الاثنين، 30 ديسمبر 2013

حرية التعبير

 :

حق التعبير من الحقوق التي يقاس عليها تقدم الدول على بعضها ، و تعتبر من المعايير العالية جداً عالمياً ، والتي قد لا تتوفر في أي دولة مهما كانت حقوقية من النواحي الثانية ، وقد يسمى " الحق في النقاش " أو " حق إبداء الرأي " ، وهو باختصار : حق المواطن في الدول الحرة ، أن يقول ، أو يكتب ، أو ينشر ، أو يطبع ما يود التعبير عنه ، مع العلم ، بأن هذا الحق لا يخلي مسؤوليته عند الإضرار بالآخرين ، في مسائل القذف الصريح ، أو تشويه السمعة بلا مستند حقيقي .

وهذا الحق يعادل في المقاييس الأخرى الكمال الحقوقي ، فليس بعده من حقوق تذكر عند المجتمعات الطبيعية ، وكل ما عداه قد يتعارض بشكل من الأشكال مع بعض الحقوق الأولية ، كحق تغيير الجنس مثلاً أو حق الإجهاض .
بعد الثورات العربية ولقلة التجربة ، برز هذا الحق كمطلب أولي ، ولعدم معرفة الناس لحقيقة أن يكونوا أحراراً ، رأينا العجب في طرق استخدام هذا الحق في بعض الدول حديثة عهد بالاستبداد ، فكان التهجم والتأليب الصريح ، فضلاً عن القذف العلني والتخوين ، حتى حدث ما حدث في مصر المحروسة مثلاً ، ويحاول البعض تمريره إلى تونس بأساليب قد تختلف .
المجتمع المصري حين تعلق بهذا الحق ، كان كمن لا يملك أي لياقة بدنية تذكر ، ثم أدخل في سباق المئة متر ، فجاء متخلفاً في ركضه ، بل لم يستطع الانتهاء من السباق أصلاً ، ورجع إلى بداية النقطة الأولى ، يمارس الإحماء على المضمار ، ويأخذ حصص لياقة .
إن هناك مستويات من الحقوق كما يقسمها الفقيه القانوني الإنجليزي "بلاكستون" حقوق مطلقة وحقوق نسبية ، ثم زاد فقهاء القوانين ، حقوقاً ثانوية لا يصار إليها إلا بعد الانتهاء من الحقوق المطلقة والنسبية .
وهذا ما فات الناس والمثقفين في بلادنا العربية ، فمن أول أيام الثورة ، قفزوا إلى حق التعبير ، وحرية الكلام ، وجاءت كما هي طبيعة الفوضى التي تركها الاستبداد ، مجردة من أي قيمة أو مسئولية ، بل جاءت كما يريد أساطين الدولة العميقة ، أو ما اصطلح على تسميتهم بالفلول .
لست هنا في مقام الناقد ، بل في مقام المتابع ، فالمربع الأول حين ترجع إليه في ثورة عظيمة كثورة مصر ، مؤلم للجميع ، حتى للمتابعين ممن لا يمسهم الوضع الداخلي المصري بشكل مباشر ، ولكن يقيناً أن مصر قبلة العرب ، وحين تعبر القنطرة سيعبرها الجميع معها .
حق التجمع والتظاهر كافي كخطوة أولى يجب رفض التنازل عنها مهما حصل ، فهي إن سلبت لن تعود ..

الأربعاء، 27 نوفمبر 2013

نسبية المفاهيم والمرجعية


المفهوم هو تصور ذهني عام ومجرد عن الأشياء الواقعية ، وقد يكون تصوراً ذهنياً محضاً بلا وجود حقيقي في الواقع ، ولارتباطه القوي بإشكاليات المعنى والدلالة والإحالة ، تختلف التفاسير في المفهوم الواحد ، مما يصنع انطباعاً حقيقياً بنسبية المفهوم أصلاً .
وهذا ما يلاحظ حالياً ، بعد الربيع العربي ، فهناك الكثير من المفاهيم المتفق عليها كألفاظ ، من قبيل  ( حقوق الإنسان ، وحرية التعبير ، وحرية التجمع ) وما إلى ذلك من المفاهيم الطارئة حديثاً كتطبيقات ، وإن كانت موجودة في الأساس كألفاظ تعريفية لا أكثر ولا أقل ، وذلك راجع لحالة الدول العربية الاستبدادية الرافضة لأي فكرة ، أو مفهوم يأتي من خارج المؤسسة الحاكمة ، فيصل الحد إلى التجريم الحقيقي لصاحب الفكرة أو المفهوم ، عبر وسائل الدولة الاستبدادية المعروفة من قضاء وإعلام وغيره .
بعد الحالة الجديدة برزت هذه المفاهيم بقوة على السطح ، ولكون المجتمع لم يتعود عليها ، تم استخدامها كشعارات تأخذ أحكام النتائج والغايات ، متجاوزين بها حكمها الحقيقي ، أنها مجرد وسائل يفترض وجودها العيش الكريم لأفراد المجتمع ، فالمفاهيم المذكوره أعلاه وغيرها ، ليست غايات لذاتها ، بل وسائل لحفظ كرامة الإنسان وضمان الحياة الكريمة له .
كل هذه الفوضى في تحديد المفهوم بشكل مقبول يقودنا إلى المربع الأول غير المشاهد ، وهو المرجعية ، وهو ما يسميه حجة الإسلام الغزالي رحمه الله بالميزان أو القانون المتفق عليه في معرض حديثه عن استخراج الجزئيات من الكليات ، يقول رحمه الله :
" وليكن للبرهان قانون متفق عليه يعترف به كلهم ، فإنهم إذا لم يتفقوا في الميزان لم يمكن رفع الخلاف بالوزن " .
 ولاختلاف الناس أساساً في المرجعية لمن تكون ، فمن قائل بوجوب الرجوع للفقه الإسلامي في تحديد الأحكام ، إلى قائل بالرجوع للمقاصد الكلية من الشريعة ، إلى رافضٍ أصلاً فكرة التراث الإسلامي العربي محيلاً على الموروث الغربي في القضايا الجزئية ، والناس في ذلك مشارب وأهواء ، لا يمكن حصرها في مجال معين أو مرجعية معينة ، حتى الفريق المتفق على مرجعية بعينها ، كالشريعة أو الفقه أو الموروث الغربي ، تجدهم يختلفون في ما الفقه المقصود هل هو المالكي أم الشافعي أم الحنبلي أم ، أم ، وكذلك غيرهم .
المحصلة النهائية لهذا الموضوع أن الاتفاق يجب أن يكون في البداية على مرجعية متفق عليها ، قبل الخوض في التفاصيل التي لن تنتهِ ، ما دام الإنسان في علاقة مع غيره ، المرحلة الماضية كانت مرة جداً على الوطن العربي ، ولكنها كانت مليئة بالدروس المستفادة ، وأظن أن فوات التفكير في المرجعية من الأساس صنع هذه الفوضى في أكثر من بلد عربي .

نشر في جريدة الشرق القطرية يوم ٢٧
نوفمبر ٢٠١٣ 

الثلاثاء، 26 نوفمبر 2013

السعودية وإسرائيل تقاطع مصالح دائم !!!

‏التصريحات التي خرجت قبل أيام عن أن المصالح السعودية الإسرائيلية لأول مره تتقاطع !! هي تهيئة لعلاقات معلنة حقيقية ورسمية  ، لأن المتابع لمسلسل المصالح المزعوم يرى أنها تتقاطع دائماً ، فمثلاً أحداث ١١ سبتمبر تقاطعت في اجتثاث الإرهاب ، وإسقاط حكومة طالبان الوليده ( الأمل السني في إنشاء دولة لا تخضع لمقاييس خارج دائرة رؤية علماء الشريعة ) وفي غزو العراق تقاطعت ذات المصالح في إسقاط حكومة صدام حسين ، وهي نفس المصالح والتقاطعات في ثورات الربيع العربي المجيدة ، ولا أدل على ذلك من الإنقلاب الإجرامي في مصر المحروسة والموقف المخزي من الثوار السوريين ..

ولا يوجد موقف واحد تعارضت فيه هذه المصالح ، إذا استثنينا الداخل الفلسطيني والذي ترك لطغمة فاسدة وضعيفة أن تفاوض فيه ، في تملص حقيقي من المسؤولية الشرعية والأدبية والقومية من قضية الأمة الأولى ، وهو موقف تتشارك فيه كل الطغمة الحاكمة في البلاد العربية بلا استثناء ، لا أحد يفضل أحداً فيه إلا بزيادة الوقاحة والصفاقة .

وبعد الاتفاق الأخير بين الدول العظمى الغربية وبين إيران ، ظهرت نبرة تقاطع المصالح بوضوح ، وقيلت علناً في كلا الفريقين ، وهي مرادة لغيرها ، فالتطبيع المعلن والصريح سيكون واضحاً للعيان وباتفاقات حقيقية هذه المرة ..

ولو عدنا بالذاكرة للوراء لتذكرنا الحديث الصحفي للملك عبدالله قبل توليه العرش في السعودية ، مع توماس فريدمان الرئيس السابق لقسم الشرق الأوسط في الواشنطن بوست ، والذي ذكر فيه مبادرة المملكة للإعتراف بإسرائيل ، وتبادل العلاقات الدبلوماسية وتطبيع العلاقات معها بشرط انسحابها إلى حدود عام ٦٧ ، وهي المبادرة التي تم إقرارها في قمة بيروت عام ٢٠٠٢م ، وللفائدة فهذا اللقاء هندس له سفير السعودية في واشنطن الحالي عادل الجبير !!! .

هذا الملف يرى البعض أنه المسمار الأخير في نعش العقد الداخلي الذي سبق أن أشرت إليه في تدوينا سابقة ( الثالثوث المقدس ) ، فالمملكة هنا ستكون عاريةً من كل ساتر حقيقي في مواجهة المؤسسة الدينية ، صاحبة الإمتياز التشريعي المعلن في البلد .
مع أن الظن يغلب أنه سيظهر من يرى هذا الإتفاق إن وقع نصر للإسلام والمسلمين كما في كل مرة ، وأن الخطر الحقيقي على الإسلام هم الشيعة ممثلين في إيران ، وهذا أمر غير مستبعد بل هو الراجح والمتيقن ..
السؤال الحقيقي من كل ما سبق هل يعي الساسة الجدد من فئة الأمراء الشباب ما يقومون بفعله في البلد داخلياً وخارجياً ؟ أم أن الأمر تعدى مرحلة الوعي ودخل في مرحلة الانعتاق من كل قيمة شرعية مؤسسة لهذا الكيان ؟
الأيام كفيلة بالجواب عن هذا السؤال وعن غيره .

دمتم بودٍ وتقدير ..

الخميس، 14 نوفمبر 2013

مع عبدالرحمن




ترأيت له وأنا القادم من الماضي كإسطورة من متحف الحضارة سمح للزوار برؤيته .
لم يستطع التعبير بالكلمات لعدم قدرته على تجاوز المفردات الثلاث التي استقبلتني بها عيناه قبل أن يبوح بها لسانه .
أنت تركي ؟
متى طلعت من السجن ؟
أنا أحبك !
أختزل كل تساؤلاته وإنطباعاته بهذه الأسئلة والإفادات ، لم يشأ أن يفارقني لحظة وهو الصغير المنهك من أول النهار ، لعب مع الكبار لعبة السهر فخسرها بينهم ، وربحها معي ، نام بجانبي وهو يدعي القدرة على مقاومة احتياجه للنوم ، لم يميز أحداً غيري فلم يعر الرجل الذي أعطاه ظهره وهو في عمر أحفاده أي إهتمام ، ولم يعلم أن ذاك الكهل لم يلاحظ وجوده أصلاً ، فقد تعود على تجاوز مخالفات الصغار للعادات والتقاليد تحبيباً لهم بمجالس الكبار .
أردت ترك إنطباعٍ في نفسيته عني ، وأن يوافق ما سمعه ما رآه ، فالصغار قد صنعوا في خياله شيئاً عظيماً إسمه تركي .
صادقته في يوم وليلة وأصبحت الصديق الدائم والوحيد ، أتجاذب معه أطراف الحديث القصير ، وأعطيه من الأسئلة ما يستطيع إجابته بنعم ولا ، كي لا تتزاحم الكلمات القليلة في قاموسه مع عدم الادراك ، وليكون الصديق الفاهم الناضج :
هل تريد أن نذهب إلى مشار يا عبدالرحمن ؟
هل تريد أن نرى السد يا عبدالرحمن ؟
وعندما رأى طريقاً صعباً يوصل السائرين خلفه إلى حيث لا يرى .
قال بلغة الصديق الواثق :
رح مناك !
خنقتني العبرة من فرحتي  بطلبه وسأقول أمره ، فقد رأيتها في عينيه ساعة إطلاقه شخصية الصديق المخلص الوفي .
يالله جاء إلى الحياة ولم أره ، وقابلته وهو طفل يدرس في المدرسة ، ولم يعرفني إلا من حكايات والدته والصغار أقرانه ، ممن يذكرني أو زارني .
قصة لقائي بعبدالرحمن سأنساها يوماً ما ، أو ربما نسيتها الآن وأنا أكتبها ، لكن ذاكرة الأطفال ستحتفظ ببعض التفاصيل ، وسيحفظ عبدالرحمن شيئا من لقاءه بي ، كما حفظت أنا شكل الجبل المطل على مشار واستجلبته من الذاكرة بعد ثلاثين سنة من رؤيتي له ..
حايل _ قرية القاعد .
الثلاثاء ٨ من شهر الله المحرم ١٤٣٥ من هجرة المصطفى .
١٢ نوفمبر ٢٠١٣ م .

الصغير هو عبدالرحمن بن عبدالله المجحدي إبن خالتي ..

الثلاثاء، 29 أكتوبر 2013

النقد المرفوض

قصة حمزة كاشغري تعطي درساً لغيره من رافعي شعار النقد لكل شيء بدعوى الحرية الفكرية ، فهم سيقعون بين سندان المجتمع الذي لا يرحم المساس بالمقدس ومطرقة الدولة المحبه لهذا النوع من القضايا ، لخدمتها الركيزة الأساسية المعروفة ( حماية السنة ) وإحجام المهتمين عن التعرض لملفاتهم حذراً من الوصمة ، والدفاع الوحيد سيكون في سير المحاكمة والمطالبة بعرض القضايا على المحاكم العامة وعدم إخضاعها لأي نوع من المحاكم السياسية .
الشباب المتعرض للمسلمات المقدسة دينياً يرتكب المخاطرات ( اسميها مخاطرة حقيقيةً ) تضع الحراك الإجتماعي في موقف سيء عند المجتمع ، لقدرة الأجهزة الحكومية ومن خلفها الآلة الإعلامية الضخمة ( صحافة وخطباء ) على تجميع الحركيين في فريق واحد لا يقيم للمقدسات أي اعتبار .
هنا أصبح التعرض المماثل لقصة حمزة كاشغري السابقة والأخيرة إن شاء الله ، شأناً ثقافياً عاماً ، فهذا الفعل يعرض المهتمين جميعاً للحرج ، ويجعلهم عرضةً للدفاع عن أنفسهم بعدم حملهم لهذه الأفكار ، وطريقة المجتمع في النقد معروفة ، فهي تساؤلية هجومية تفترض الشيء ثم تبحث عن أدلته .
الوعي بالمجتمع جزء مهم في التعرض لقضاياه المهمه ، فقصر عمر الحراك ، ولين عوده ، وإقحام أصحاب الميول بالشهرة لهذا المجال ، يجعل المرحلة حساسة ، وبالرجوع لأي قضية عامة ، وقراءتها بموضوعية سيفيد المتابع فضلاً عن المهتم .
لسنا في شك من ديننا ولا في شك من رسولنا ، ولا نحمل تفكيراً متعارضاً مع ثقافتنا وهويتنا ، نحن نبحث عن حياة تشاركية ترفعنا لمصاف الأمم الكريمة .
هناك ملفات تستحق النقد والصبر على الأذى فيها ولن يجد مقتحمها نفرةً من الناس الأسوياء ، أما المهاجمون عادةً لكل نقد فهم غير مهمين .
ملفات المرأة والطفل ، ملف الأراضي ، ملف التقنين ، ملف المعتقلين وغيرها من ملفات تستحق الإهتمام بها .

الاثنين، 28 أكتوبر 2013

الرواية العربية القديمة

فن الرواية قديم عند العرب ولكنه لم يستمر لأسباب كثيرة لعل أبرزها أن العرب محبون للشعر والنثر أكثر من فن الرواية سابقاً ، وإن جاز إعتبار المقامات فناً روائياً ، فإن الروايات الأربع المسماة بحي بن يقظان لا تعدو أن تكون فناً روائياً حقيقاً .
الأؤلى كتبها الفيلسوف والطبيب ابن سينا أثناء سجنه .
والثانية كتبها شهاب الدين السهروردي الصوفي الشهير .
والثالثة كتبها الفيلسوف الأندلسي ابن طفيل وهي الأشهر .
والرابعة والأخيرة كتبها ابن النفيس الطبيب المعروف .
فكرة هذه الرواية عند الأربعة السالف ذكرهم فلسفية بحته ، جميعهم بناها على ما يؤمن به .
ولعل رواج رواية ابن الطفيل أنها جاءت في قالب عدم تعارض العقل مع النقل أو العقل مع الشريعة .
ويذكر لي بدر الراشد الصحفي في جريدة الحياة ، أنه قرأ نصاً يفيد برواية كتبها الجاحظ ولكنها مفقودة ، لم أستطع التأكد من المعلومة أكثر من ذلك ..
وبالنسبة للرواية الشعبية فهي قديمه جداً ، مثل قصة أبي زيد الهلالي وعلياء وقصة الضياغم ، وقصة الأمير حسن وما إلى ذلك ، وأقدم ذكر لها في المرويات الشعبية كانت عند الأمير والشاعر رميزان بن غشام التميمي ١٠٧٩ هجري .
مع أن هناك جوانب أدبية أخرى لعل الوقت يسفعنا في إيرادها أو أن يأتي لها مجال .


كل الشكر والتقدير . 

السبت، 26 أكتوبر 2013

قيادة المرأة والقرود الخمسة

تُتداول قصة عن تجربة في علم الإدارة والاجتماع ، لا أعلم عن صحتها وحقيقة وقوعها ، ولكن نتيجتها ملفتة للانتباه ، حتى لو كانت من وحي الخيال .
تدور القصة حول مجموعة من خمسة قرود وضعت في قفص ، وفي سقف القفص وضعت سلة فواكه تحتها سلم يوصل إليها ، عند دخول القرود للقفص وبعد هدوئها ، بدأ واحد منها في محاولة للوصول للفاكهة ، فما كان من صاحب التجربة ، إلا أن رش القرود الباقية بالماء البارد ، وعندما حاول قرد آخر الوصول لسلة الفواكة ، قام صاحب التجربة مرةً أخرى برش الباقين بالماء البارد ، حتى فهمت القرود أن اقتراب أحدها من الفاكهة ، يعني عقاب الباقين بالماء البارد ، فلم تعد تقترب من سلة الفاكهة .
قام صاحب التجربة بعدها بإخراج قرد من الخمسة ، وإدخال قرد جديد بدلاً عنه ، عندما رأى السلة قفز للحصول على الغنيمة ، لاحظ صاحب التجربة أن القرود حاولت منع القرد ، ولما لم يستجب قامت بضربه وتأديبه ، استجاب القرد الجديد للوضع العام بكل احترام وتطبيق كامل ، رغم أنه لم يرَ الماء البارد أصلاً ، ولا يعلم ما السبب ، فكل ما يعلمه أن الوصول لسلة الفاكهة ، يعني عقاب جماعي من قِبل بقية القرود ، أخرج قرداً آخر وأدخل بداله قرداً جديداً ، فحاول الجديد الوصول لسلة الفاكهة ، فما كان من الباقيين الذين عاصروا الماء البارد ومعهم القرد الجديد ، إلا أن ضربوه ، والغريب أن الجديد هو أشدها تطبيقاً للنظام العقابي ، ثم قام بإخراج قرد قديم وإدخال جديد ، حتى تغيرت المجموعة بالكامل ، وصار المجموع في القفص لم يشاهد الماء البارد رغم أنه يطبق نظام العقوبات الخاص بالوصول لسلة الفواكه ، فقام بتبديل المجموعة واحداً تلو آخر ، وكل قردٍ جديد يدخل القفص ، يحاول الوصول لسلة الفاكهة تقوم باقي المجموعة بمعاقبته ، كما ينبغي .
استخلص العلماء أن البيروقراطية والروتين عندما تنشب في إدارة ما ، يتحول لنظام يصعب تجاوزه بل يستحيل ، حتى لو كانت الممارسة سخيفة أو غير مفيدة ، مثل الملف العلاق عندنا ، والمعروض .
أذكر عندما كنت أعمل في إحدى الوزارات ، أني أصوغ القرار ، ثم أطبعه ، ثم أرفعه لمديري المباشر مع التأشيرة ، ومنه لمدير الإدارة ، للوكيل المساعد ، للوكيل ، لنائب الوزير لمدير مكتب الوزير للوزير ، وكلهم يعدل ويؤشر ، ما عدا مدير مكتب الوزير الذي يعطل المعاملة في اتباع البروتكولات الوزارية ، فهو في تجربة القرود يذكرني بالقرد الجديد ، الذي لم يرَ الماء البارد وهو أشد القرود تطبيقاً للنظام العقابي .

قس على ذلك الكثير من الممارسات الاجتماعية غير المفهومة ، والتي لا يوجد نص صريح في منعها أو السماح بها ، ومع ذلك تُمارس ، والجميع يعتبرها قانوناً يجرم عرفاً كل من يتجاوزه ، بدعاوى مخالفة العادات والتقاليد ، وتعكير الجو العام وهلم جرا ، في ممارسة يستحيل إغفال الجانب السياسي ورجاله منها ، فهو الأكثر انتفاعاً من بقاء مثل هذه القواعد الجامدة ، ولا أدل على قيادة المرأة للسيارة الحدث الأبرز حالياً ، فلا يوجد قانون ينص على منعها ، ومع ذلك تعاقب كل من تقود السيارة اجتماعياً ، وقد تحاكم في المحكمة العامة بنفس التهم آنفة الذكر ، ولن تجد من يرحمها من المجتمع ، لكونها رغبت في الوصول لسلة الفاكهة .