمريكا على الأرض، فذلك قد يعطي داعش مصداقية أقوى، بل سيزيد قناعة السنة في العراق، أن داعش هي الأمان لهم، ويدفعهم للمزيد من الثبات في مواجهة الخطر الشيعي الذي عانوا منه الويلات قبل اجتياح داعش. (4)

الحليف الحقيقي في الشام: في الشام لن يقاتل مع أمريكا إلا النظام السوري، والفصائل المستعدة لما سيتعبره الجمهور العربي ارتزاق، وهذا بدوره سيعطي داعش مصداقية أقوى، ويدفع القوى الثورية في سوريا للوقوف مع داعش. صحيح أن النظام السوري حاول أن ينأى بنفسه عن الحلف العالمي، وصحيح أنه تظاهر بعدم السماح باختراق سيادة أجوائه، لكن في النهاية أقر بأن العلاقة مبنية على أساس عدو عدوي صديقي. (5)

داعش تهيأت: انطلق الحلف بعد أن توسع نفوذ داعش، وجمعت ما يكفي من المال والسلاح والأرض وبقيت مدة في المنطقة التي استولت عليها تكفي للاستعداد للهجمات المتوقعة. وإذا استحضرنا الخبرة العسكرية التي ثبت أن داعش تتمتع بها، فمن المتوقع أن يتم استثمار هذه المعطيات للمدى الأقصى. وإذا صح ما قيل عن وجود عقليات عسكرية ذات خبرة في داعش، فمن المؤكد أنها استفادت من هذا الوقت لتتهيأ للتعامل مع خطر القصف الجوي.

حرج المؤسسات الدينية: ما دام التحالف تقوده أمريكا، وما دامت حكومة العراق الطائفية أهم مكوناته، لن يكون سهلا على  المؤسسات الدينية التابعة للحكومات أن تستمر في مهاجمة داعش دينيا. وإذا ما بدأت الحملة العسكرية على داعش فعلا، فإن أي جهة دينية تهاجم داعش، سوف تكون هي الخاسرة، لأن الشعوب ستنظر لها وكأنها وقفت مع غزو صليبي شيعي. 

مفاجآت داعش: تبين من متابعة داعش، أنها تنظيم يجيد تنفيذ المفاجآت، التي يعتقد أنها ستربك خطة التحالف، ولديها الأدوات التي تستطيع بها أن تفعل ذلك. والوضع القلق في المنطقة، وبقاء سخونة الربيع العربي، تجعل الوضع مهيئا لمثل هذه المفاجآت التي يصعب الاستعداد لها من قبل الحكومات.
محاربة الربيع العربي: الموقف الغربي (الأمريكي) من الثورات السلمية متمثلا في تأييد الانقلاب في مصر، والسكوت عن مذابح رابعة والنهضة وغيرها، دفع الكثير لقناعتين، الأولى: أن الحلول السلمية لا تنفع، والثانية: أن الغرب لن يسمح بنجاح هذه الحلول السلمية. هاتان القناعتان إضافة إلى كونها سبب تجنيد إضافي، فقد صنعت خلفية نفسية داعمة لدى الشعوب لمثل توجه داعش.

أمريكا مع إسرائيل في تدمير غزة: لم تسكت المدافع في حرب غزة إلا قبل أيام، وقد طال أمد الحرب بما يكفي لشحن المزيد من التجييش ضد أمريكا التي وقفت مع إسرائيل في تدميرها لغزة، وقتلها النساء والأطفال، في الوقت الذي تدعي غضبها من قسوة داعش. وكثير ممن تابع ما جرى في غزة، لاحظ تنامي موجة الغضب العربي ضد الغرب عموما، وأمريكا خصوصا، وساهم ذلك في مزيد من الدعم النفسي لاستخدام القوة، بدلا من الحلول السلمية. 

معطيات لصالح التحالف 

الاختراق: تمكنت داعش من أن تحمي نفسها من الاختراق النوعي، ويعتقد أن كل ما حصل من اختراق لداعش في الماضي هو في حدود ما يسمى بالخسائر المحسوبة calculated loss. والسؤال هو: هل بيد أمريكا وحلفائها فرصة لاختراقات نوعية مفاجئة؟ إن كان هذا واردا، فسيكون أخطر على داعش من أي ضربة عسكرية. 

الصحوات: كان للصحوات السنية في العراق سنة 2007، دور أكبر بكثير من دور الجيش الشيعي في القضاء على المقاومة، فهل تستطيع أمريكا إحياء الصحوات هذه المرة؟ يقول العارفون بأوضاع العراق أن هذا الأمر صعب جدا، بل إن المحاولات بدأت فعلا منذ أن اجتاحت داعش الموصل، وباءت بفشل ذريع. والسبب هو أن أهل السنة في العراق تعلموا أن هذه الصحوات كانت سببا في انكشافهم أمام السلطة الشيعية الطائفية، وتعرضهم للتنكيل تحت عين أمريكا ونظرها. لكن أمريكا لم تيأس، والجهد المبذول في هذا الاتجاه لا يزال حثيثا، ولا تزال بقايا صحوات الرمادي تقاتل داعش بكفاءة.

الإغراء السياسي: تحاول أمريكا حاليا إقناع بعض القوى السنية بالمشاركة في العملية السياسية في العراق، والضغط على الشيعة للتنازل عن جزء كبير من نصيبهم من السلطة لطمأنة السنة، فهل ستنفع هذه الحيلة؟ عوامل كثيرة تجعل مثل هذا الخيار شبه مستحيل، أهمها النفوذ الإيراني، وكثرة القوى الشيعية المشاركة في السلطة، ورفض معظم القوى السنية ذات المصداقية، في المشاركة في العملية السياسية. ولا يمكن أن ينجح هذا الخيار، إلا بتسليم كل الجيش والداخلية العراقية للسنة، وهو غير وارد مطلقا.

استهداف القيادات: قد تنجح بعض العمليات الجوية في استهداف قيادات هامة للتنظيم، لكن يبدو أن داعش تعلمت من أخطاء الآخرين، وتدربت على كيفية إخفاء القيادات وسرعة تعويضهم. لكن لو تمكنت أمريكا من الوصول للبغدادي، أو العدناني، أو من في مستواهم، ربما تسبب خلخلة كبيرة في داعش. (6)

أسلحة نوعية: ربما يظن البعض أن تزويد الجيش العراقي والبشمركة بأسلحة نوعية، سيقلب المعركة لصالح أمريكا، لكن هذه الفرضية فيها نظر. بالنسبة للجيش العراقي، لم تقصّر أمريكا في تزويده بسلاح متطور، وفي النهاية صار غنيمة لداعش. أما البشمركة، فأولاً: عددهم قليل، ثانيا: أن قناعتهم في قتال داعش ضعيفة، وثالثا: لن تسمح تركيا بتسلحيهم، لأنها تخشى من تسرب السلاح لحزب العمال الكردستاني. وعلى كل حال قد تستطيع أمريكا إجبار تركيا على الموافقة على تسليح البشمركة، لكن تبقى مشكلة عددهم المحدود وضعف القناعة في قتال داعش.

دور الظروف في المنطقة والعالم

الاضطراب في العراق وسوريا ليس استثناء، فالوضع مضطرب في اليمن وقلقٌ في مصر وليبيا وحساس في فلسطين. أضف إلى ذلك أن أمريكا لديها مشكلة كبيرة مع روسيا في أوكرانيا، ويبدو أنها تتجه للمزيد من التصعيد. لكن كيف سيؤثر هذا الاضطراب وهذه الإشكالات على سير الحملة ضد داعش؟ وهل ستكون تداعياتها لصالح داعش أو لصالح الحلف؟. 

لعل من نافلة القول، أن خطة كبيرة مثل خطة هذا التحالف لن تنجح إلا بأقل درجة من المشاكل، والعكس صحيح، فمثلما تؤثر المشاكل في نجاح الحملة فإن تنفيذ الحملة يؤدي إلى مضاعفة المشاكل. أمريكا مثلا، سيكون وضعها ضعيفا جدا في أوكرانيا لو انشغلت في قتال داعش، والحملة على داعش، ستعطي وقودا نفسيا ومعنويا هائلا لأنصار الشريعة، في اليمن وليبيا وهكذا. 

من الذي يكسب عامل الزمن

تتحدث أمريكا أن الحملة ستكون متواصلة لسنوات، فهل سيكون طول المدة لصالح أمريكا وحلفائها؟ أو لصالح داعش؟ واضح جدا أن الحملة لو طالت، ستكون لصالح داعش للأسباب التالية : 

أولا: الجماعات التي تقاتل عقديا لديها نَفَس غير محدود، بل تعتبر طول أمد الجهاد ميزة، بخلاف أمريكا وحلفائها التي يهمها إنهاء الحروب، لأن الاستقرار من ضرورات الحياة فيها. 

ثانيا: الجماعات التي تقاتل عقديا، ليس لديها مشكلة في التضحية والخسائر المادية والبشرية، بخلاف أمريكا وحلفائها. فأمريكا هُزمت في فيتنام، مع أن قتلى الأمريكان كانوا 1\80 من قتلى الفيتناميين، والسبب هو استعداد الفيتناميين للخسارة بخلاف الامريكان. (7) 

ثالثا: كل يوم زائدٌ في الحرب، هو مضاعفة في الدعاية لداعش، وتجنيد المزيد من الأفراد والجماعات مع داعش. وكمثال على ذلك، طول أمد الحرب على غزة، وكم خسرت إسرائيل بسبب طول المدة. 

رابعا: زيادة الوقت هو مزيد من تعقيد الوضع في كل المنطقة التي تغلي ضد النفوذ الأمريكي وضد الطغيان السياسي، وسيكون طول أمد المواجهة وقوداً لإعادة جذوة الربيع العربي، بزخم أقوى بكثير مما سبق.

السيناريوهات

نظراً لتعدد العوامل التي تساهم في الأحداث، فإن استشراف التفاصيل صعب جدا، وطيف الاحتمالات واسع لا يمكن استقصائه. أما الاحتمالات المجملة فتمتد لطيفٍ واسع، يبدأ من هزيمة سريعة لداعش، إلى حالة لا غالب ولا مغلوب إلى انقلاب شامل في المنطقة ضد أمريكا ، وتوسع لنفوذ داعش، يجعلها قوة إقليمية لا يمكن إيقاف تمددها. هل تسير الأحداث بهذا الاتجاه أو ذاك؟ أو ستأتي مفاجآت أخرى تخلط الأوراق كلها؟(8) الله أعلم.

---------------

(1) راجع مقالنا السابق: الاستراتيجية الجهادية بين الظواهري والبغدادي إضغط هنا.

(2) اقرأ كذلك مقالنا السابق: ما الذي يستهوي الشباب في دولة العراق والشام إضغط هنا. 

(3) هنا ترجمة مقال صحيفة النيويوركر للكاتب ستيف كول حول فشل الضربات الجوية إضغط هنا.

(4) راجع مقالنا السابق من أجبر أمريكا على محالفة إيران إضغط هنا.

(5) وهذا هو معنى تصريح نائب وزير الخارجية السوري فيصل مقداد (عدو عدوي صديقي) إضغط هنا.

(6) طبقا لهوبارد -الصحفي المسؤول عن تغطية أخبار "داعش" في "نيويورك تايمز"- فإن " أبو بكر البغدادي" لديه 24 نائبا أغلبهم من العراقيين متوسطي العمر إضغط هنا.

(7) يقول هوشي منه القائد الفيتنامي العظيم مخاطبا الأمريكان: ربما تقتلون عشرة منا لكل واحد منكم لكن الإرهاق لن يصيب سواكم. المصدر هنا.


(8) اغتيال قيادات أحرار الشام نموذج من الأحداث غير المتوقعة، التي تخلط الأوراق، فمثلاً  قد ينظم جزء كبير من كوادرها لداعش.

الأحد، 14 سبتمبر 2014

متى يستقيم النقاش.. حول الإسلام الديموقراطي؟





الإنتاج الفكري الغربي في علم السياسة جهد هائل، والتجربة الأوربية فائقة الثراء، سواء في المبادئ أو في الآليات. هذه التجربة الثرية لم تنتج كومة من الأفكار المبعثرة، بل أنتجت تشكيلة ذهنية كاملة، وقالبا يناسب المحتوى الفكري والعملي لهذه التجربة(١). 

ولأن الغرب مهيمن فكريا وإعلاميا وسياسيا لعدة قرون، فليس غريبا أن تكون هذه التشكيلة وذلك القالب هو الأساس للعالم كله، في تصور وفهم علم السياسة(٢). وانسجام هذا القالب مع محتواه وتطبيقه بثقة وواقعية، صنع تحديا أربك الكثير من المفكرين والعلماء المسلمين، ولم يفطنوا للعلاقة بين القالب والمحتوى، وتعاملوا مع علم السياسة وهم في غفلة جماعية، وتصور منطلق من نفس التشكيلة والقالب الغربي. 

وكثير ممن تحدث في الفكر السياسي الإسلامي، سواء من يتبنى "الديموقراطية الإسلامية" أو من يعارضها، إنما انطلقوا في حديثهم على أساس فهم "الدولة" و"الوطن" و"الشرعية"، بناء على هذه التشكيلة.  وظن معظمهم أنهم يحسنون صنعا حين يملأون هذا القالب، بما لديهم من محتوى إسلامي بطريقة معتسفة، تحشر فيها استنتاجات التراث الإسلامي حشرا بين جدران القالب. وظن آخرون أن الحل هو في رفض آليات الديموقراطية لكن دون الخروج من تصور مفهوم الدولة والوطن بناء على هذه التشكيلة. 

هذه المنهجية في تناول الموروث السياسي الإسلامي، لا يمكن أن تنتج صورة متماسكة، فضلا عن أن تثبت تفوقه على النموذج الغربي الذي استعار منه القالب. فالحل إذاً ليس في أن تضع لحما وشحما إسلاميا على هياكل الديموقراطية في دولة وطنية قطرية بالمفهوم الحديث، ولا أن ترفض الديموقراطية وأنت داخل هذا المفهوم، بل الحل في الخروج من التشكيلة الذهنية والقالب الفكري الغربي، والعودة لتشكيلة منطلقة من ذات الموروث الإسلامي.

في هذا المقال، محاولة لبيان للفوارق الكبرى في تناول الطرح السياسي، بين الإسلام والفكر الديموقراطي، على صعيد مفاهيم الدولة والوطن والشرعية، وعلاقتها بالمبادئ والقيم.





مفهوم الدولة
في الفكر الديموقراطي

مفهوم الدولة في الفكر الديموقراطي، هو نفس مفهوم الدولة الحديث (المفهوم العلماني) المبني على منظومة إدارية تسيطر على كل شي داخل حدود قطر معين. بمعنى آخر، فإن الدولة هي كل السلطات الثلاث، والمجتمع ليس إلا كيانا بشريا يعيش داخل وعائها، وبهذا يكون المجتمع كله داخل الدولة، وليس الدولة داخل المجتمع.(٣)

وسواء كان النظام دكتاتوريا أو ديموقراطيا، فالدولة تمارس حق التشريع والقضاء والتنفيذ، ولا يمكن أن يخرج عن سلطتها شيء من نشاط البشر، بما في ذلك الشؤون التربوية والخيرية والتعليمية التي تخضع بشكل مباشر أو غير مباشر للدولة.

هذا المفهوم للدولة، هو الذي تشكلت به كل دول العالم منذ عدة قرون، واستقر في الوجدان حتى أصبح هو التصور الوحيد للدولة، ولا يخطر في بال الكثير أن هناك مفهوما آخر لها. هذه النمطية لمفهوم الدولة ليست إشكالية عند من يسمى بالإسلاميين التنويريين فقط، بل هي كذلك إشكالية عند الغالبية العظمى من "السلفيين". وكثير من الإسلاميين يناقش وينافح عن المشروع الإسلامي، وهو لا يعلم أنه يتحدث عن دولة بهذا الشكل المعارض للمفهوم الإسلامي للدولة. (٤)



في النظام الإسلامي

مفهوم الدولة في الإسلام أصغر من ذلك بكثير، فالدولة ليس لها إلا سلطة الدفاع والأمن وتنظيم الخدمات فقط، وبعض الأمور التنفيذية الأخرى مثل جباية الزكاة الخ. أما التشريع، وتحديد الخطأ والصواب والواجب والممنوع،،فليس للدولة منه أي نصيب، وأي تدخل في شؤون التشريع، إنما هو إخراج لهذه الدولة عن التعريف الشرعي لها. ونفس الكلام يندرج على النشاطات الخيرية والتربوية والتعليمية، فهذه من شؤون المجتمع والدولة ليس لها إلا حق الإشراف. (٥)

ولأن التشريع في الإسلام خاضع لتنزيل الكتاب والسنة على الوقائع، صار التشريع بالضرورة من مهام العلماء.  والعلماء لا يمكن أن تتبين مصداقيتهم في المرجعية، إلا بمدى نجاحهم في الاختبار المجتمعي، ولذلك فإن التشريع في نهاية المطاف، هو نتاج هذا الارتباط المجتمعي بالعلماء وليس بالسلطة. ونزع التشريع من الدولة يلحقه نزع سلطتها في القضاء، وحصره فقط في تعيين القضاة، وليس في إنشاء إجراءات قضائية، ولا قانون يلزم به القضاة. (٦)

وبهذا المفهوم، فإن الدولة الإسلامية مهما بلغت من الاستبداد في التفرد بسلطة الحكم التنفيذي، لا تستطيع مصادرة حق التشريع، وإلا سقطت عنها صفة الإسلامية، وصارت دولة علمانية بالمعنى الحديث. وقد مرت الدولة الأموية والعباسية بفترات استبداد وقمع شديد، لكن لم يجرؤ الحكام على مصادرة حق التشريع من المجتمع، وإلغاء دور العلماء. ولعل هذا هو السر في أن العلماء كانوا دائما في صدام مع الحكام المستبدين. (٧) والدول التي تسمى إسلامية حاليا، إنما لها تركيبة الدولة الحديثة التي ابتلعت المجتمع، وأصبح العلماء بالضرورة مرسمين فيها ترسيما مهما حاولوا الاستقلالية.


مفهوم الكيان السياسي
عند الديموقراطيين

تبعا لمفهوم الدولة الحديثة، فإن الكيان السياسي في الفكر الديموقراطي هو "الوطن" بالمفهوم القطري الحديث، المبني على حدود ثابتة معترف بها عالميا، والسكان داخل هذه الحدود، هم الشعب الذي تتشكل من خلاله شخصية ذلك الكيان. ولذلك فالولاء لهذا الوطن هو الانتماء الحقيقي، المترجم عمليا بمسؤولية الانتماء والدفاع والعطاء. وحتى لو كان هناك انتماءات أخرى روحية أو معنوية أو لغوية، فلن تكون لها قيمة في العطاء والمسؤولية والدفاع، بل ستكون انتماءات رمزية مقارنة بهذا الانتماء. (٨)


في النظام الإسلامي

أما في الإسلام، فالكيان الإسلامي ليس له حدود، والتجمع البشري المحسوب على هذا الكيان لا يسمى شعبا، بل يسمى أمة، لأن الأمة لها مدلول عقائدي أوسع من مدلول الشعب. ومفهوم الأمة في الإسلام، إضافة لكونه معنويا روحيا، فهو في الأصل تجمع بشري واحد تحت قيادة واحدة في كيان سياسي لا يتوقف عن النمو أبدا، ويجمع عددا من الشعوب تحت مظلته. وفي الظروف التي لا تستطيع الأمة الاجتماع تحت قيادة واحدة، يبقى الانتماء الروحي والعقدي والمعنوي لأمة الإسلام، كما يبقى التطلع لتوحيد القيادة والكيان السياسي. (٩)



مفهوم الشرعية
في الفكر الديموقراطي

الشرعية عند الديموقراطيين مرتبطة بالكامل بمدى انعكاس إرادة الشعب على تركيبة السلطة والشخصيات النافذة فيها. هذه الشرعية ليست مرتبطة بأي ثوابت أو قيم أو عقائد بل هي خاضعة كليا للأغلبية سواء في شرعية الآليات والدستور أو شرعية الفريق الحاكم.

صحيح أن التجربة البشرية في ضبط الآليات لتحقيق انعكاس الإرادة الشعبية، قد تراكمت بشكل ثري، وصحيح أنها في البيئة الديموقراطية الحقيقية تأتي بمن يختاره الشعب حقيقة، لكن يبقى هذا هو مفهوم الشرعية، ولا ثوابت أبعد من ذلك. وكثير من المبادئ التي ألحقت بالديموقراطية، مثل الشفافية والمحاسبة والحريات وحقوق الإنسان كلها، نسبية وليست بنيوية في الفكر الديموقراطي الذي ليس فيه إلا مطلق واحد وهو الأكثرية.

وتحقيق الشرعية في الفكر الديموقراطي، يترتب عليه القبول باختيار الشعب، والخضوع له والقناعة ضميريا بالالتزام بما يصدر عنه سواء كان قوانين تشريعية أو قرارات حكومية. هذا الخضوع والالتزام، إنما هو التزام عملي واقعي ليس له أي بعد روحي، أو قناعات دينية، أو ارتباط بثواب وعقاب أخروي.(١٠)

ومن ذلك، تحكم اللوبيات بأمريكا، الذي حصل بطريقة شرعية وباستخدام الآليات الخاضعة للشرعية، وهي آليات الدستور والنظام الفيدرالي. وعلى نفس المنوال، حصل التنازل عن الحريات وحقوق الإنسان من أجل "الأمن" بطريقة شرعية.


في النظام الإسلامي

في المقابل فإن مفهوم الشرعية في الإسلام مفهوم ديني يحتوي على مجموعة من الثوابت الواضحة وله دلالات روحية ومرتبط بالثواب والعقاب سواء في تحقيق الشرعية أو في الالتزام فيها. فالسعي لتحقيق نظام شرعي بالمعنى الإسلامي واجب على المسلمين يؤجر الساعي له ويأثم المقصر عن السعي له. وإذا تحققت الشرعية في الحكم الإسلامي فإن الالتزام بإطاره واجب وطاعة كل المؤسسات التي تمثل الحاكم واجبة يؤجر فاعلها وياثم تاركها. (١١)

والشرعية في الإسلام ليست مرتبطة بآليات وأكثريات بل مرتبطة مباشرة بتحقيق المقاصد التي شرعت من أجلها الإمامة وفرض من أجلها الحكم، فإذا تحققت هذه المقاصد في الكيان وفي النظام صار شرعيا وإذا لم تتحقق فليس بشرعي. هذه المقاصد محددة بالنصوص الشرعية الثابتة، ولا مجال فيها لتقويم بشري أو لتصويت شعبي. هذه المقاصد ليست مسرودة على شكل قائمة في آية أو حديث لكن بعد مراجعة شاملة للطريقة التي تناول فيها الكتاب والسنة لقضايا السياسة يمكن رصد هذه المجموعة من المقاصد.

١ـ أن تكون الدولة المسلمة كيانا واحدا يجمع المسلمين في مكان واحد وتحت قيادة واحدة بانتماء واحد كما جاء أعلاه في مفهوم الكيان والوطن والأمة.

٢ـ أن تكون مرجعية الدولة في كل شؤونها وأشخاصها خاضعة للكتاب والسنة وأن يكون الشرع الإسلامي هو المحكّم فيها مطلقا.

٣ـ أن يكون الإسلام أساس وجود الدولة وأساس علاقاتها مع الكيانات الأخرى فالصداقة والعداوة والحرب والسلم في العلاقات الدولية مرتبطة بالهوية الدينية للدولة.

٤ـ أن تكون السلطة محققة للواجبات التي لا تحققها إلا السلطة وعلى رأسها الجهاد والشعائر الجماعية مثل الجمع والجماعات والحج وغيرها، ومقابل ذلك أن تكون السلطة مانعة للأمور المحرمة التي لا تمنعها إلا السلطة مثل الربا والخلاعة الخ.

٥ـ أن تكون قيادة هذه الدولة منبثقة من اختيار الأمة ورضا الأمة (بانتخاب أو أي وسيلة أخرى) وخاضعة لمحاسبتها (سواء ببرلمان أو بأي وسيلة أخرى).

٦ـ أن تكون الدولة محققة للعدل بمفهومه الشامل: العدل أمام القضاء والعدل في النصيب من المال العام والعدل في فرص العمل الخ.

٧ـ أن تكون الدولة محققة للأمن بمفهومه الشامل: الأمن الجنائي والأمن القومي والأمن الاجتماعي والأمن الفكري الخ..

وعلماء المسلمين لا يختلفون في أن تحقيق المقاصد الأربع الأولى شرطا أكيدا للشرعية ولا يمكن إعطاء الشرعية لأي سلطة أو كيان حاكم لا يحقق هذه الاركان. أما الشروط الأخرى فهم متفقون على وجوبها لكنهم مختلفون على اعتبارها شرطا لتحقق الشرعية.

وبهذا التوضيح تكون الشرعية بالمفهوم الإسلامي مختلفة كثيرا عن الشرعية بالمفهوم الديموقراطي ولا تتداخل معها إلا في الفقرتين الخامسة والسادسة أعلاه. ويتضح كذلك أن السيادة للشرع وليست للشعب بل  يحق للاقلية القادرة أن تفرض على الأكثرية حكم الشرع وهو ما حصل في بداية توسع دولة المدينة وما حصل في قمع المرتدين رغم أنهم الأكثرية.(١٢)



ثوابت القيم والأخلاق وعلاقتها بالسياسة
في الفكر الديموقراطي

الفكر الديموقراطي "الخام" قائم على أساس غير متحيز لأي قيمة أو مبدأ أو أخلاق، والمشروع السياسي فيه ليس محكوما بهذه القيم والأخلاق وليس من مهمته خدمتها إلا أن ترى الأغلبية ذلك. ولأن فكرة الأكثرية وحدها مجرد فكرة رقمية ليس لها بعد قيمي ولا قدسية إنسانية يضطر المنظرون لليموقراطية أن يلحقوا بها مجموعة من القيم التي تضفي عليها شيئا من القدسية والطعم والذوق البشري. 

ولو كانت الأكثرية وحدها مقدسة لكان رأي الجمهور في مباراة كرة القدم مقدما على رأي الحكم كما قال الدكتور المسيري،(١٣) ولكانت محاكمة سقراط أعلى درجات العدالة(١٤). وما دامت الديموقراطية الخام بهذا الجمود الإنساني كان لا بد أن تلحق بها مفاهيم ومباديء تعطيها بعدا قيمياً وتضفي عليها قدسية إنسانية.

الإشكال أن علاقة هذه القيم بالديموقراطية لن تكون بنيوية إذا خضعت للأكثرية فما الحل؟ الحل أن تكون هذه الثوابت ملزمة إجماعا فضلا عن الأكثرية. المعنى البسيط لهذا الكلام بكل تجرد هو إلزام كامل الشعب بمفاهيم غير خاضعة للاختيار مع زعم تقديس رأي الأكثرية، وهذه مناقضة لأصل الفكرة الخام، فكيف تُفرض على الشعب ثوابت غير خاضعة لرأي الأكثرية ثم يُزعم احترام رأي الأكثرية؟ (١٥)

وهناك ملاحظة لا ينتبه لها الكثير، وهي أن في الفكر الديموقراطي الخام الكثير من الممنوعات التي يمنعها القانون والواجبات التي يفرضها القانون لكن لا يوجد فيه أي فضيلة ينصح بها القانون ويشجع عليها أو المكروهات التي يحث على اجتنابها.



في النظام الإسلامي

النظام السياسي الإسلامي في المقابل زاخر بالمبادئ والقيم غير الخاضعة للنقاش، والتي يجب على الأكثرية والأقلية الالتزام بها بشكل مطلق. قوة هذه القيم والأخلاق والمبادئ، تأتي من أن مصدرها هو الوحي، بمعنى أنه مصدر غير بشري وله القدسية الذاتية المستغنية عن أي دعم بشري. (١٦)

النقطة الأهم في قضية المبادئ في الإسلام، أنها مرتبطة بالنظام السياسي ارتباطا تبادليا، لا يستغني فيه أحد الطرفين عن الآخر. النظام السياسي نفسه يحتاج هذه القيم والأخلاق حتى يحقق الانضباط الاجتماعي، والتكافل والمسؤولية تجاه الأمة والكيان العام. والقيم والأخلاق تحتاج النظام السياسي، حتى يمكن سيادة القيم المقدسة وتنفيذ الواجبات ومنع المحرمات وتشجيع الفضيلة وحمايتها.

وبناء عليه؟

بعد هذا الاستعراض يتبين أن الإشكالية منهجية في أصل تناول الموضوع، وفي تصور مفهوم الدولة والشرعية والثوابت والقيم. ومن يريد أن ينزّل الموروث السياسي الإسلامي على مفهوم الدولة الحديثة دون اعتبار لهذه الفروق، فإنما يعتسفها اعتسافا أدرك أو لم يدرك. (١٧)

 لا بأس بالمقاربة لمجاراة الواقع والتعامل مع التحدي مؤقتا في دولة قطرية، لكن لا يمكن أن يكون الطرح الإسلامي متماسكا قويا، إذا حشر في  قالب لا يناسبه، لأنه نشأ في الأصل على أساس لا ديني. وهذا بالضبط ما أسماه حلاق بالدولة المستحيلة (١٨) فهو لم يقصد استحالة تحقيق الإسلام كدولة بل قصد استحالة اعتساف المشروع الإسلامي في الدولة الحديثة.

ولا يمكن أن يعود الطرح الإسلامي للتماسك، إلا أن يعود لأصل التركيبة الإسلامية في مفهوم الدولة والمجتمع والأرض والتشريع والهوية. وهذه لن تكون طفرة في الإبداع ومجاراة الواقع، بل ستكون إعادة ذكية وواعية ومدركة للمحتوى العظيم لهذا الموروث، لوعائه وقالبه الصحيح.



---------------------



(١) قدم الغرب الأوربي فكرا ثريا في المجال السياسي على يد سلسلة طويلة من المفكرين والفلاسفة، كتوماس هوبز وروسو وفولتير ومونتسيكو وميكافيلي وماكس فايبر وراسل وتشومسكي وغيرهم الكثير، وقدم معه تطبيقا عمليا في آليات الدولة، وتنظيم شؤون السلطة وتصنيفها. هذه التجربة تزامنت مع انحسار الدين في أوربا، فصارت تطبيقات بشرية خالية من المرجعية الدينية.

(٢) يجب أن لا ننسى أن الهيمنة الغربية سياسيا وعسكريا وتقنيا تجاوزت القرنين من الزمان، ولا تزال في أوج قوتها وأثرها، خاصة بعد تطور تقنية الإعلام والمعلومات.

(٣) تعود بدايات الدولة الحديثة عمليا إلى صلح، وستفاليا الذي أنهى حروبا طاحنة في أوربا سنة ١٦٥٨مـ وفتح المجال لتغول الدولة بالسلطات الثلاث، والذي تنامى إلى أن وصل ذروته بعد الثورة الفرنسية، وبقي هكذا حتى الآن، إضغط هنا.


(٤) الأساس الفلسفي للسلطة المطلقة للدولة تحت مظلة العقد الاجتماعي، نبع من توماس هوبز قبل ٤ قرون، ثم لطفها جون لوك، لكن بقي المفهوم الأساسي في سيطرة الدولة على شؤون المجتمع والكيان السياسي كله. 

(٥) من أوائل من أشار لهذا الفرق، المستشرق الأمريكي إيرا لابيدوس وراجع مقال الدكتور بشير نافع: الإسلاميون والدولة الحديثة، إضغط هنا.


(٦) للمفكر الأمريكي نوح فيلدمان رؤية عميقة في هذا الموضوع وهذا ملخص لإحدى محاضراته جمعتها سابقا في تغريدات، إضغط هنا.


(٧) جمع الشيخ عبد العزيز البدري رحمه الله قائمة من قصص المواجهات بين العلماء والحكام في كتاب أسماه "الإسلام بين العلماء والحكام" وكان هو شخصيا ضحية مواجهة مع الظالمين، حيث قتل في سجون البعثيين في العراق، إضغط هنا.


(٨) الحدود في الدولة القطرية تعتبر جزءا من تعريف الكيان، والتجمع البشري داخل هذه الحدود يعتبر شعب تلك الدولة، وهذا المفهوم نشأ كذلك بعد صلح وستفاليا المذكور أعلاه. لكن الحدود للأقطارالحالية لم تأخذ شكلها إلا بعد الحرب العالمية الثانية.

(٩) راجع كتاب الهوية والشرعية (دراسة في التأصيل الإسلامي لمفهوم الهوية)
 للمؤلف شريف محمد جابر، إضغط هنا.


(١٠) البساطة والوضوح التي عرضنا بها مفهوم الشرعية في الفكر الديموقراطي، لا تعكس الحقيقة بدقة لأن المفهوم قضية جدلية لا تزال موضع نقاش فلاسفة السياسة الغربيين، منذ ماكس فايبر وانتهاء بهبرماس، ولم تحسم حتى الآن نظريا.

(١١) تحدث فقهاء الإسلام في القديم والحديث عن مفهوم الشرعية، وقد جُمعت معظم هذه النقولات في كتاب الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، للشيخ الدكتور/ عبد الله بن عمر الدميجي.

(١٢) هذا التفصيل يبين أن التوجه عند بعض العلماء لاختزال الشرعية في شخص الحاكم، إنما هو منهج خاطئ، راجع تغريداتي في الرد على هذا التوجه وبيان أصل المشكلة في هذا الرابط هنا.


(١٣) "الديموقراطية والقيمة" للدكتور عبد الوهاب المسيري في موقع المعرفة في الجزيرة نت، إضغط هنا.


(١٤) تذكر مدونات الإغريق أن محاكمة سقراط حسمها تصويت الدهماء، بتجريم سقراط والحكم بإعدامه، بمعنى أن العوام حلوا محل القاضي في الحكم على سقراط بالقتل.

(١٥) صحيح أن الثورة الفرنسية كانت حدثا فاصلا في إلغاء كل أنواع المرجعية الدينية تجاه الدولة، لكن دور الكنيسة والأعراف في صياغة القوانين، قد تعرض لضعف كثير قبل ذلك، ودبت الفوضى في مفهوم المرجعية القانونية فكان لا بد من اللجوء لممثلي الشعب في المرجعية. ومن عبارات جان جاك روسو التي تعطي فضاء لفرض قيم بالقوة تحت مظلة الديموقراطية قوله "" لتحرير الأفراد يجب القبض على راس الدولة , والحد من الحريات التي بها يؤذون المجتمع الذي يعيشون فيه " ويقال إن موسوليني استخدم هذه العبارة لتبرير فاشيته.

(١٦) خضوع السياسة للدين في الإسلام لا يقتصر على ما هو داخل الكيان الإسلامي، بل إن تصرفات الدولة مع خصومها خاضعة بالكامل للدين، بخلاف الأنظمة الديموقراطية التي تحمي العدالة والحرية داخل إطار وطنها، وتدعم قمع الحريات والطغيان في بلاد أخرى. 

(١٧) ربما لهذا السبب لم يحقق كتاب "النظام السياسي الإسلامي، مقارنا بالدولة القانونية – دراسة دستورية شرعية وقانونية مقارنة" للأستاذ الدكتور منير حميد البياتي، النتيجة المرجوة رغم أنه مشروع ضخم، استغرق الدكتور البياتي في إعداده تسع سنوات كاملة والسبب -والله أعلم- أنه شحم ولحم إسلامي على هيكل غربي.

(١٨) تحدث الاستاذ وائل حلاق (كندي من أصل سوري) في كتابه "الدولة المستحيلة" عن معظم هذه القضايا، وخرج باستنتاج أن الوعاء الغربي لا يمكن أن يستوعب المشروع الإسلامي. الكتاب نشر بالانجليزية وهذا استعراض لأهم نقاط الكتاب، إضغط هنا.

المقالة سبق نشرها في صحيفة التقرير على هذا الرابط.

الخميس، 11 سبتمبر 2014

"ذهنية الإرهاب لماذا يقاتلون بموتهم" لجان بودريار




ذهنية الارهاب

جان بودريار 




لقد شهدنا من الأحداث الجسام العالمية، من موت (الأميرة) ديانا إلى مباريات كأس العالم في كرة القدم – أو الأحداث العنيفة والواقعية، من الحروب إلى حروب الإبادة الجماعية. أما من الأحداث الرمزية ذات الصفة العالمية، أي ليس فقط ذات الشيوع الإعلام العالمي، تلك التي تودي بالعولمة، ذاتها، إلى الإخفاق، فلم نشهد أيّاً منها. طوال فترة ركود التسعينات، كان السائد هو عطالة الحوادث (بحسب تعبير الكاتب الأرجنتيني ماسيدونيو فرنانديز) وإذا بتلك العطالة تنقضي. فقد علقت الحوادث إضرابها، حتى أننا جعلنا، مع عمليات نيويورك ومركز التجارة العالمي الإرهابية وأثرها، حيال الحدث المطلق، أم الحوادث، الحدث المحض الذي يجمع في صلبه كل الحوادث التي لم تحدث قط.


في إثره، اهتز رهان التاريخ والقوة، لا بل اهتزت أيضاً شروط التحليل.

ينبغي التريث، لأن الأحداث إذا ركدت وجب استشراف ما يليها والسعي بأسرع منها، أما إذا تسارعت فوجب عندئذ التريث دونها، من دون أن يؤدي ذلك بنا إلى الغرق في ركام الخطب وسحابة الحرب، محتفظين، نصب أعيننا، بالسرعة الخاطفة للصور التي لا تنسى.

كل الخطب والتعليقات تتكشف عن قدر هائل من تصريف الانفعال حيال الحدث نفسه وحيال الفتنة التي يولدها. فالشجب الأخلاقي والاتحاد المقدس ضد الإرهاب هما بحجم التهلّل الاستثنائي لمشهد تدمير هذه القوة الفائقة العالمية، لا بل، رؤيتها، على نحو ما، وهي تدمر نفسها بنفسها، كأنها ترتكب انتحاراً مشهوداً.

ذاك أنها، نظراً لقوتها التي لا تحتمل، هي التي أججت كل هذا العنف المبثوث في أرجاء العالم كله، وهي، تالياً، التي (من دون أن تعلم) هذه المخيلة الإرهابية التي تسكننا جميعاً.

أن نكون حلمنا جميعاً بهذا الحدث، أن يكون العالم بأسره قد حلم به، لأن أحداً لا يسعه ألا يحلم بدمار أي قوة بلغت من الهيمنة ما بلغته، هو أمر لا يتقبله الوعي الأخلاقي الغربي، لكنه حقيقة، وهو حقيقة بحجم العنف المؤثر (العاطفي) لكن الخطب التي تسعى لمحوه.

إلى حد ما، هم الذين ارتكبوا الفعلة، لكننا نحن الذين أردناها. وإذا لم ندرك ذلك يفقد الحدث كل بعده الرمزي، فيبدو إذ ذاك، حادثة محضة، وفعلاً مجانياً محضاً، ثمرة تهيؤات إجرامية لبضعة متعصبين، يكفي القضاء عليهم وإزالتهم من الوجود، والحال أننا نعلم جيداً، أن الأمر ليس كذلك.

ومن هنا ذلك الهذيان المضاد للخوف سعياً وراء تعزيم الشر: لأن الشر موجود أينما كان، كموضوع غامض لرغبتنا. لولا هذا التواطؤ الدفين لما كان للحدث الوقع الذي كان له، وفي استراتيجيتهم الرمزية يدرك الإرهابيون، بلا ريب، أنهم يستطيعون الاتكال على هذا التواطؤ المضمر.

هذا أمر يتعدى بكثير مجرد الحقد على قوة عالمية مسيطرة يبديه المحرومون والمستغلون، أولاء الذين هبطوا في الجهة الخطأ من النظام العالمي. فهذه الرغبة الخبيثة كامنة حتى في ألباب الذين يشاركون في منافع هذا النظام العالمي . ذلك أن الحساسية حيال كل نظام نهائي، حيال كل قوة نهائية، هي لحسن الحظ شمولية. وكان البرجان التوأمان لمركز التجارة العالمي يجسّدان، أكمل تجسيد، ولأنهما توأمان بالذات، هذا النظام النهائي.

لا حاجة إلى نزعة موت أو تدمير، ولا حتى إلى مؤثرات غير سوية. فمن صلب المنطق، والحتم أن يؤجج تفاقم قوة القوة، الرغبة في تدميرها. وأن تكون شريكة في دمارها الخاص. عندما انهار البرجان تولد شعور بأنهما يردان على انتحار الطائرتين الانتحاريتين بانتحارهما الخاص، قيل: "الله نفسه لا يسعه إعلان الحرب على نفسه" فليكن معلوماً، إنه بلى، يستطيع.

فالغرب، وقد تصرّف كما لو أنه في موقع الله (ذي القدرة الإلهية والشرعية الأخلاقية المطلقة) يغدو انتحارياً ويعلن الحرب على نفسه.

إن أحلام الكوارث التي لا تحصى عدداً تشهد على هذا الاستيهام الذي تعزّمه، بالطبع، بالصورة إذ تُغرق كل هذا بالمؤثرات الخاصة. غير أن الجذب الشمولي الذي تمارسه على غرار البورنوغرافيا، يُظهر أن الانتقال إلى الفعل وشيك دائماً – ذلك أن إغواء التنكر لكل سستام يتعاظم كلما دانى الأخير حد الكمال أو القوة المطلقة.

وبأي حال، الأرجح أن الإرهابيين (كما الخبراء) لم يتوقعوا انهيار البرجين التوأمين الذي مثّل، أكثر بكثير من ضربة البنتاغون، الصدمة الرمزية الأشد. لقد شهد الانهيار الرمزي لسستام بأكمله جراء تواطؤ غير مرتقب وكأنه بانهيارهما من تلقائهما، كأن بانتحارهما هذا، انضم البرجان إلى اللعبة لكي يبلغ الحدث تمامه.

على نحو ما، إنه السستام بأكمله الذي، لهشاشته الداخلية، يعين تمام الفعل الابتدائي، فكلما تركز السستام عالمياً بحيث لا يشكل، في حده الأقصى، سوى شبكة واحدة، ازداد تعرضه (للمخاطر) من نقطة واحدة (لقد استطاع قرصان انترنت فيلبيني عبر حاسوبه المحمول، أن يطلق فيروس "I Love You " الذي جاب العالم مخرباً شبكات بأكملها). هنا ، كانوا ثمانية عشر انتحارياً تمكنوا، مسلحين بالسلاح المطلق للموت مشفوعاً بالكفاية التكنولوجية، من افتعال سيرورة كارثية جامعة.

عندما يكون الموقف مُحتكراً، على هذا النحو، من قبل القوة العالمية، وعندما نكون حيال هذا التركيز المذهل لكل وظائف الآلية التكنوقراطية والفكر الأحادي، فأي سبب آخر يمكن سلوكه غير التحويل الإرهابي للموقف؟ إن السستام نفسه هو الذي ولّد الشروط الموضوعية لهذا الرد العنيف المباغت. فباستئثاره بكل الأوراق، يُرغم الآخر على تغيير قواعد اللعبة. والقواعد الجديدة ضارية، لأن الرهان ضارٍ، فعلى سستام تفرض قوته المفرطة بالذات تحديداً غير قابل للحل، يرد الإرهابيون بعمل نهائي يكون عوضه، هو أيضاً، مستحيلاً. إن الإرهاب هو الفعل الذي ينشئ خصوصية لا راد لها في لب سستام من التبادل المعمم. كل الخصوصيات (الأجناس، الأفراد، الثقافات) التي بذلت بموتها عوض قيام دورة تبادل عملي تحكمها قوة واحدة، تثأر اليوم لنفسها عبر هذا التحويل الإرهابي للموقف.

رعب مقابل رعب. ولم يعد هناك، وراء كل هذا، أي بعد أيديولوجي، لقد أصبحنا بعيدين جداً من كل أيديولوجيا وسياسة.

ذلك أن الطاقة التي تغذي الرعب لا تعبّر عنها أيديولوجية ولا أي قضية حتى ولو كانت إسلامية. إذ لم يعد الأمر منوطاً حتى بتحويل العالم، بل يهدف (كما الحركات الهرطوقية في زمانها) إلى إشاعة الراديكالية عبر التضحية في حين أن السستام يهدف إلى تحقيق ذلك عبر القوة.

الإرهاب، كالفيروس، ماثل في كل مكان، هناك حقن عالمي متواصل للإرهاب الذي هو كالظل الملازم لكل سستام سيطرة، مهيأ، أينما كان لأن يصحو كعامل مزدوج. لم يعد هناك خط فاصل كفيل بالإحاطة به، إنه في لب هذه الثقافة التي تحاربه، والشرخ المرئي (والحقد) الذي يجعل على المستوى العالمي، المستغلين والمتخلفين في مواجهة العالم الغربي يرفد، سراً، الشرخ الداخلي في السستام المسيطر. باستطاعة هذا الأخير أن يجبه كل تضاد مرئي. ولكن ماذا عن الآخر، ذي البنية الحموية (الفيروسية) - كأن كل جهاز سيطرة يعزز الجهازية المضادة له، ضد هذا الشكل من الارتكاس شبه الآلي لقوته الخاصة، لا يستطيع السستام أن يفعل شيئاً. والارهاب هو الذبذبة الصادمة لهذا الارتكاس الصامت.

لا يتعلق الأمر إذاً لا بصدام حضارات ولا بصدام أديان، كما يتعدى بكثير الإسلام وأميركا اللذين تجري المحاولات لحصر النزاع فيهما لتوليد وهم مجابهة مرئية ووهم حلّ بالقوة. صحيح أن في الأمر تضاداً أساسياً، لكنه تضاد يُبين، عبر طيف أميركا (التي ربما كانت المركز السطحي، لكنها ليست، بمفردها، تجسيد العولمة) وعبر طيف الإسلام (الذي، هو أيضاً، ليس تجسيد الإرهاب)، أن العولمة المنتصرة تخوض صراعاً مع ذاتها. وفي هذا المعنى يمكننا الحديث عن حرب عالمية، ليست ثالثة، بل رابعة وهي الوحيدة العالمية حقاً، لأن رهانها هو العولمة بالذات. الحربان العالميتان الأوليتان كانتا مطابقتين لصورة الحرب الكلاسيكية. الأولى أنهت تفوق أوروبا والعهد الكولونيالي. والثانية أنهت النازية. الثالثة، التي جرت بالفعل، تحت ستار الحرب باردة، وحرب رادعة، أنهت الشيوعية. ومن حرب إلى أخرى كنا نتقدم، كل مرة، خطوات أبعد في الطريق إلى نظام عالمي وحيد. وها إن هذا الأخير وقد بلغ اليوم، منتهاه، يخوض صراعات مع القوى المضادة المنتشرة حيثما كان في قلب العالمي نفسه، وفي كل التشنجات الراهنة. حرب كسرية لكل الخلايا، لكل الخصوصيات التي تتمرد في هيئة أجسام ضدية. مجابهة، عصية على الادراك المباشر بحيث إنها تقتضي من حين إلى حين، إنقاذ فكرة الحرب عبر مسرحات مشهدية من قبيل مسرحة حرب الخليج وحرب أفغانستان اليوم. لكن الحرب العالمية الرابعة تجري في مكان آخر. إنها ما يُقلق كل نظام عالمي، وكل سيطرة هيمنية - فلو كان الاسلام مسيطراً على العالم لنشط الإرهاب ضد الإسلام. ذلك أن العالم هو نفسه الذي يقاوم العولمة.



الإرهاب لا أخلاقي. وحدث المركز العالمي للتجارة، هذا التحدي الرمزي، هو لا أخلاقي، ويرد على عولمة هي الأخرى لا أخلاقية، إذاً، فلنكن نحن أيضاً لا أخلاقيين، وإذا أردنا أن نفهم شيئاً فلنذهب إلى ما وراء الخير والشر. ولنحاول، وقد قُيّض لنا أن نشهد حدثاً لا يتحدى الأخلاق وحسب، بل كل أشكال التأويل أيضاً، أن نمتلك فهماً للشر. جوهر المسألة يكمن ها هنا: في التفسير الخاطئ كليا الذي أنتجته الفلسفة الغربية، فلسفة الأنوار، لمسألة الخير والشر. نحن نعتقد أن تقدم الخير أي ارتقاءه بالقوة في الميادين كافة (العلوم، التقنيات، الديمقراطية، حقوق الانسان) يتماشى مع هزيمة الشر وتقهقره. إذ يبدو أن أحداً لم يدرك أن الخير والشر يرتقيان بالقوة في الوقت نفسه ووفق الحركة نفسها. وانتصار أحدهما لا يؤدي إلى زوال الآخر، بل العكس تماماً. غالباً ما يُنظر إلى الشر، من الناحية الميتافيزيقية، بوصفه هفوة طارئة، غير أن هذه المسلّمة التي تشتق منها كل أشكال الإثنينية في الصراع بين الخير والشر، هي مسلّمة باطلة. الخير لا يقلل من حجم الشر، والشر لا يقلل من حجم الخير: إن أحدهما لا يختزل الآخر، وصلتهما لا فكاك منها. ففي الجوهر لا يقدر الخير أن يحبط الشر إلا بتخليه عن كونه خيراً، لأنه، باستئثاره بالحكر العالمي للقوة إنما يتسبب بشرارة لإشعال عنف موازٍ.

في العالم التقليدي، كانت لا تزال هناك موازنة بين الخير والشر، وفق علاقة جدلية تضمن على الرغم من تقلبات الظروف توتر العالم الأخلاقي وتوازنه - كما كانت المواجهة، خلال الحرب الباردة، بين القوتين العظيمتين تضمن توازن الرعب. إذاً لا تفوق لأحد على الآخر. ويختل هذا التوازن عند الشروع بتعميم كلي للخير (هيمنة الإيجابي على أي شكل من أشكال السلبية، استبعاد الموت وكل قوة محتملة العداء - انتصار قيم الخير دائماً أبداً). عندئذٍ يختل التوازن ويصبح كأن الشر قد استعاد استقلالية خفية، نامياً على نحو أسي، توسعي.

مع الفارق الملحوظ، نقول إن هذا يشبه ما جرى في النظام السياسي مع زوال الشيوعية والانتصار العالمي للقوة الليبرالية: فعندها فقط برز عدو شبحي، حقنت به أرجاء الكرة الأرضية كافة، منسلاً من كل صوب كفيروس، منبثقاً من كل فجوات القوة. إنه الإسلام. لكن الاسلام ليس سوى الجبهة المتحركة لبلورة هذا التضاد. فهو (التضاد) في كل مكان، ويداخل كل واحد منّا. إذاً، رعب ضد رعب. لكنه رعب غير موازٍ، وهذا اللاتوازي هو الذي يجعل القوة العالمية الاعظم بلا حيلة كلياً. ففي غمرة صراعها مع ذاتها لا يسعها إلا أن تغوص في منطقها الخاص بموازين القوى، عاجزة عن الاتيان بأي دور على أرضية التحدي الرمزي والموت الذي باتت تجهل عنه أي شئ لأنها ألغته من ثقافتها.

إلى اليوم، لقد نجحت هذه القوة المتممة، إلى حد بعيد، في استيعاب وحلّ كل أزمة، وكل سلبية، موجدة بذلك وضعاً محبطاً في جوهره، ليس فقط في أعين معذبي الأرض، بل أيضاً في أعين الميسورين وذوي الحظوة، في رخائهم التام.

الحدث الأساسي هو أن الإرهابيين قد كفوا عن الانتحار سدى، وهو أنهم يراهنون بموتهم الخاص على نحو هجومي وفاعل، وفق حدس استراتيجي هو، ببساطة، الحدس بهشاشة الخصم العائلة، وهشاشة سستام بلغ شبه كماله، وهو، لذلك، معرّض للأذى من أي شرارة.

لقد استطاعوا أن يجعلوا موتهم سلاحاً مطلقاً ضد سستام يحيا من استبعاده الموت، ومثاله هو "صفر من القتلى"، كل سستام يقوم على صفر من الموتى، هو سستام حصيلته عدم، وكل وسائل الردع والدمار لن تكون مجدية ضد عدو سبق له أن جعل موته سلاحاً هجومياً مضاداً. "ما همنا من القصف الأميركي !! إن رجالنا يتوقون للموت بقدر ما يتوق الأميركيون للحياة !". ومن هنا معادلة السبعة آلاف قتيل الذين تكبدهم، دفعة واحدة، سستام "صفر من القتلى".

هكذا إذاً، كل شئ هنا منوط بالموت، وليس فقط الانبثاق المفاجئ للموت عبر البث المباشر والزمن الواقعي، بل عبر انبثاق موت أكثر من واقعي بكثير: موت رمزي وشعائري - أي الحدث المطلق الذي لا راد له.

تلك هي ذهنية الارهاب..

الامتناع عن مهاجمة السستام بمعايير موازين القوى. فمثل هذا، هو المتخيل (الثوري) الذي فرضه السستام نفسه والذي لا تكتب له الحياة إلا إذا داوم على استدراج مهاجميه للقتال على أرض الواقع التي هي لطالما كانت أرضه. بل نقل الصراع إلى الدائرة الرمزية حيث القاعدة هي قاعدة التحدي والارتكاس والمزايدة. بحيث لا يكون ممكناً الرد على الموت إلا بموت مماثل أو أشد. تحدي السستام بعطاء لا يستطيع الرد عليه إلا بموته الخاص وانهياره الخاص.

إن فرضية الارهاب تقوم على أن السستام نفسه ينتحر رداً على التحديات المتعددة للموت والانتحار. ذلك أن لا السستام ولا السلطة ينجوان بنفسيهما من الفرضية الرمزية - وفوق هذا الشرك تتربع السانحة الوحيدة لهلاكهما. في هذه الحلقة المدوخة من التبادل المستحيل متناهية الصغر، لكنها تسبب جذبا، فراغا، وحملاً حرارياً هائلاً، حول هذه النقطة المتناهية الصغر، يتكثف السستام بأسره، سستام الواقع والقوة، وتُشل حركته، وينكفئ بفاعليته المفرطة.

إن تكتيك النمط الإرهابي يكمن في التسبب بواقع مفرط والتسبب بانهيار السستام من تلقائه تحت وطأة هذا الإفراط في الواقع. فكل سخرية الموقف، مقرونة بالعنف الذي تستحشده السلطة ينقلبان ضده، ذاك أن الاعمال الإرهابية هي في الوقت نفسه مرآة عاكسة ومضخمة لعنفه الخاص، ونموذج لعنف رمزي يمتنع عليه، ومرآة للعنف الوحيد الذي لا يستطيع ممارسته، عنف موته الخاص.

لذلك لا تستطيع القوة المرئية أن تفعل شيئاً ضد الموت المتناهي في الصغر، ولكن الرمزي، لفرد ما.

يجب أن نرضخ لحقيقة أن نوعاً جديداً من الارهاب قد ولد أخيراً، شكلاً جديداً من الفعل الذي يلعب اللعبة ويتقن قواعد اللعبة لكي يزعزع سياقها. فهؤلاء لا يكتفون بأنهم لا يقاتلون بأسلحة متكافئة، لأنهم يراهنون على موتهم الخاص وهو الأمر الذي لا يُجبه برد ممكن (إنهم جبناء)، بل تملكوا أيضاً كل أسلحة القوة المسيطرة. المال والمضاربة في البورصة، تكنولوجيا المعلوماتية، والطيران، البعد المشهدي والشبكات الإعلامية: لقد اكتسبوا كل ما توفره الحداثة والعالمية، من دون أن يغيروا الهدف القائم على تدميرهما.

والأدهى أنهم حتى استخدموا رتابة الحياة اليومية الأميركية كقناع وغطاء للعبة مزدوجة. ناموا في ضواحي أميركا، وقرأوا ودرسوا في وسط عائلاتها، قبل أن يستيقظوا بين ليلة وضحاها قنابل بشرية مؤقتة. إن دربتهم على تدبير هذه الحياة السرية ببراعة قد تكون إرهاباً يساوي إرهاب العمل الاستعراضي في 11 أيلول، لأنها تلقي الشبهات على أي فرد من الناس: ألا يعقل أن يكون أي إنسان مسالم إرهابياً محتملاً؟ وإذا تمكن هؤلاء من الإفلات من دون أن يلحظهم أحد فكل واحد منهم هو مجرم خفي ( وكل طائرة مشبوهة)، وقد يكون ذلك، في آخر الأمر، صحيحاً.

وربما كان ذلك مرتبطاً بشكل لا واعٍ من الإجرام المحتمل، المقنع، والمكبوت بعناية، لكنه دائماً قابل إن لم يكن للانبثاق فللاعتمال سراً لدى شهودنا أي شر. وعلى هذا النحو يتشعب الحدث إلى أدق تفاصيله – مصدراً لإرهاب ذهني أكثر تخفياً.

الفارق الجذري يكمن في أن الإرهابيين، إلى امتلاكهم أسلحة السستام، يمتلكون، علاوة على ذلك، سلاحا مميتاً: وهو موتهم الخاص. وإذا اختاروا أن يقاتلوا السستام بأسلحته هو، فسوف يتعرضون للتصفية على الفور. وإذا لم يقاتلوه إلا بموتهم لهلكوا جميعاً، بسرعة ممائلة، في تضحية لا طائل تحتها – ولطالما اتبع الارهاب هذه الطريقة إلى يومنا هذا (...) ولذا كان مصيره الفشل.

غير أن الأمور تختلف إذا ما قرنوا كل الوسائل الحديثة المتوافرة بهذا السلاح ذي القيمة الرمزية الطائلة. فهو سلاح يضاعف إلى ما لا نهاية القدرة على التدمير. وجمعهم بين هذه العوامل كلها (والتي تبدو في أعيننا متنافرة لا سبيل للجمع فيما بينها) هو الذي يمنحهم مثل هذا التفوق. أما استراتيجية الحرب "النظيفة"، التكنولوجية، فهي تبقى، في المقابل، مجانبة ذلك التجلي للقوة "الواقعية" غبر القوة الرمزية.

إن النجاح الاستثنائي لمثل هذه العملية يثير مشكلة، ولكي ندرك شيئاً منها علينا أن نتخلى عن رؤيتنا الغربية لنرى قليلاً ما الذي يجري في تنظيم هؤلاء الإرهابيين، وما يدور في رؤوسهم. ذلك أن هذا القدر من الفاعلية يفترض قدرة عالية على الحساب والعقلانية يشق علينا الاعتراف بأنها (القدرة) موجودة لدى الآخرين. وحتى لو توفرت، فهناك دائماً، كما يحدث في أي تنظيم أو جهاز سري، تسريبات وهفوات.

لذا نحسب أن سر مثل هذا النجاح يكمن في عوامل أخرى. الفرق أن الأمر لديهم ليس عقد عمل بل ميثاقاً وفريضة شعائرية، وهذه الفريضة بمنأى عن أي تخاذل أو فساد أو وهن. والمعجزة تكمن في القدرة على التكيف مع الشبكة العالمية، والمناقبية التقنية من دون أن يفقدوا شيئاً من هذا التواطؤ على الحياة والموت. فعلى الضد من العقد، لا يربط الميثاق بين أفراد – حتى "انتحارهم" ليس بطولة فردية، بل هو فعل شعائري جمعي يُمليه وازع مثالي. وقد أدى الجمع بين تركيبتين، تركيبة بنية عملانية وتركيبة ميثاق رمزي، إلى جعل عملً بمثل هذا الحجم ممكناً.

ما عدنا نمتلك أي معرفة بما يكون عليه الحساب الرمزي، كما في لعبة البوكر أو البوتلاتش: رهان أقل، لمحصلة أكبر. وهو تماماً ما حصل عليه الإرهابيون في عملية منهاتن والذي من شأنه أن يكون مثلاً إيضاحياً لنظرية الكاوس (الفوضى) الأصلية: صدمة أولية تسبب نتائج لا تحصى، في حين أن الانتشار الأميركي الهائل (عاصفة الصحراء) لا يحقق سوى نتائج متهافتة – وينتهي الإعصار أشبه برفة جناحي فراشة.

لقد كان الإرهاب الانتحاري إرهاب فقراء، أما هذا فهو إرهاب أثرياء. وهذا ما يخيفنا بنحو خاص: هو أنهم أصبحوا أثرياء (يمتلكون كل الوسائل) ولم يتخلوا عن رغبتهم في هلاكنا. طبعاً، بحسب سلم قيمنا، إنهم يخادعون : ليس من أصول اللعبة أن يكون الموت رهان اللعبة. غير أنهم لا يبالون والقواعد الجديدة للعبة ليست ملكنا.

كل الوسائل مشروعة لإفقادهم أفعالهم كل اعتبار. ومن بينها نعتهم بـ"الانتحاريين"، و"الشهداء"، لكي نسارع، على الأثر، إلى القول إن الشهادة لا تثبت شيئاً، وإنما لا صلة لها بالحقيقة، بل حتى إنها (بحسب نيتشة) العدو الأول للحقيقة, من المؤكد أن موتهم لا يثبت شيئاً، ولكن ليس هناك ما يثبت في سستام تظل فيه الحقيقة عصية على الإدراك - أو أننا، نحن، من يزعم امتلاكها؟ ومن ناحية أخرى، إن الحجة ذات الشبهة الأخلاقية البادية قابلة للرد. فإذا كانت الشهادة الطوعية للانتحاريين لا تثبت شيئاً فإن الشهادة غير الطوعية لضحايا العملية الارهابية لا تثبت شيئاً هي الأخرى، وفي جعلها حجة أخلاقية (من دون حكم على عذابهم وموتهم) شبهة من عدم المراعاة والإباحة.

حجة أخرى تنم عن سوء نية: هؤلاء الارهابيون يقايضون موتهم بمطرح في الجنة. فعملهم ليس مجانياً، ولذلك ليس عملاً صادقاً، كأن القائل يقول إن العمل لا يكون مجانياً إلا إذا كانوا لا يؤمنون بالله، وإلا إذا كان الموت بلا رجاء، كما هو الموت بالنسبة لنا (مع أن الشهداء المسيحيين كانوا يقيمون حساباً مختلفاً عن هذه المعادلة السامية). إذاً، هنا أيضاً، لا يقاتلون بأسلحة متكافئة لأن لهم الحق في الخلاص، وهذا ما لا نأمل فيه. وهكذا نقيم نحن الحداد على موتنا، فيما هم يستطيعون أن يجعلوا منه رهاناً بأسمى المعاني.

والواقع أن كل هذا: السبب، البرهان، الحقيقة، الجزاء، الغاية والوسائل، إنما هو شكل من أشكال الحساب النموذجية الخاصة بالغرب، حتى الموت نقومه بمعدلات الفائدة، وبتعابير النسبة بين النوعية والسعر. حساب اقتصادي هو حساب المعوزين الذين ما عادوا يجرؤون على تحديد السعر.

ما الذي قد يحدث - باستثناء الحرب التي ليست، في حد ذاتها، سوى طبقة واقية تقليدية؟ يجري الحديث عن الارهاب البيولوجي، عن الحرب البكتيرية أو الارهاب النووي. غير أن شيئاً من هذا كله لا يمت بصلة إلى التحدي الرمزي، بل هو من قبيل الإبادة الصامتة، بلا مجد، بلا مخاطر، من قبيل الحل النهائي.

والحال أنه تفسير خاطئ للارهاب أن يُنظر إلى العمل الارهابي بوصفه منطقاً تدميرياً بحتاً. إذ يبدو لي أن موتهم الخاص لا ينفصل عن عملهم (وهذا، بالضبط، ما يجعل منه عملاً رمزياً) وليس على الاطلاق إبادة لا شخصية للآخر. كل المعنى كامن في التحدي وفي المبارزة، ما يعني أيضاً في علاقة ثنائية، شخصية، مع القوة الخصم. إنها هي التي أذلتك، وهي التي ينبغي أن تُذل. وليس فقط أن تُباد. يجب أن تُهان. وهذا أمر لا يتأتى مطلقاً من القوة العارية أو من إزالة الآخر. فهذا الآخر ينبغي أن يستهدف وأن يُصاب في سياق الخصومة. ففضلاً عن الميثاق الذي يربط ما بين الارهابيين أنفسهم، هناك ما يشبه ميثاق المبارزة مع الخصم. وهذا بالضبط، عكس الجبن الذي يُتهمون به، وبالضبط عكس ما فعله الأميركيون في حرب الخليج (ويستأنفونه حالياً في أفغانستان): هدف غير مرئي، وتصفية عملانية.

من كل هذه الحيثيات نستبقي أولاً، وبالدرجة الأولى، رؤية الصور. ويجب أن نحافظ على رسوخ هذه الصور في أذهاننا، وعلى فتنتها، لأنها، شئنا أم أبينا، مشهدنا البدائي. وربما تكون أحداث نيويورك، وفي الوقت الذي جعلت فيه الوضع العالمي جذرياً، قد رسخت صلة الصورة بالواقع. ففيما كنا حيال دفق متصل من الصور العادية ودفق متصل من الأحداث المزيفة، جاء العمل الارهابي على نيويورك ليبعث الصورة والحدث في وقت معاً.

من بين أسلحة السستام التي قلبوها عليه، استغل الارهابيون الزمن الواقعي للصور، ويثها العالمي الفوري. وقد تملكوها كما تملكوا المضاربة في البورصة، والإعلام الاليكتروني والنقل الجوي. ودور الصورة على درجة كبيرة من اللبس. لأنها في الوقت الذي تُعظم فيه الحدث، تتخذه رهينة. إنها تلعب دور التكثير إلى ما لا نهاية، وفي الوقت نفسه دور الإلهاء والتحييد (وهذا ما حصل فعلاً لحوادث 1968). وهذا ما نغفل عنه دائماً في معرض حديثنا عن "خطر" وسائل الاعلام.

الصورة تستهلك الحدث، بمعنى أنها تمتصه وتبذله للاستهلاك. ومما لا شك فيه أنها تكسبه تأثيراً غير مسبوق إلى الأن، ولكن بوصفه حدثاً - صورة.

ماذا إذاً عن الحدث الواقعي إذا كان الواقع يُحقن باستمرار بالصورة والسرد المتخيل والافتراضي؟ في الحالة التي نحن بصددها، ساد اعتقاد أن ما نراه (وبشئ من الارتياح ربما) إنما هو عودة للواقع وللعنف الواقعي في عالم افتراضي مزعوم. "انتهى عهد قصصكم الافتراضية - هذا أمر واقعي !" كما رأى فيه البعض انبعاثاً للتاريخ فيما وراء نهايته المعلنة. ولكن هل يفوق الخيال الواقع حقاً؟ وإذا بدا أنه كذلك، فلأنه امتصّ طاقة الخيال وصار هو نفسه خيالاً. حتى يمكننا القول إن الواقع يغار من الصورة ... وما يجري هو مبارزة بينهما، وسباق على من يكون، من بينهما، الأكثر تجاوزاً للخيال.

إن انهيار برجي المركز العالمي للتجارة أمر يفوق الخيال، غير أن هذا لا يكفي لكي نجعل منه حدثاً واقعياً. إن قدراً زائداً من العنف لا يكفي للإطلالة على الواقع. ذلك أن الواقع هو مبدأ، وهذا المبدأ أولاً فتنة الصورة (أما العواقب المبهجة أو الكارثية فهي متخيلة إلى حد بعيد، انطلاقاً من الصورة).

في هذه الحالة إذاً ينضاف الواقع إلى الصورة بوصفه جائزة رعب، بوصفه رعشة إضافية. ليس مرعباً وحسب، بل هو واقعي أيضاً. وعوض أن يكون عنف الواقع ماثلاً أولاً، ثم تنضاف إليه رعشة الصورة، تكون الصورة ماثلة أولاً، ثم تنضاف إليها رعشة الواقع.

أمر من قبيل خيال إضافي، خيال يفوق الخيال. كان بالار (بعد بورخيس) على هذا النحو يتحدث عن إعادة خلق الواقع بوصفه الخيال الأخير، الأكثر رعباً.

هذا العنف الإرهابي ليس هو، إذاً، إنبعاث شعلة الواقع، ولا انبعاث شعلة التاريخ. هذا العنف الإرهابي ليس واقعياً، إنه، في معنى من المعاني، أسوأ من ذلك: إنه رمزي، فالعنف في حد ذاته قد يكون عادياً وغير مؤذ. وحده العنف الرمزي مولد للفرادة. وفي هذا الحدث الفريد، في فيلم منهاتن الكارثي يتضافر في ذروتيهما عاملا الفتنة الجماهيرية في القرن العشرين: سحر السينما الأبيض، وسحر الإرهاب الأسود، ضياء الصورة البيضاء، ضياء الارهاب الأسود.

نسعى، بعد فوات الأوان، أن نحمّل الارهاب أي معنى، وأن نعثر له على أي تأويل. لكنه خلو من المعنى، ووحدها جذرية المشهد، وحدها قساوة المشهد هي المبتكرة، والمتعذر تبسيطها. إن مشهد الإرهاب يفرض إرهاب المشهد، وحيال هذا الافتتان اللاأخلاقي ( وإن كان يثير رد فعل أخلاقياً شمولياً) لا يملك النظام السياسي أن يفعل شيئاً. إنه مسرح القسوة خاصتنا، الوحيد المتبقي لنا - الخارق لكونه أقصى ما في المشهدي وأقصى ما في التحدي. وهو في الوقت نفسه النموذج الميكروسكوبي المعروض لنواة عنف واقعي مع احتمال تردد أصدائها إلى أقصى حد - أي أكثر أشكال المشهدية خلوصاً - ونموذج شعائري يجبه النظام التاريخي والسياسي بالشكل الرمزي النقى للتحدي.

أي مقتلة كانوا ليحظوا بغفرانها لو حبيت بمعنى، لو أمكن تأويلها كعنف تاريخي - فتلك هي المسلّمة الأخلاقية للعنف المقبول. وأي عنف كانوا ليحظوا بغفرانه، لو أنه جرى بعيداً من وسائل الإعلام ("الإرهاب ليس شيئاً يُذكر من دون وسائل الإعلام"). غير أن هذا باطل كله. ليس هناك استعمال "صالح" لوسائل الإعلام، فوسائل الإعلام هي جزء لا يتجزأ من الحدث، ومن الرعب، وقد تؤدي دورها في هذا الاتجاه أو ذاك.

إن الفعل القمعي يسلك المسار غير المرتقب نفسه الذي يسلكه الفعل الإرهابي، ولا أحد يعلم عند أي حد سيتوقف، والانقلابات التي ستليه. ما من تمييز ممكن، على مستوى الصور والإعلام، بين المشهدي والرمزي، ما من تمييز ممكن بين "الجريمة" والقمع. وانطلاقة هذا الارتكاس الخارجة عن أي سيطرة هي الانتصار الفعلي للإرهاب. وهو انتصار ظاهر في تشعبات الحدث وتسرباته الخفية - ليس فقط في الركود المباشر، في الاقتصاد والسياسة والبورصة والمال للسستام بمجمله، وفي الركود الأخلاقي والسيكولوجي الذي ينجم عنه، بل أيضاً في ركود سستام القيم، وأيديولوجيا الحرية بأكملها، والتداول الحر ... إلخ، التي طالما كانت مفخرة العالم الغربي، والتي تسلح بها هذا العالم لممارسة هيمنته على الأرجاء المتبقية من العالم.

إلى حد بدأت معه فكرة الحرية، وهي فكرة حديثة العهد وجديدة، بالاختفاء من العادات والضمائر، وبدأت العولمة الليبرالية بالتحقق في شكل معاكس بالحرف: في شكل عولمة بوليسية ومراقبة كلية، وترهيب أمني. إن الانفلات ينتهي إلى حد أقصى من ضوابط القسر، والتقييد يساوي ضوابط المجتمع الأصولي.

تراجع في الإنتاج، في الاستهلاك، في المضاربات، في النمو (ولكن ليس في الفساد طبعاً): فكل شئ يشير إلى أن السستام العالمي يتبنى انكفاءً استراتيجياً، ويجري مراجعة أليمة لقيمه، كرد فعل دفاعي، على ما يبدو حيال صدمة الإرهاب، ولكنها تستجيب في العمق لإيعازاته المضمرة - تنظيم قسري ناجم عن الفوضى المطلقة، لكنه يفرضه على نفسه، مستبطناً، على نحو ما، هزيمته الخاصة.

وجه آخر لانتصار الإرهابيين يكمن في أن كل الأشكال الأخرى للعنف وزعزعة استقرار النظام تتضافر لصالحه: إرهاب معلوماتي، إرهاب بيولوجي، إرهاب الانتراكس والشائعة، هذه كلها تنسب إلى بن لادن، حتى إنه صار بإمكانه أن يعلن مسؤوليته عن الكوارث الطبيعية. كل أشكال اللاتنظيم والتداول الشاذ مفيدة له. وحتى بنية التبادل العالمي المعمم تخدم التبادل المستحيل. كأنها الكتابة الآلية للإرهاب يرفدها باستمرار الإرهاب (غير المتعمد) للإعلام، وبكل ما يتوجب عليها من تبعات الهلع: فإذا كانت الاصابة، في قضية الانتراكس هذه كلها، تتم من تلقائها عبر التبلور الآني، على غرار محلول كيميائي، إذ يمس، مساً، إحدى الخلايا، فهذا يعني أن السستام بأسره قد بلغ كتلة حرجة تجعله عرضة لأي اعتداء.

ما من حل لهذا الوضع الحدي، خصوصاً بالحرب التي لا تقدم سوى موقف مسبوق تم اختباره سابقاً، بتدفق القوى العسكرية، والإعلام الشعبي، والإلحاح الإعلامي الذي لا طائل تحته، والخطب المواربة والمؤثرة، وبسط القدرات التكنولوجية ختى الإدمان. أي، باختصار، على غرار حرب الخليج، التي كانت هي اللاحدث، أو الحدث الذي لم يحدث.

ولعل هذا علة وجود الحرب: أن تستبدل حدثاً حقيقياً رائعاً، وفريداً وغير مرتقب بحدث مزعوم مكرر ومسبوق. لقد جاء العمل الإرهابي مطابقاً لمحورية الحدث بالنسبة لأنماط التأويل، في حين أن هذه الحرب الحمقاء عسكرياً وتكنولوجياً، مطابقة، على الضد من ذلك، لمحورية النمط بالنسبة للحدث، أي مطابقة لرهان مزيف لا مبرر لوجوده. إنها الحرب كاستكمال لغياب السياسة بوسائل أخرى.

الاثنين، 8 سبتمبر 2014

تغريدات في تحرير محل النزاع في قضية المتغلب.



مناقشة الإسلام السياسي دون تكييف منهجي للقضايا، ودون تحرير محل النزاع، ودون تثبيت الحقائق، سيكون لتا وعجنا ومضيعة للوقت.

حقيقة: الكيانات الحالية لاتحمل شيئا من شرعية الكيان وترحيل مفهوم المتغلب على الحكام الحاليين مع غياب شرعية الكيان سذاجة حتى لو مارسها علماء.


حقيقة: أهل السنة لهم مدرستان تجاه المتغلب، كل واحدة لها أدلتها وحججها ويتبناها صحابة وتابعون وعلماء كبار في التاريخ الإسلامي.


حقيقة: الخلاف بين المدرستين محصور في شرعية شخص الحاكم إذا استقر له الأمر دون شورى أو صدر منه ظلم وفساد، وليس مرتبطاً بكيان الدولة الكلي.

حقيقة: سبب تركيز الخلاف على شخص المتغلب أن الدولة (الخلافة) قد تحقق فيها شروط شرعية الكيان ١) وحدة الدولة ٢) هيمنة الشرع ٣) إقامة الجهاد.


حقيقة: المدرسة التي تعطي المتغلب شرعية لا تقر ظلمه ولا فساده وتصفه بالظالم وتنكر عليه ورموزها المشهورون دائما في صدام مع الحكام.


حقيقة: المدرسة التي تعطي المتغلب شرعية لا تخالف في أن الشورى في الأصل واجبة وأنها لو توفرت لها الفرصة لا يجوز تركها للاستبداد.


حقيقة: لا يمكن تغيير التاريخ ولا إلغاء الخلاف الفقهي ولا تجاهل وجود هاتين المدرستين ودقة التوثيق تمنع نسبة موقف مزور لأي منهما.


حقيقة: صحيح أن التزوير مستحيل لكن سيطرة الحكام على حشد كبير من العلماء وفر الفرصة لمحاولات تزوير يدعمها الإعلام صنعت التباسا هائلا.


حقيقة: لجوء علماء التزوير لمنطق المصلحة التي تم توسيعها حتى أعطت شرعية لحكام محاربين للإسلام، خروج عن منهج أهل السنة المعتمد على النص.


حقيقة: الشرعية عند أهل السنة ليست شرعية التفويض التي تتبادر للذهن، بل هي تحقيق ما شرعت الإمامة من أجله وهي بنود شرعية الكيان أعلاه.

حقيقة: حتى لو تحققت الشرعية في الكيان وشخص الحاكم فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولا يحق للحاكم إلزام الناس بما يخالف الشرع. 
والله أعلم

الأحد، 7 سبتمبر 2014

غزة والتهيئة الربانية لزوال إسرائيل



الأحداث الكبيرة أسبابها كبيرة
حين أراد الله لنبيه موسى أن يكون شخصية قيادية عظيمة، كتب له أن ينشأ خارج بيئة الذل في بني إسرائيل، فتربى في بيت فرعون نفسه(١). وحين أراد الله لبني إسرائيل أن يتحولوا إلى أمة مقاتلة عزيزة بعد عجزهم، وجبنهم، وتخليهم عن الواجب أيام موسى، كتب لهم أن يعيشوا في التيه أربعين سنة، حتى تغسل آثار الذل، وتنتج جيلا جديدا عاش في جو التحدي الذي لم يتسلط عليهم فيه ظالم ولا مستبد.(٢)

كان الله سبحانه وتعالى، قادراً أن يجعل موسى بصفاته القيادية دون أن ينشأ في بيت فرعون، وقادراً أن يجعل بني إسرائيل أمة مقاتلة دون أن يعيشوا في التيه، بل قادراً سبحانه أن يجعل عصا موسى تأكل جيش العدو، لكن الله كتب أن سنته لا تتغير ولا تتبدل. الأحداث لا تصنعها المعجزات والخوارق، فلا بد من تهيئة الأسباب حتى تأتي النتيجة. (٣)

وحين أراد الله للعرب أن يكونوا حملة راية هذا الدين، جعل سبحانه جزيرة العرب خارج نفوذ الدول المتسلطة، والحكام المستبدين، فكان العرب لا تحكمهم إلا قبائلهم، بأفضل درجات الحرية والثقة بالنفس والعزة والكرامة. وحين أراد الله سبحانه أن يتشكل جيل كامل من القيادات القرشية العظيمة، على رأسهم محمد عليه الصلاة والسلام، حظيت قريش بمرتبة أرقى من الحرية، حين لم يكن فيها رئيس قبيلة، فكانت الشخصيات القرشية مهيأة لأعلى درجات القيادة، بعد أن نشأت باستقلالية كاملة، وحرية مطلقة من أي نفوذ. (٤)

كان الله سبحانه قادرا أن يجعل محمدا عليه الصلاة والسلام قائدا عظيما، دون أن ينشأ في قريش، وكذا رجال قريش من كبار المهاجرين. وكان سبحانه قادرا أن يجعل العرب أمة عزيزة منيعة كريمة، دون أن يكونوا خارج إطار الدول العظمى، لكن لن تجد لسنة الله تبديلا، ولا تحويلا، فلا نتيجة دون أسباب، ولا تغيير دون تهيئة. (٥)
التفوق النفسي الذي حققه إخواننا في غزة، وإخضاع الكيان الصهيوني لإرادتهم، وإصابة الشعب الإسرائيلي بروح الهزيمة، لم يتحقق بسحر ولا شعوذة ولا بصدف عابرة، بل تحقق بسلسلة من الأسباب والأحداث التي هيأت لما نراه من نتائج. والأهم من ذلك أن فهم هذه المعادلة جيدا، يبين أنها تهيئة لقادم أعظم فيه زوال إسرائيل بالكامل. (٦)

مراجعة الماضي

ولو عدنا قليلا للوراء، لأمكن رصد مجموعة من الأسباب التي هيأها الله، لأن يكون تحدي غزة خطوة كبيرة في زوال إسرائيل.

حماس تتمرد على نفسها
كان يمكن لغزة أن تبقى تحت سلطة دحلان، لولا أن ألهم الله قيادات في حماس، سرعة التصرف في السيطرة على غزة، في العملية التي تمت ٢٠٠٧. معروف أن حماس امتداد لحركة الإخوان، التي ترفض استخدام العنف مطلقا ضد أي سلطة عربية، وأن كل قيادات حماس مقتنعون بتحمل القمع الفتحاوي، حرصا على ما يعتبرونه الوحدة الفسلطينية، فما الذي دفعهم لذلك "الانقلاب" الموفق؟ بل كيف رضيت حماس أن تدخل في قتال عسكري حقيقي بالسلاح، مع قوات السلطة في معركة نتج عنها أكثر من ٣٠ قتيلا؟ (٧)

قد ينبري من يعطي تفسيرات كثيرة، لكن أي تفسير يطرح، سيكون مناقضا لما ألزمت به حماس نفسها، ولولا هذا القرار لبقيت حماس تحت سلطة دحلان بكامل المشروع الخياني. ولا تفسير في نظرنا إلا أنه إلهام رباني باتخاذ القرار، حتى تتهيأ الأسباب لتدمير هيبة إسرائيل وإصابتها بالإحباط.

هذه السيطرة الحماسية -أو القسامية بالمعنى الأصح- تحولت بعد ذلك لانضباط أمني ممتاز، سواء بمفهوم الأمن الجنائي أو الأمن القومي. تحملت قوة الأمن التنفيذي مسؤوليتها في ضبط الأمن الجنائي بكفاءة، تمكنت فيها لأول مرة من القفز فوق الخلافات العائلية، والعشائرية، والثارات، ونظمت نسيج المجتمع الغزاوي، رغم تعقيداته، وكثرة تفرعاته، وانتماءاته(٨). وتحملت استخبارات القسام مسؤوليتها في متابعة العملاء، وتطهير المجتمع الغزاوي منهم، دون إدخال غزة في مواجهات مربكة، كما نجحت في التنسيق مع الفصائل الأخرى، دون التعرض لأي اختراق استراتيجي. (٩)

وبهذا الأداء للقوة التنفيذية واستخبارات القسام، تكونت بيئة منضبطة اجتماعيا وأخلاقيا وتربويا، وفرت جوا مثاليا لتحقيق أهم أركان المواجهة العسكرية:
أولا: تدريب الآلاف من عناصر القسام تدريبا عسكريا وعلميا ونفسيا وفنون القيادة والسيطرة.
ثانيا: توفير فرصة متكاملة لصهر العقول والكفاءات والمهارات، لإبداع صناعي وتقني أنتج ما رأيناه في الحرب الأخيرة.
ثالثا: إيجاد جو آمن للحركة البشرية والنقل اللوجستي، والاتصالات بأقل درجات المخاطرة.
رابعا: توفير الفرصة للعمل الاستخباراتي المضاد، بجمع المعلومات، وتضليل الخصم، وضربه بعملائه.

الحصار خير مكروه
حين نجحت حماس في السيطرة على غزة، لم تتأخر قوى الشر الإقليمية والدولية في حصار غزة وذلك لهدفين، الأول ابتزاز أهل غزة، ودفعهم للتخلص من حماس، والثاني إرهاق حماس بمنعها من الحصول على ما يقويها عسكريا وسياسيا. وتحقق الحصار الفعال بالتعاون بين مصر مبارك وإسرائيل، باندفاعٍ  من كلا الطرفين، وتأييد ومباركة من قوى عربية وعالمية كثيرة. وبقدر ما كان الغزاويون حريصين على كسر الحصار، فقد كان خونة العرب حريصين على خنق غزة بالكامل. الغزاويون حفروا مئات الأنفاق، وسلطات مبارك تنسف كل ما تستطيع منها، وحين أيست من ذلك، بنت الجدار العازل الشهير بطول ١٠ كم وعمق أكثر من ٢٠ مترا.

ولأن الحصار تم في جو عزة وكرامة، وسيطرة قوة ملتزمة دينيا ومبدئيا، فإنه بدلا من أن يكسر عزيمة الغزاويين، ويقلبهم على حماس، فقد حقق عدة نتائج، ربما كان لها الفضل الأكبر في انتصار غزة الأخير.
النتيجة الأولى تصاعد روح العناد والإصرار، لأن شعور أهل غزة تجاه الحصار، كان أشبه بالنظرة لقاطع طريق، يريد منهم تسليم عرضهم أو شرفهم فيزدادون تحديا وإصرارا.
النتيجة الثانية تجريد أهل غزة من الانشغالات الحياتية، من وظائف وتجارة ومتع الحياة الطبيعية، ومن ثم تعويدهم على المعاناة أولا، ثم حرمان العدو مما يلوي ذراعهم به فلا يبقى ما يخسرونه.
النتيجة الثالثة البطالة الهائلة لشباب غزة، والتي تزيد عن ٧٠%. مما وفر فرصة مثالية للقسام وغيرها من الفصائل، في تجنيد الشباب، وإشباع تطلعاتهم، وإشغال وقتهم، حتى أصبح التجنيد في القسام شرفا وفخرا بين الشباب.
النتيجة الرابعة التدرب على الاعتماد على النفس بعد الله، والإبداع في حيل كسر الحصار، والاستفادة مما هو موجود، وهذا ما أنتج ثقافة الأنفاق والصواريخ، والأسلحة المتطورة، تطبقيا لمبدأ توينبي "التحدي والاستجابة".

ولو كان الصهاينة وعملائهم العرب، يفكرون بنظر بعيد، لذهبوا إلى أبعد من رفع الحصار، ولشجعوا تدفق المال على غزة، وسهلوا حركة البشر والبضائع، لأقصى حد. ولو حصل ذلك، لغرق أهل غزة في الدنيا، واستولى عليهم البطر، وانحسر المشروع الجهادي، ولربما لم تجد حماس من تجند من الشباب ليقف معها.(١٠) لكن الله أراد لأعداء فلسطين أن يحسبوها حسابا عكسيا، فحصل الحصار الذي كرهناه، وتضايقنا منه، لكن كان فيه معظم أسباب النصر والقوة.

نافذة الربيع العربي
صحيح أن أرض غزة مباركة، لكن تبقى بعض متطلبات الحرب لا بد من جلبها من الخارج، مهما أبدعت العقول في الإنتاج. هذه معضلة لا تحلها قوة سيطرة حماس، ولا روح التحدي في الحصار، ولا بد من تغيير حقيقي في الظروف، يفتح نافذة تأتي بهذه المتطلبات. من هنا ساق الله أحداث الربيع العربي، وتوفر لحماس سنة كاملة، خرجت فيها مصر من سلطة العملاء، لتدخل الضروريات مما تستعد به لمواجهة إسرائيل.

ومن تمام توفيق الله كذلك، التطورات التي حصلت في ليبيا، وتوفر كمية ضخمة من السلاح الثقيل، والخفيف، والذخيرة، في يد ليبيين متعاطفين مع المقاومة الفلسطينية، في نفس الوقت الذي فتحت فيه هذه النافذة المصرية. ويبدو أن قيادات حماس والفصائل كانوا مستشرفين عودة الحصار من الجهة المصرية، فاستعجلوا بأقصى ما يستطيعون لاستثمار هذه النافذة الزمنية، والاكتفاء بما ينفعهم لسنين طويلة. (١١)

هذه النافذة في أحداث الربيع العربي، ساعدت في إتمام الاستعداد للمواجهة، فكانت بمثابة تحقيق "وأعدوا لهم ما استطعتم"، وتيسر لغزة ما كان ينقصها مما لم يمكن تحقيقه، حتى بأقصى أنواع البطولة و الإبداع.

استشراف القادم

عجلة التاريخ ليست مستعجلة، والأحداث الكبرى لا تتهيأ أسبابها بشهر أو سنة، والغيب لا شك بيد الله، لكننا يمكن أن نحاول الاستشراف، من خلال ما نرصد من تطورات لها قيمة في النواميس الإلهية والسنن الكونية.

إتمام الربيع العربي
مخطئ من يظن أن الربيع العربي تجمد، وأن قوى الشر أوقفته بالثورات المضادة، فالربيع العربي نهضة حضارية بحاجة لأن تأخذ وقتها، وتمر بصعوباتها الحتمية، والتعثر أمر طبيعي لا يمكن تحاشيه(١٢). إسرائيل تستفيد حاليا من الحكومات المجاورة، التي تحمي حدودها وتستفيد من الحكومات البعيدة التي تصنع جوا محاربا للمقاومة، مستفيدة من ثقلها العربي والعالمي. عودة الزخم للربيع العربي، يعني تلقائيا تجريدها من هذه الحماية والدعم، وجعلها مكشوفة عسكريا وسياسيا ونفسيا، أمام تكتل كبير من القوى المرعبة لها. (١٣)

وربما تساهم مواجهة غزة الأخيرة في تقوية زخم الربيع العربي، بعد أن كشفت مدى الخيانة عند الأنظمة العربية، ومن ثم نزعت من قلوب الشعوب شرعيتها والرضوخ لها، وهيأت الأرضية لأي تحرك باتجاه إزالتها. كما ساهمت المواجهة الأخيرة في بعث آخر للربيع العربي، متمثلا في بوادر انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية، وتهاوي أركان السلطة الفلسطينية العميلة.

توسع المشروع الجهادي
لا يزال المشروع الجهادي حتى الآن، في دائرة الاحتواء من قبل القوى الإقليمية والعالمية، لكن أي نظرة فاحصة، تثبت أن هذا المشروع في تصاعد وتوسع كمي ونوعي، وأنه قريب جدا من الخروج من دائرة الاحتواء بالكامل. خروج المشروع من دائرة الاحتواء، ربما يساهم في إسقاط أنظمة تحمي إسرائيل، وربما يجعل الجهاديين وجها لوجه مع إسرائيل.

 لكن الأقرب من ذلك، هو تخويف الغرب من المبالغة في دعم إسرائيل، لأن الغرب أدرك أن هذا الدعم من أهم اسباب انطلاق التيار الجهادي، وأن الاستمرار فيه تغذية لهذا التيار. وبهذا المعنى فإن النتيجة ضد إسرائيل في كلا الحالتين، إن استمر الغرب في دعم إسرائيل قوى التيار الجهادي، وسهل وصوله لحدود إسرائيل، وإن خشي من هذا التنامي، حرم إسرائيل من دعم لا تستغني عنه.(١٤)

الإرهاق الأمريكي
أمريكا، لا تزال مستعدة أن تخسر ماليا وسياسيا من أجل أمن إسرائيل، والسبب تضليل الشعب الأمريكي من خلال نفوذ اللوبي الصهيوني، الذي يعطل آليات القرار الأمريكي، عن تقديم المصلحة القومية على مصلحة إسرائيل. لكن  تصاعد أزمة أمريكا الاقتصادية، ووصول دينها القومي إلى مستوى قاتل، وتمددها العسكري المرهق في أفغانستان والعراق، وارتباكها مما يجري في أوكرانيا، كلها عوامل ستصدم الرأي العام رغم أنف اللوبي الصهيوني، وتضعف من قدرة هذا اللوبي على التحكم إلى الأبد.

وأيا كان الأمر، فسينحسر الدعم الأمريكي لإسرائيل، إما لأن أمريكا عجزت حقيقة عن دعم إسرائيل، بسبب تدهور اقتصادي سياسي، أو بسبب غضب شعبي على تقديم مصالح إسرائيل على مصالح أمريكا القومية. ونفس ما يسري على أمريكا يسري على أوربا، بل إن النفوذ الصهيوني في أوربا، أضعف بكثير من أمريكا، وبدأت بعض الدول الأوربية بالنأي بنفسها عن إسرائيل.

ستبدي لك الأيام
هذا ما يمكن للإنسان أن يستشرفه من نظرة فاحصة للأحداث، لكن في نهاية المطاف هو جهد بشري، ولعل في الأفق ما لا نستطيع رؤيته، من مفاجآت تحقق التغيير بأسرع مما تصورنا. لكن الذي نجزم به، هو أن وعد الله حق، وأنه سيتبين أن اجتماع اليهود في فلسطين، ليس إلا مشروع انتحار جماعي على يد المسلمين. (١٥)(١٦)

----------------------
(١) يقول تعالى عن نبيه موسى "ولتصنع على عيني"، ولعل من شواهد ذلك نشأته في بيت فرعون، حتى يعيش حياة عز الملوك، ومنها تحريم المراضع حتى يبقى على صلة بقومه.

(٢) استعرض القرآن هذه القضية في سورة البقرة من آية ٢٤٦ إلى آية ٢٥٢، وفيها إشارات إلى المراحل الأربع، في استبعاد من لا يصلح للتضحية من بني إسرائيل، قبل مواجهة جيش جالوت، ١) التكليف بالقتال، ٢) تعيين طالوت قائدا،٣) منع الشرب من النهر، ٤)المواجهة الأخيرة لجيش جالوت. 


(٣) المعجزات إنما هي لإقامة الحجة في نبوة الأنبياء، وليست لتغيير مسار التاريخ، فقد كتب الله أن التاريخ لا يتغير إلا بجهد بشري. ولو كان التاريخ يتغير دون جهد بشري، لكان الأنبياء أولى أن ينتصروا بالمعجزات، ولسيد قطب فصل كامل في هذا المعنى، بعنوان (منهج للبشر) في كتابه "هذا الدين" إضغط هنا.

(٤) عملية رصد بسيطة لأسماء القيادات العظمى في صدر الإسلام، تبين غزارة القيادات القرشية سياسيا وعسكريا، وتفوق نسبة القدرة القيادية داخل قريش، على أي نسبة في القبائل الأخرى.

(٥) لعل هذا مصداق ما جاء في الحديث "واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريش، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فانا خيار الى خيار"، وهو جزء من حديث أخرجه البيهقي، والحاكم نحوه، والطبراني وابو نعيم والهيثمي. 

(٦) أهم انتصار حققه أهلنا في غزة، أنهم أشعروا الصهاينة بأنهم الطرف المهزوم المجبور على التنازل، والعاجز عن كسر إرادة الغزاويين. هذا الشعور أدخل الصهاينة في حالة إحباط أحسوا فيها بأن نهايتهم قريبة، راجع مقالنا "الهواجس القاتلة للشعب الإسرائيلي" إضغط هنا.

(٧) لمن لا يعرف تفاصيل هذا الحدث ومقدماته وتداعياته هنا بعض التفاصيل إضغط هنا.

(٨) لم تنجح السلطة الفلسطينية ولا الحكومة الأردنية، في ضبط مشاكل العوائل والثارات، ولا تفكيك التكتلات القائمة على حماية عائلية للمجرمين، وهو ما نجحت سلطة حماس فيه بكفاءة.

(٩) إذا علمنا أن بعض الفصائل نفسها تمارس العمالة، وقياداتها عميلة أدركنا صعوبة هذا التحدي، لكن يبدو أن استخبارات القسام أدت هذا الدور بكل كفاءة، ولا أدل على ذلك من بقاء جلعاد شاليط كل هذه السنوات، دون أن تحصل إسرائيل على أي خيط عن مكان وجوده، رغم أنها مكنت عمر سليمان من مقابلته. 

(١٠) في الحديث الصحيح (فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم ).

(١١) لا توجد معلومات موثقة عن كمية ما دخل غزة من أسلحة ومعدات خلال حكم مرسي، لكن الحديث المتداول شفويا كثير، وفيه تفاصيل عن معدات كثيرة من ليبيا.

(١٢) راجع مقالنا "الربيع العربي انتفاضة عابرة أو نهضة حضارية" إضغط هنا.

(١٣) راجع مقالنا "القضية الفلسطينية والحقائق العشر" إضغط هنا.

(١٤) راجع مقالنا "ما الذي يستهوي الشباب في تنظيم دولة العراق والشام" إضغط هنا.

(١٥) راجع مقالنا "الهواجس القاتلة للشعب الإسرائيلي" إضغط هنا.


(١٦) للأمانة هذه العبارة مستعارة من تغريدة للأستاذ الدكتور بشير نافع التي كتبها في إحدى تغريداته.

المقال سبق نشره في صحيفة التقرير.