الخميس، 11 سبتمبر 2014

"ذهنية الإرهاب لماذا يقاتلون بموتهم" لجان بودريار




ذهنية الارهاب

جان بودريار 




لقد شهدنا من الأحداث الجسام العالمية، من موت (الأميرة) ديانا إلى مباريات كأس العالم في كرة القدم – أو الأحداث العنيفة والواقعية، من الحروب إلى حروب الإبادة الجماعية. أما من الأحداث الرمزية ذات الصفة العالمية، أي ليس فقط ذات الشيوع الإعلام العالمي، تلك التي تودي بالعولمة، ذاتها، إلى الإخفاق، فلم نشهد أيّاً منها. طوال فترة ركود التسعينات، كان السائد هو عطالة الحوادث (بحسب تعبير الكاتب الأرجنتيني ماسيدونيو فرنانديز) وإذا بتلك العطالة تنقضي. فقد علقت الحوادث إضرابها، حتى أننا جعلنا، مع عمليات نيويورك ومركز التجارة العالمي الإرهابية وأثرها، حيال الحدث المطلق، أم الحوادث، الحدث المحض الذي يجمع في صلبه كل الحوادث التي لم تحدث قط.


في إثره، اهتز رهان التاريخ والقوة، لا بل اهتزت أيضاً شروط التحليل.

ينبغي التريث، لأن الأحداث إذا ركدت وجب استشراف ما يليها والسعي بأسرع منها، أما إذا تسارعت فوجب عندئذ التريث دونها، من دون أن يؤدي ذلك بنا إلى الغرق في ركام الخطب وسحابة الحرب، محتفظين، نصب أعيننا، بالسرعة الخاطفة للصور التي لا تنسى.

كل الخطب والتعليقات تتكشف عن قدر هائل من تصريف الانفعال حيال الحدث نفسه وحيال الفتنة التي يولدها. فالشجب الأخلاقي والاتحاد المقدس ضد الإرهاب هما بحجم التهلّل الاستثنائي لمشهد تدمير هذه القوة الفائقة العالمية، لا بل، رؤيتها، على نحو ما، وهي تدمر نفسها بنفسها، كأنها ترتكب انتحاراً مشهوداً.

ذاك أنها، نظراً لقوتها التي لا تحتمل، هي التي أججت كل هذا العنف المبثوث في أرجاء العالم كله، وهي، تالياً، التي (من دون أن تعلم) هذه المخيلة الإرهابية التي تسكننا جميعاً.

أن نكون حلمنا جميعاً بهذا الحدث، أن يكون العالم بأسره قد حلم به، لأن أحداً لا يسعه ألا يحلم بدمار أي قوة بلغت من الهيمنة ما بلغته، هو أمر لا يتقبله الوعي الأخلاقي الغربي، لكنه حقيقة، وهو حقيقة بحجم العنف المؤثر (العاطفي) لكن الخطب التي تسعى لمحوه.

إلى حد ما، هم الذين ارتكبوا الفعلة، لكننا نحن الذين أردناها. وإذا لم ندرك ذلك يفقد الحدث كل بعده الرمزي، فيبدو إذ ذاك، حادثة محضة، وفعلاً مجانياً محضاً، ثمرة تهيؤات إجرامية لبضعة متعصبين، يكفي القضاء عليهم وإزالتهم من الوجود، والحال أننا نعلم جيداً، أن الأمر ليس كذلك.

ومن هنا ذلك الهذيان المضاد للخوف سعياً وراء تعزيم الشر: لأن الشر موجود أينما كان، كموضوع غامض لرغبتنا. لولا هذا التواطؤ الدفين لما كان للحدث الوقع الذي كان له، وفي استراتيجيتهم الرمزية يدرك الإرهابيون، بلا ريب، أنهم يستطيعون الاتكال على هذا التواطؤ المضمر.

هذا أمر يتعدى بكثير مجرد الحقد على قوة عالمية مسيطرة يبديه المحرومون والمستغلون، أولاء الذين هبطوا في الجهة الخطأ من النظام العالمي. فهذه الرغبة الخبيثة كامنة حتى في ألباب الذين يشاركون في منافع هذا النظام العالمي . ذلك أن الحساسية حيال كل نظام نهائي، حيال كل قوة نهائية، هي لحسن الحظ شمولية. وكان البرجان التوأمان لمركز التجارة العالمي يجسّدان، أكمل تجسيد، ولأنهما توأمان بالذات، هذا النظام النهائي.

لا حاجة إلى نزعة موت أو تدمير، ولا حتى إلى مؤثرات غير سوية. فمن صلب المنطق، والحتم أن يؤجج تفاقم قوة القوة، الرغبة في تدميرها. وأن تكون شريكة في دمارها الخاص. عندما انهار البرجان تولد شعور بأنهما يردان على انتحار الطائرتين الانتحاريتين بانتحارهما الخاص، قيل: "الله نفسه لا يسعه إعلان الحرب على نفسه" فليكن معلوماً، إنه بلى، يستطيع.

فالغرب، وقد تصرّف كما لو أنه في موقع الله (ذي القدرة الإلهية والشرعية الأخلاقية المطلقة) يغدو انتحارياً ويعلن الحرب على نفسه.

إن أحلام الكوارث التي لا تحصى عدداً تشهد على هذا الاستيهام الذي تعزّمه، بالطبع، بالصورة إذ تُغرق كل هذا بالمؤثرات الخاصة. غير أن الجذب الشمولي الذي تمارسه على غرار البورنوغرافيا، يُظهر أن الانتقال إلى الفعل وشيك دائماً – ذلك أن إغواء التنكر لكل سستام يتعاظم كلما دانى الأخير حد الكمال أو القوة المطلقة.

وبأي حال، الأرجح أن الإرهابيين (كما الخبراء) لم يتوقعوا انهيار البرجين التوأمين الذي مثّل، أكثر بكثير من ضربة البنتاغون، الصدمة الرمزية الأشد. لقد شهد الانهيار الرمزي لسستام بأكمله جراء تواطؤ غير مرتقب وكأنه بانهيارهما من تلقائهما، كأن بانتحارهما هذا، انضم البرجان إلى اللعبة لكي يبلغ الحدث تمامه.

على نحو ما، إنه السستام بأكمله الذي، لهشاشته الداخلية، يعين تمام الفعل الابتدائي، فكلما تركز السستام عالمياً بحيث لا يشكل، في حده الأقصى، سوى شبكة واحدة، ازداد تعرضه (للمخاطر) من نقطة واحدة (لقد استطاع قرصان انترنت فيلبيني عبر حاسوبه المحمول، أن يطلق فيروس "I Love You " الذي جاب العالم مخرباً شبكات بأكملها). هنا ، كانوا ثمانية عشر انتحارياً تمكنوا، مسلحين بالسلاح المطلق للموت مشفوعاً بالكفاية التكنولوجية، من افتعال سيرورة كارثية جامعة.

عندما يكون الموقف مُحتكراً، على هذا النحو، من قبل القوة العالمية، وعندما نكون حيال هذا التركيز المذهل لكل وظائف الآلية التكنوقراطية والفكر الأحادي، فأي سبب آخر يمكن سلوكه غير التحويل الإرهابي للموقف؟ إن السستام نفسه هو الذي ولّد الشروط الموضوعية لهذا الرد العنيف المباغت. فباستئثاره بكل الأوراق، يُرغم الآخر على تغيير قواعد اللعبة. والقواعد الجديدة ضارية، لأن الرهان ضارٍ، فعلى سستام تفرض قوته المفرطة بالذات تحديداً غير قابل للحل، يرد الإرهابيون بعمل نهائي يكون عوضه، هو أيضاً، مستحيلاً. إن الإرهاب هو الفعل الذي ينشئ خصوصية لا راد لها في لب سستام من التبادل المعمم. كل الخصوصيات (الأجناس، الأفراد، الثقافات) التي بذلت بموتها عوض قيام دورة تبادل عملي تحكمها قوة واحدة، تثأر اليوم لنفسها عبر هذا التحويل الإرهابي للموقف.

رعب مقابل رعب. ولم يعد هناك، وراء كل هذا، أي بعد أيديولوجي، لقد أصبحنا بعيدين جداً من كل أيديولوجيا وسياسة.

ذلك أن الطاقة التي تغذي الرعب لا تعبّر عنها أيديولوجية ولا أي قضية حتى ولو كانت إسلامية. إذ لم يعد الأمر منوطاً حتى بتحويل العالم، بل يهدف (كما الحركات الهرطوقية في زمانها) إلى إشاعة الراديكالية عبر التضحية في حين أن السستام يهدف إلى تحقيق ذلك عبر القوة.

الإرهاب، كالفيروس، ماثل في كل مكان، هناك حقن عالمي متواصل للإرهاب الذي هو كالظل الملازم لكل سستام سيطرة، مهيأ، أينما كان لأن يصحو كعامل مزدوج. لم يعد هناك خط فاصل كفيل بالإحاطة به، إنه في لب هذه الثقافة التي تحاربه، والشرخ المرئي (والحقد) الذي يجعل على المستوى العالمي، المستغلين والمتخلفين في مواجهة العالم الغربي يرفد، سراً، الشرخ الداخلي في السستام المسيطر. باستطاعة هذا الأخير أن يجبه كل تضاد مرئي. ولكن ماذا عن الآخر، ذي البنية الحموية (الفيروسية) - كأن كل جهاز سيطرة يعزز الجهازية المضادة له، ضد هذا الشكل من الارتكاس شبه الآلي لقوته الخاصة، لا يستطيع السستام أن يفعل شيئاً. والارهاب هو الذبذبة الصادمة لهذا الارتكاس الصامت.

لا يتعلق الأمر إذاً لا بصدام حضارات ولا بصدام أديان، كما يتعدى بكثير الإسلام وأميركا اللذين تجري المحاولات لحصر النزاع فيهما لتوليد وهم مجابهة مرئية ووهم حلّ بالقوة. صحيح أن في الأمر تضاداً أساسياً، لكنه تضاد يُبين، عبر طيف أميركا (التي ربما كانت المركز السطحي، لكنها ليست، بمفردها، تجسيد العولمة) وعبر طيف الإسلام (الذي، هو أيضاً، ليس تجسيد الإرهاب)، أن العولمة المنتصرة تخوض صراعاً مع ذاتها. وفي هذا المعنى يمكننا الحديث عن حرب عالمية، ليست ثالثة، بل رابعة وهي الوحيدة العالمية حقاً، لأن رهانها هو العولمة بالذات. الحربان العالميتان الأوليتان كانتا مطابقتين لصورة الحرب الكلاسيكية. الأولى أنهت تفوق أوروبا والعهد الكولونيالي. والثانية أنهت النازية. الثالثة، التي جرت بالفعل، تحت ستار الحرب باردة، وحرب رادعة، أنهت الشيوعية. ومن حرب إلى أخرى كنا نتقدم، كل مرة، خطوات أبعد في الطريق إلى نظام عالمي وحيد. وها إن هذا الأخير وقد بلغ اليوم، منتهاه، يخوض صراعات مع القوى المضادة المنتشرة حيثما كان في قلب العالمي نفسه، وفي كل التشنجات الراهنة. حرب كسرية لكل الخلايا، لكل الخصوصيات التي تتمرد في هيئة أجسام ضدية. مجابهة، عصية على الادراك المباشر بحيث إنها تقتضي من حين إلى حين، إنقاذ فكرة الحرب عبر مسرحات مشهدية من قبيل مسرحة حرب الخليج وحرب أفغانستان اليوم. لكن الحرب العالمية الرابعة تجري في مكان آخر. إنها ما يُقلق كل نظام عالمي، وكل سيطرة هيمنية - فلو كان الاسلام مسيطراً على العالم لنشط الإرهاب ضد الإسلام. ذلك أن العالم هو نفسه الذي يقاوم العولمة.



الإرهاب لا أخلاقي. وحدث المركز العالمي للتجارة، هذا التحدي الرمزي، هو لا أخلاقي، ويرد على عولمة هي الأخرى لا أخلاقية، إذاً، فلنكن نحن أيضاً لا أخلاقيين، وإذا أردنا أن نفهم شيئاً فلنذهب إلى ما وراء الخير والشر. ولنحاول، وقد قُيّض لنا أن نشهد حدثاً لا يتحدى الأخلاق وحسب، بل كل أشكال التأويل أيضاً، أن نمتلك فهماً للشر. جوهر المسألة يكمن ها هنا: في التفسير الخاطئ كليا الذي أنتجته الفلسفة الغربية، فلسفة الأنوار، لمسألة الخير والشر. نحن نعتقد أن تقدم الخير أي ارتقاءه بالقوة في الميادين كافة (العلوم، التقنيات، الديمقراطية، حقوق الانسان) يتماشى مع هزيمة الشر وتقهقره. إذ يبدو أن أحداً لم يدرك أن الخير والشر يرتقيان بالقوة في الوقت نفسه ووفق الحركة نفسها. وانتصار أحدهما لا يؤدي إلى زوال الآخر، بل العكس تماماً. غالباً ما يُنظر إلى الشر، من الناحية الميتافيزيقية، بوصفه هفوة طارئة، غير أن هذه المسلّمة التي تشتق منها كل أشكال الإثنينية في الصراع بين الخير والشر، هي مسلّمة باطلة. الخير لا يقلل من حجم الشر، والشر لا يقلل من حجم الخير: إن أحدهما لا يختزل الآخر، وصلتهما لا فكاك منها. ففي الجوهر لا يقدر الخير أن يحبط الشر إلا بتخليه عن كونه خيراً، لأنه، باستئثاره بالحكر العالمي للقوة إنما يتسبب بشرارة لإشعال عنف موازٍ.

في العالم التقليدي، كانت لا تزال هناك موازنة بين الخير والشر، وفق علاقة جدلية تضمن على الرغم من تقلبات الظروف توتر العالم الأخلاقي وتوازنه - كما كانت المواجهة، خلال الحرب الباردة، بين القوتين العظيمتين تضمن توازن الرعب. إذاً لا تفوق لأحد على الآخر. ويختل هذا التوازن عند الشروع بتعميم كلي للخير (هيمنة الإيجابي على أي شكل من أشكال السلبية، استبعاد الموت وكل قوة محتملة العداء - انتصار قيم الخير دائماً أبداً). عندئذٍ يختل التوازن ويصبح كأن الشر قد استعاد استقلالية خفية، نامياً على نحو أسي، توسعي.

مع الفارق الملحوظ، نقول إن هذا يشبه ما جرى في النظام السياسي مع زوال الشيوعية والانتصار العالمي للقوة الليبرالية: فعندها فقط برز عدو شبحي، حقنت به أرجاء الكرة الأرضية كافة، منسلاً من كل صوب كفيروس، منبثقاً من كل فجوات القوة. إنه الإسلام. لكن الاسلام ليس سوى الجبهة المتحركة لبلورة هذا التضاد. فهو (التضاد) في كل مكان، ويداخل كل واحد منّا. إذاً، رعب ضد رعب. لكنه رعب غير موازٍ، وهذا اللاتوازي هو الذي يجعل القوة العالمية الاعظم بلا حيلة كلياً. ففي غمرة صراعها مع ذاتها لا يسعها إلا أن تغوص في منطقها الخاص بموازين القوى، عاجزة عن الاتيان بأي دور على أرضية التحدي الرمزي والموت الذي باتت تجهل عنه أي شئ لأنها ألغته من ثقافتها.

إلى اليوم، لقد نجحت هذه القوة المتممة، إلى حد بعيد، في استيعاب وحلّ كل أزمة، وكل سلبية، موجدة بذلك وضعاً محبطاً في جوهره، ليس فقط في أعين معذبي الأرض، بل أيضاً في أعين الميسورين وذوي الحظوة، في رخائهم التام.

الحدث الأساسي هو أن الإرهابيين قد كفوا عن الانتحار سدى، وهو أنهم يراهنون بموتهم الخاص على نحو هجومي وفاعل، وفق حدس استراتيجي هو، ببساطة، الحدس بهشاشة الخصم العائلة، وهشاشة سستام بلغ شبه كماله، وهو، لذلك، معرّض للأذى من أي شرارة.

لقد استطاعوا أن يجعلوا موتهم سلاحاً مطلقاً ضد سستام يحيا من استبعاده الموت، ومثاله هو "صفر من القتلى"، كل سستام يقوم على صفر من الموتى، هو سستام حصيلته عدم، وكل وسائل الردع والدمار لن تكون مجدية ضد عدو سبق له أن جعل موته سلاحاً هجومياً مضاداً. "ما همنا من القصف الأميركي !! إن رجالنا يتوقون للموت بقدر ما يتوق الأميركيون للحياة !". ومن هنا معادلة السبعة آلاف قتيل الذين تكبدهم، دفعة واحدة، سستام "صفر من القتلى".

هكذا إذاً، كل شئ هنا منوط بالموت، وليس فقط الانبثاق المفاجئ للموت عبر البث المباشر والزمن الواقعي، بل عبر انبثاق موت أكثر من واقعي بكثير: موت رمزي وشعائري - أي الحدث المطلق الذي لا راد له.

تلك هي ذهنية الارهاب..

الامتناع عن مهاجمة السستام بمعايير موازين القوى. فمثل هذا، هو المتخيل (الثوري) الذي فرضه السستام نفسه والذي لا تكتب له الحياة إلا إذا داوم على استدراج مهاجميه للقتال على أرض الواقع التي هي لطالما كانت أرضه. بل نقل الصراع إلى الدائرة الرمزية حيث القاعدة هي قاعدة التحدي والارتكاس والمزايدة. بحيث لا يكون ممكناً الرد على الموت إلا بموت مماثل أو أشد. تحدي السستام بعطاء لا يستطيع الرد عليه إلا بموته الخاص وانهياره الخاص.

إن فرضية الارهاب تقوم على أن السستام نفسه ينتحر رداً على التحديات المتعددة للموت والانتحار. ذلك أن لا السستام ولا السلطة ينجوان بنفسيهما من الفرضية الرمزية - وفوق هذا الشرك تتربع السانحة الوحيدة لهلاكهما. في هذه الحلقة المدوخة من التبادل المستحيل متناهية الصغر، لكنها تسبب جذبا، فراغا، وحملاً حرارياً هائلاً، حول هذه النقطة المتناهية الصغر، يتكثف السستام بأسره، سستام الواقع والقوة، وتُشل حركته، وينكفئ بفاعليته المفرطة.

إن تكتيك النمط الإرهابي يكمن في التسبب بواقع مفرط والتسبب بانهيار السستام من تلقائه تحت وطأة هذا الإفراط في الواقع. فكل سخرية الموقف، مقرونة بالعنف الذي تستحشده السلطة ينقلبان ضده، ذاك أن الاعمال الإرهابية هي في الوقت نفسه مرآة عاكسة ومضخمة لعنفه الخاص، ونموذج لعنف رمزي يمتنع عليه، ومرآة للعنف الوحيد الذي لا يستطيع ممارسته، عنف موته الخاص.

لذلك لا تستطيع القوة المرئية أن تفعل شيئاً ضد الموت المتناهي في الصغر، ولكن الرمزي، لفرد ما.

يجب أن نرضخ لحقيقة أن نوعاً جديداً من الارهاب قد ولد أخيراً، شكلاً جديداً من الفعل الذي يلعب اللعبة ويتقن قواعد اللعبة لكي يزعزع سياقها. فهؤلاء لا يكتفون بأنهم لا يقاتلون بأسلحة متكافئة، لأنهم يراهنون على موتهم الخاص وهو الأمر الذي لا يُجبه برد ممكن (إنهم جبناء)، بل تملكوا أيضاً كل أسلحة القوة المسيطرة. المال والمضاربة في البورصة، تكنولوجيا المعلوماتية، والطيران، البعد المشهدي والشبكات الإعلامية: لقد اكتسبوا كل ما توفره الحداثة والعالمية، من دون أن يغيروا الهدف القائم على تدميرهما.

والأدهى أنهم حتى استخدموا رتابة الحياة اليومية الأميركية كقناع وغطاء للعبة مزدوجة. ناموا في ضواحي أميركا، وقرأوا ودرسوا في وسط عائلاتها، قبل أن يستيقظوا بين ليلة وضحاها قنابل بشرية مؤقتة. إن دربتهم على تدبير هذه الحياة السرية ببراعة قد تكون إرهاباً يساوي إرهاب العمل الاستعراضي في 11 أيلول، لأنها تلقي الشبهات على أي فرد من الناس: ألا يعقل أن يكون أي إنسان مسالم إرهابياً محتملاً؟ وإذا تمكن هؤلاء من الإفلات من دون أن يلحظهم أحد فكل واحد منهم هو مجرم خفي ( وكل طائرة مشبوهة)، وقد يكون ذلك، في آخر الأمر، صحيحاً.

وربما كان ذلك مرتبطاً بشكل لا واعٍ من الإجرام المحتمل، المقنع، والمكبوت بعناية، لكنه دائماً قابل إن لم يكن للانبثاق فللاعتمال سراً لدى شهودنا أي شر. وعلى هذا النحو يتشعب الحدث إلى أدق تفاصيله – مصدراً لإرهاب ذهني أكثر تخفياً.

الفارق الجذري يكمن في أن الإرهابيين، إلى امتلاكهم أسلحة السستام، يمتلكون، علاوة على ذلك، سلاحا مميتاً: وهو موتهم الخاص. وإذا اختاروا أن يقاتلوا السستام بأسلحته هو، فسوف يتعرضون للتصفية على الفور. وإذا لم يقاتلوه إلا بموتهم لهلكوا جميعاً، بسرعة ممائلة، في تضحية لا طائل تحتها – ولطالما اتبع الارهاب هذه الطريقة إلى يومنا هذا (...) ولذا كان مصيره الفشل.

غير أن الأمور تختلف إذا ما قرنوا كل الوسائل الحديثة المتوافرة بهذا السلاح ذي القيمة الرمزية الطائلة. فهو سلاح يضاعف إلى ما لا نهاية القدرة على التدمير. وجمعهم بين هذه العوامل كلها (والتي تبدو في أعيننا متنافرة لا سبيل للجمع فيما بينها) هو الذي يمنحهم مثل هذا التفوق. أما استراتيجية الحرب "النظيفة"، التكنولوجية، فهي تبقى، في المقابل، مجانبة ذلك التجلي للقوة "الواقعية" غبر القوة الرمزية.

إن النجاح الاستثنائي لمثل هذه العملية يثير مشكلة، ولكي ندرك شيئاً منها علينا أن نتخلى عن رؤيتنا الغربية لنرى قليلاً ما الذي يجري في تنظيم هؤلاء الإرهابيين، وما يدور في رؤوسهم. ذلك أن هذا القدر من الفاعلية يفترض قدرة عالية على الحساب والعقلانية يشق علينا الاعتراف بأنها (القدرة) موجودة لدى الآخرين. وحتى لو توفرت، فهناك دائماً، كما يحدث في أي تنظيم أو جهاز سري، تسريبات وهفوات.

لذا نحسب أن سر مثل هذا النجاح يكمن في عوامل أخرى. الفرق أن الأمر لديهم ليس عقد عمل بل ميثاقاً وفريضة شعائرية، وهذه الفريضة بمنأى عن أي تخاذل أو فساد أو وهن. والمعجزة تكمن في القدرة على التكيف مع الشبكة العالمية، والمناقبية التقنية من دون أن يفقدوا شيئاً من هذا التواطؤ على الحياة والموت. فعلى الضد من العقد، لا يربط الميثاق بين أفراد – حتى "انتحارهم" ليس بطولة فردية، بل هو فعل شعائري جمعي يُمليه وازع مثالي. وقد أدى الجمع بين تركيبتين، تركيبة بنية عملانية وتركيبة ميثاق رمزي، إلى جعل عملً بمثل هذا الحجم ممكناً.

ما عدنا نمتلك أي معرفة بما يكون عليه الحساب الرمزي، كما في لعبة البوكر أو البوتلاتش: رهان أقل، لمحصلة أكبر. وهو تماماً ما حصل عليه الإرهابيون في عملية منهاتن والذي من شأنه أن يكون مثلاً إيضاحياً لنظرية الكاوس (الفوضى) الأصلية: صدمة أولية تسبب نتائج لا تحصى، في حين أن الانتشار الأميركي الهائل (عاصفة الصحراء) لا يحقق سوى نتائج متهافتة – وينتهي الإعصار أشبه برفة جناحي فراشة.

لقد كان الإرهاب الانتحاري إرهاب فقراء، أما هذا فهو إرهاب أثرياء. وهذا ما يخيفنا بنحو خاص: هو أنهم أصبحوا أثرياء (يمتلكون كل الوسائل) ولم يتخلوا عن رغبتهم في هلاكنا. طبعاً، بحسب سلم قيمنا، إنهم يخادعون : ليس من أصول اللعبة أن يكون الموت رهان اللعبة. غير أنهم لا يبالون والقواعد الجديدة للعبة ليست ملكنا.

كل الوسائل مشروعة لإفقادهم أفعالهم كل اعتبار. ومن بينها نعتهم بـ"الانتحاريين"، و"الشهداء"، لكي نسارع، على الأثر، إلى القول إن الشهادة لا تثبت شيئاً، وإنما لا صلة لها بالحقيقة، بل حتى إنها (بحسب نيتشة) العدو الأول للحقيقة, من المؤكد أن موتهم لا يثبت شيئاً، ولكن ليس هناك ما يثبت في سستام تظل فيه الحقيقة عصية على الإدراك - أو أننا، نحن، من يزعم امتلاكها؟ ومن ناحية أخرى، إن الحجة ذات الشبهة الأخلاقية البادية قابلة للرد. فإذا كانت الشهادة الطوعية للانتحاريين لا تثبت شيئاً فإن الشهادة غير الطوعية لضحايا العملية الارهابية لا تثبت شيئاً هي الأخرى، وفي جعلها حجة أخلاقية (من دون حكم على عذابهم وموتهم) شبهة من عدم المراعاة والإباحة.

حجة أخرى تنم عن سوء نية: هؤلاء الارهابيون يقايضون موتهم بمطرح في الجنة. فعملهم ليس مجانياً، ولذلك ليس عملاً صادقاً، كأن القائل يقول إن العمل لا يكون مجانياً إلا إذا كانوا لا يؤمنون بالله، وإلا إذا كان الموت بلا رجاء، كما هو الموت بالنسبة لنا (مع أن الشهداء المسيحيين كانوا يقيمون حساباً مختلفاً عن هذه المعادلة السامية). إذاً، هنا أيضاً، لا يقاتلون بأسلحة متكافئة لأن لهم الحق في الخلاص، وهذا ما لا نأمل فيه. وهكذا نقيم نحن الحداد على موتنا، فيما هم يستطيعون أن يجعلوا منه رهاناً بأسمى المعاني.

والواقع أن كل هذا: السبب، البرهان، الحقيقة، الجزاء، الغاية والوسائل، إنما هو شكل من أشكال الحساب النموذجية الخاصة بالغرب، حتى الموت نقومه بمعدلات الفائدة، وبتعابير النسبة بين النوعية والسعر. حساب اقتصادي هو حساب المعوزين الذين ما عادوا يجرؤون على تحديد السعر.

ما الذي قد يحدث - باستثناء الحرب التي ليست، في حد ذاتها، سوى طبقة واقية تقليدية؟ يجري الحديث عن الارهاب البيولوجي، عن الحرب البكتيرية أو الارهاب النووي. غير أن شيئاً من هذا كله لا يمت بصلة إلى التحدي الرمزي، بل هو من قبيل الإبادة الصامتة، بلا مجد، بلا مخاطر، من قبيل الحل النهائي.

والحال أنه تفسير خاطئ للارهاب أن يُنظر إلى العمل الارهابي بوصفه منطقاً تدميرياً بحتاً. إذ يبدو لي أن موتهم الخاص لا ينفصل عن عملهم (وهذا، بالضبط، ما يجعل منه عملاً رمزياً) وليس على الاطلاق إبادة لا شخصية للآخر. كل المعنى كامن في التحدي وفي المبارزة، ما يعني أيضاً في علاقة ثنائية، شخصية، مع القوة الخصم. إنها هي التي أذلتك، وهي التي ينبغي أن تُذل. وليس فقط أن تُباد. يجب أن تُهان. وهذا أمر لا يتأتى مطلقاً من القوة العارية أو من إزالة الآخر. فهذا الآخر ينبغي أن يستهدف وأن يُصاب في سياق الخصومة. ففضلاً عن الميثاق الذي يربط ما بين الارهابيين أنفسهم، هناك ما يشبه ميثاق المبارزة مع الخصم. وهذا بالضبط، عكس الجبن الذي يُتهمون به، وبالضبط عكس ما فعله الأميركيون في حرب الخليج (ويستأنفونه حالياً في أفغانستان): هدف غير مرئي، وتصفية عملانية.

من كل هذه الحيثيات نستبقي أولاً، وبالدرجة الأولى، رؤية الصور. ويجب أن نحافظ على رسوخ هذه الصور في أذهاننا، وعلى فتنتها، لأنها، شئنا أم أبينا، مشهدنا البدائي. وربما تكون أحداث نيويورك، وفي الوقت الذي جعلت فيه الوضع العالمي جذرياً، قد رسخت صلة الصورة بالواقع. ففيما كنا حيال دفق متصل من الصور العادية ودفق متصل من الأحداث المزيفة، جاء العمل الارهابي على نيويورك ليبعث الصورة والحدث في وقت معاً.

من بين أسلحة السستام التي قلبوها عليه، استغل الارهابيون الزمن الواقعي للصور، ويثها العالمي الفوري. وقد تملكوها كما تملكوا المضاربة في البورصة، والإعلام الاليكتروني والنقل الجوي. ودور الصورة على درجة كبيرة من اللبس. لأنها في الوقت الذي تُعظم فيه الحدث، تتخذه رهينة. إنها تلعب دور التكثير إلى ما لا نهاية، وفي الوقت نفسه دور الإلهاء والتحييد (وهذا ما حصل فعلاً لحوادث 1968). وهذا ما نغفل عنه دائماً في معرض حديثنا عن "خطر" وسائل الاعلام.

الصورة تستهلك الحدث، بمعنى أنها تمتصه وتبذله للاستهلاك. ومما لا شك فيه أنها تكسبه تأثيراً غير مسبوق إلى الأن، ولكن بوصفه حدثاً - صورة.

ماذا إذاً عن الحدث الواقعي إذا كان الواقع يُحقن باستمرار بالصورة والسرد المتخيل والافتراضي؟ في الحالة التي نحن بصددها، ساد اعتقاد أن ما نراه (وبشئ من الارتياح ربما) إنما هو عودة للواقع وللعنف الواقعي في عالم افتراضي مزعوم. "انتهى عهد قصصكم الافتراضية - هذا أمر واقعي !" كما رأى فيه البعض انبعاثاً للتاريخ فيما وراء نهايته المعلنة. ولكن هل يفوق الخيال الواقع حقاً؟ وإذا بدا أنه كذلك، فلأنه امتصّ طاقة الخيال وصار هو نفسه خيالاً. حتى يمكننا القول إن الواقع يغار من الصورة ... وما يجري هو مبارزة بينهما، وسباق على من يكون، من بينهما، الأكثر تجاوزاً للخيال.

إن انهيار برجي المركز العالمي للتجارة أمر يفوق الخيال، غير أن هذا لا يكفي لكي نجعل منه حدثاً واقعياً. إن قدراً زائداً من العنف لا يكفي للإطلالة على الواقع. ذلك أن الواقع هو مبدأ، وهذا المبدأ أولاً فتنة الصورة (أما العواقب المبهجة أو الكارثية فهي متخيلة إلى حد بعيد، انطلاقاً من الصورة).

في هذه الحالة إذاً ينضاف الواقع إلى الصورة بوصفه جائزة رعب، بوصفه رعشة إضافية. ليس مرعباً وحسب، بل هو واقعي أيضاً. وعوض أن يكون عنف الواقع ماثلاً أولاً، ثم تنضاف إليه رعشة الصورة، تكون الصورة ماثلة أولاً، ثم تنضاف إليها رعشة الواقع.

أمر من قبيل خيال إضافي، خيال يفوق الخيال. كان بالار (بعد بورخيس) على هذا النحو يتحدث عن إعادة خلق الواقع بوصفه الخيال الأخير، الأكثر رعباً.

هذا العنف الإرهابي ليس هو، إذاً، إنبعاث شعلة الواقع، ولا انبعاث شعلة التاريخ. هذا العنف الإرهابي ليس واقعياً، إنه، في معنى من المعاني، أسوأ من ذلك: إنه رمزي، فالعنف في حد ذاته قد يكون عادياً وغير مؤذ. وحده العنف الرمزي مولد للفرادة. وفي هذا الحدث الفريد، في فيلم منهاتن الكارثي يتضافر في ذروتيهما عاملا الفتنة الجماهيرية في القرن العشرين: سحر السينما الأبيض، وسحر الإرهاب الأسود، ضياء الصورة البيضاء، ضياء الارهاب الأسود.

نسعى، بعد فوات الأوان، أن نحمّل الارهاب أي معنى، وأن نعثر له على أي تأويل. لكنه خلو من المعنى، ووحدها جذرية المشهد، وحدها قساوة المشهد هي المبتكرة، والمتعذر تبسيطها. إن مشهد الإرهاب يفرض إرهاب المشهد، وحيال هذا الافتتان اللاأخلاقي ( وإن كان يثير رد فعل أخلاقياً شمولياً) لا يملك النظام السياسي أن يفعل شيئاً. إنه مسرح القسوة خاصتنا، الوحيد المتبقي لنا - الخارق لكونه أقصى ما في المشهدي وأقصى ما في التحدي. وهو في الوقت نفسه النموذج الميكروسكوبي المعروض لنواة عنف واقعي مع احتمال تردد أصدائها إلى أقصى حد - أي أكثر أشكال المشهدية خلوصاً - ونموذج شعائري يجبه النظام التاريخي والسياسي بالشكل الرمزي النقى للتحدي.

أي مقتلة كانوا ليحظوا بغفرانها لو حبيت بمعنى، لو أمكن تأويلها كعنف تاريخي - فتلك هي المسلّمة الأخلاقية للعنف المقبول. وأي عنف كانوا ليحظوا بغفرانه، لو أنه جرى بعيداً من وسائل الإعلام ("الإرهاب ليس شيئاً يُذكر من دون وسائل الإعلام"). غير أن هذا باطل كله. ليس هناك استعمال "صالح" لوسائل الإعلام، فوسائل الإعلام هي جزء لا يتجزأ من الحدث، ومن الرعب، وقد تؤدي دورها في هذا الاتجاه أو ذاك.

إن الفعل القمعي يسلك المسار غير المرتقب نفسه الذي يسلكه الفعل الإرهابي، ولا أحد يعلم عند أي حد سيتوقف، والانقلابات التي ستليه. ما من تمييز ممكن، على مستوى الصور والإعلام، بين المشهدي والرمزي، ما من تمييز ممكن بين "الجريمة" والقمع. وانطلاقة هذا الارتكاس الخارجة عن أي سيطرة هي الانتصار الفعلي للإرهاب. وهو انتصار ظاهر في تشعبات الحدث وتسرباته الخفية - ليس فقط في الركود المباشر، في الاقتصاد والسياسة والبورصة والمال للسستام بمجمله، وفي الركود الأخلاقي والسيكولوجي الذي ينجم عنه، بل أيضاً في ركود سستام القيم، وأيديولوجيا الحرية بأكملها، والتداول الحر ... إلخ، التي طالما كانت مفخرة العالم الغربي، والتي تسلح بها هذا العالم لممارسة هيمنته على الأرجاء المتبقية من العالم.

إلى حد بدأت معه فكرة الحرية، وهي فكرة حديثة العهد وجديدة، بالاختفاء من العادات والضمائر، وبدأت العولمة الليبرالية بالتحقق في شكل معاكس بالحرف: في شكل عولمة بوليسية ومراقبة كلية، وترهيب أمني. إن الانفلات ينتهي إلى حد أقصى من ضوابط القسر، والتقييد يساوي ضوابط المجتمع الأصولي.

تراجع في الإنتاج، في الاستهلاك، في المضاربات، في النمو (ولكن ليس في الفساد طبعاً): فكل شئ يشير إلى أن السستام العالمي يتبنى انكفاءً استراتيجياً، ويجري مراجعة أليمة لقيمه، كرد فعل دفاعي، على ما يبدو حيال صدمة الإرهاب، ولكنها تستجيب في العمق لإيعازاته المضمرة - تنظيم قسري ناجم عن الفوضى المطلقة، لكنه يفرضه على نفسه، مستبطناً، على نحو ما، هزيمته الخاصة.

وجه آخر لانتصار الإرهابيين يكمن في أن كل الأشكال الأخرى للعنف وزعزعة استقرار النظام تتضافر لصالحه: إرهاب معلوماتي، إرهاب بيولوجي، إرهاب الانتراكس والشائعة، هذه كلها تنسب إلى بن لادن، حتى إنه صار بإمكانه أن يعلن مسؤوليته عن الكوارث الطبيعية. كل أشكال اللاتنظيم والتداول الشاذ مفيدة له. وحتى بنية التبادل العالمي المعمم تخدم التبادل المستحيل. كأنها الكتابة الآلية للإرهاب يرفدها باستمرار الإرهاب (غير المتعمد) للإعلام، وبكل ما يتوجب عليها من تبعات الهلع: فإذا كانت الاصابة، في قضية الانتراكس هذه كلها، تتم من تلقائها عبر التبلور الآني، على غرار محلول كيميائي، إذ يمس، مساً، إحدى الخلايا، فهذا يعني أن السستام بأسره قد بلغ كتلة حرجة تجعله عرضة لأي اعتداء.

ما من حل لهذا الوضع الحدي، خصوصاً بالحرب التي لا تقدم سوى موقف مسبوق تم اختباره سابقاً، بتدفق القوى العسكرية، والإعلام الشعبي، والإلحاح الإعلامي الذي لا طائل تحته، والخطب المواربة والمؤثرة، وبسط القدرات التكنولوجية ختى الإدمان. أي، باختصار، على غرار حرب الخليج، التي كانت هي اللاحدث، أو الحدث الذي لم يحدث.

ولعل هذا علة وجود الحرب: أن تستبدل حدثاً حقيقياً رائعاً، وفريداً وغير مرتقب بحدث مزعوم مكرر ومسبوق. لقد جاء العمل الإرهابي مطابقاً لمحورية الحدث بالنسبة لأنماط التأويل، في حين أن هذه الحرب الحمقاء عسكرياً وتكنولوجياً، مطابقة، على الضد من ذلك، لمحورية النمط بالنسبة للحدث، أي مطابقة لرهان مزيف لا مبرر لوجوده. إنها الحرب كاستكمال لغياب السياسة بوسائل أخرى.

الاثنين، 8 سبتمبر 2014

تغريدات في تحرير محل النزاع في قضية المتغلب.



مناقشة الإسلام السياسي دون تكييف منهجي للقضايا، ودون تحرير محل النزاع، ودون تثبيت الحقائق، سيكون لتا وعجنا ومضيعة للوقت.

حقيقة: الكيانات الحالية لاتحمل شيئا من شرعية الكيان وترحيل مفهوم المتغلب على الحكام الحاليين مع غياب شرعية الكيان سذاجة حتى لو مارسها علماء.


حقيقة: أهل السنة لهم مدرستان تجاه المتغلب، كل واحدة لها أدلتها وحججها ويتبناها صحابة وتابعون وعلماء كبار في التاريخ الإسلامي.


حقيقة: الخلاف بين المدرستين محصور في شرعية شخص الحاكم إذا استقر له الأمر دون شورى أو صدر منه ظلم وفساد، وليس مرتبطاً بكيان الدولة الكلي.

حقيقة: سبب تركيز الخلاف على شخص المتغلب أن الدولة (الخلافة) قد تحقق فيها شروط شرعية الكيان ١) وحدة الدولة ٢) هيمنة الشرع ٣) إقامة الجهاد.


حقيقة: المدرسة التي تعطي المتغلب شرعية لا تقر ظلمه ولا فساده وتصفه بالظالم وتنكر عليه ورموزها المشهورون دائما في صدام مع الحكام.


حقيقة: المدرسة التي تعطي المتغلب شرعية لا تخالف في أن الشورى في الأصل واجبة وأنها لو توفرت لها الفرصة لا يجوز تركها للاستبداد.


حقيقة: لا يمكن تغيير التاريخ ولا إلغاء الخلاف الفقهي ولا تجاهل وجود هاتين المدرستين ودقة التوثيق تمنع نسبة موقف مزور لأي منهما.


حقيقة: صحيح أن التزوير مستحيل لكن سيطرة الحكام على حشد كبير من العلماء وفر الفرصة لمحاولات تزوير يدعمها الإعلام صنعت التباسا هائلا.


حقيقة: لجوء علماء التزوير لمنطق المصلحة التي تم توسيعها حتى أعطت شرعية لحكام محاربين للإسلام، خروج عن منهج أهل السنة المعتمد على النص.


حقيقة: الشرعية عند أهل السنة ليست شرعية التفويض التي تتبادر للذهن، بل هي تحقيق ما شرعت الإمامة من أجله وهي بنود شرعية الكيان أعلاه.

حقيقة: حتى لو تحققت الشرعية في الكيان وشخص الحاكم فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولا يحق للحاكم إلزام الناس بما يخالف الشرع. 
والله أعلم

الأحد، 7 سبتمبر 2014

غزة والتهيئة الربانية لزوال إسرائيل



الأحداث الكبيرة أسبابها كبيرة
حين أراد الله لنبيه موسى أن يكون شخصية قيادية عظيمة، كتب له أن ينشأ خارج بيئة الذل في بني إسرائيل، فتربى في بيت فرعون نفسه(١). وحين أراد الله لبني إسرائيل أن يتحولوا إلى أمة مقاتلة عزيزة بعد عجزهم، وجبنهم، وتخليهم عن الواجب أيام موسى، كتب لهم أن يعيشوا في التيه أربعين سنة، حتى تغسل آثار الذل، وتنتج جيلا جديدا عاش في جو التحدي الذي لم يتسلط عليهم فيه ظالم ولا مستبد.(٢)

كان الله سبحانه وتعالى، قادراً أن يجعل موسى بصفاته القيادية دون أن ينشأ في بيت فرعون، وقادراً أن يجعل بني إسرائيل أمة مقاتلة دون أن يعيشوا في التيه، بل قادراً سبحانه أن يجعل عصا موسى تأكل جيش العدو، لكن الله كتب أن سنته لا تتغير ولا تتبدل. الأحداث لا تصنعها المعجزات والخوارق، فلا بد من تهيئة الأسباب حتى تأتي النتيجة. (٣)

وحين أراد الله للعرب أن يكونوا حملة راية هذا الدين، جعل سبحانه جزيرة العرب خارج نفوذ الدول المتسلطة، والحكام المستبدين، فكان العرب لا تحكمهم إلا قبائلهم، بأفضل درجات الحرية والثقة بالنفس والعزة والكرامة. وحين أراد الله سبحانه أن يتشكل جيل كامل من القيادات القرشية العظيمة، على رأسهم محمد عليه الصلاة والسلام، حظيت قريش بمرتبة أرقى من الحرية، حين لم يكن فيها رئيس قبيلة، فكانت الشخصيات القرشية مهيأة لأعلى درجات القيادة، بعد أن نشأت باستقلالية كاملة، وحرية مطلقة من أي نفوذ. (٤)

كان الله سبحانه قادرا أن يجعل محمدا عليه الصلاة والسلام قائدا عظيما، دون أن ينشأ في قريش، وكذا رجال قريش من كبار المهاجرين. وكان سبحانه قادرا أن يجعل العرب أمة عزيزة منيعة كريمة، دون أن يكونوا خارج إطار الدول العظمى، لكن لن تجد لسنة الله تبديلا، ولا تحويلا، فلا نتيجة دون أسباب، ولا تغيير دون تهيئة. (٥)
التفوق النفسي الذي حققه إخواننا في غزة، وإخضاع الكيان الصهيوني لإرادتهم، وإصابة الشعب الإسرائيلي بروح الهزيمة، لم يتحقق بسحر ولا شعوذة ولا بصدف عابرة، بل تحقق بسلسلة من الأسباب والأحداث التي هيأت لما نراه من نتائج. والأهم من ذلك أن فهم هذه المعادلة جيدا، يبين أنها تهيئة لقادم أعظم فيه زوال إسرائيل بالكامل. (٦)

مراجعة الماضي

ولو عدنا قليلا للوراء، لأمكن رصد مجموعة من الأسباب التي هيأها الله، لأن يكون تحدي غزة خطوة كبيرة في زوال إسرائيل.

حماس تتمرد على نفسها
كان يمكن لغزة أن تبقى تحت سلطة دحلان، لولا أن ألهم الله قيادات في حماس، سرعة التصرف في السيطرة على غزة، في العملية التي تمت ٢٠٠٧. معروف أن حماس امتداد لحركة الإخوان، التي ترفض استخدام العنف مطلقا ضد أي سلطة عربية، وأن كل قيادات حماس مقتنعون بتحمل القمع الفتحاوي، حرصا على ما يعتبرونه الوحدة الفسلطينية، فما الذي دفعهم لذلك "الانقلاب" الموفق؟ بل كيف رضيت حماس أن تدخل في قتال عسكري حقيقي بالسلاح، مع قوات السلطة في معركة نتج عنها أكثر من ٣٠ قتيلا؟ (٧)

قد ينبري من يعطي تفسيرات كثيرة، لكن أي تفسير يطرح، سيكون مناقضا لما ألزمت به حماس نفسها، ولولا هذا القرار لبقيت حماس تحت سلطة دحلان بكامل المشروع الخياني. ولا تفسير في نظرنا إلا أنه إلهام رباني باتخاذ القرار، حتى تتهيأ الأسباب لتدمير هيبة إسرائيل وإصابتها بالإحباط.

هذه السيطرة الحماسية -أو القسامية بالمعنى الأصح- تحولت بعد ذلك لانضباط أمني ممتاز، سواء بمفهوم الأمن الجنائي أو الأمن القومي. تحملت قوة الأمن التنفيذي مسؤوليتها في ضبط الأمن الجنائي بكفاءة، تمكنت فيها لأول مرة من القفز فوق الخلافات العائلية، والعشائرية، والثارات، ونظمت نسيج المجتمع الغزاوي، رغم تعقيداته، وكثرة تفرعاته، وانتماءاته(٨). وتحملت استخبارات القسام مسؤوليتها في متابعة العملاء، وتطهير المجتمع الغزاوي منهم، دون إدخال غزة في مواجهات مربكة، كما نجحت في التنسيق مع الفصائل الأخرى، دون التعرض لأي اختراق استراتيجي. (٩)

وبهذا الأداء للقوة التنفيذية واستخبارات القسام، تكونت بيئة منضبطة اجتماعيا وأخلاقيا وتربويا، وفرت جوا مثاليا لتحقيق أهم أركان المواجهة العسكرية:
أولا: تدريب الآلاف من عناصر القسام تدريبا عسكريا وعلميا ونفسيا وفنون القيادة والسيطرة.
ثانيا: توفير فرصة متكاملة لصهر العقول والكفاءات والمهارات، لإبداع صناعي وتقني أنتج ما رأيناه في الحرب الأخيرة.
ثالثا: إيجاد جو آمن للحركة البشرية والنقل اللوجستي، والاتصالات بأقل درجات المخاطرة.
رابعا: توفير الفرصة للعمل الاستخباراتي المضاد، بجمع المعلومات، وتضليل الخصم، وضربه بعملائه.

الحصار خير مكروه
حين نجحت حماس في السيطرة على غزة، لم تتأخر قوى الشر الإقليمية والدولية في حصار غزة وذلك لهدفين، الأول ابتزاز أهل غزة، ودفعهم للتخلص من حماس، والثاني إرهاق حماس بمنعها من الحصول على ما يقويها عسكريا وسياسيا. وتحقق الحصار الفعال بالتعاون بين مصر مبارك وإسرائيل، باندفاعٍ  من كلا الطرفين، وتأييد ومباركة من قوى عربية وعالمية كثيرة. وبقدر ما كان الغزاويون حريصين على كسر الحصار، فقد كان خونة العرب حريصين على خنق غزة بالكامل. الغزاويون حفروا مئات الأنفاق، وسلطات مبارك تنسف كل ما تستطيع منها، وحين أيست من ذلك، بنت الجدار العازل الشهير بطول ١٠ كم وعمق أكثر من ٢٠ مترا.

ولأن الحصار تم في جو عزة وكرامة، وسيطرة قوة ملتزمة دينيا ومبدئيا، فإنه بدلا من أن يكسر عزيمة الغزاويين، ويقلبهم على حماس، فقد حقق عدة نتائج، ربما كان لها الفضل الأكبر في انتصار غزة الأخير.
النتيجة الأولى تصاعد روح العناد والإصرار، لأن شعور أهل غزة تجاه الحصار، كان أشبه بالنظرة لقاطع طريق، يريد منهم تسليم عرضهم أو شرفهم فيزدادون تحديا وإصرارا.
النتيجة الثانية تجريد أهل غزة من الانشغالات الحياتية، من وظائف وتجارة ومتع الحياة الطبيعية، ومن ثم تعويدهم على المعاناة أولا، ثم حرمان العدو مما يلوي ذراعهم به فلا يبقى ما يخسرونه.
النتيجة الثالثة البطالة الهائلة لشباب غزة، والتي تزيد عن ٧٠%. مما وفر فرصة مثالية للقسام وغيرها من الفصائل، في تجنيد الشباب، وإشباع تطلعاتهم، وإشغال وقتهم، حتى أصبح التجنيد في القسام شرفا وفخرا بين الشباب.
النتيجة الرابعة التدرب على الاعتماد على النفس بعد الله، والإبداع في حيل كسر الحصار، والاستفادة مما هو موجود، وهذا ما أنتج ثقافة الأنفاق والصواريخ، والأسلحة المتطورة، تطبقيا لمبدأ توينبي "التحدي والاستجابة".

ولو كان الصهاينة وعملائهم العرب، يفكرون بنظر بعيد، لذهبوا إلى أبعد من رفع الحصار، ولشجعوا تدفق المال على غزة، وسهلوا حركة البشر والبضائع، لأقصى حد. ولو حصل ذلك، لغرق أهل غزة في الدنيا، واستولى عليهم البطر، وانحسر المشروع الجهادي، ولربما لم تجد حماس من تجند من الشباب ليقف معها.(١٠) لكن الله أراد لأعداء فلسطين أن يحسبوها حسابا عكسيا، فحصل الحصار الذي كرهناه، وتضايقنا منه، لكن كان فيه معظم أسباب النصر والقوة.

نافذة الربيع العربي
صحيح أن أرض غزة مباركة، لكن تبقى بعض متطلبات الحرب لا بد من جلبها من الخارج، مهما أبدعت العقول في الإنتاج. هذه معضلة لا تحلها قوة سيطرة حماس، ولا روح التحدي في الحصار، ولا بد من تغيير حقيقي في الظروف، يفتح نافذة تأتي بهذه المتطلبات. من هنا ساق الله أحداث الربيع العربي، وتوفر لحماس سنة كاملة، خرجت فيها مصر من سلطة العملاء، لتدخل الضروريات مما تستعد به لمواجهة إسرائيل.

ومن تمام توفيق الله كذلك، التطورات التي حصلت في ليبيا، وتوفر كمية ضخمة من السلاح الثقيل، والخفيف، والذخيرة، في يد ليبيين متعاطفين مع المقاومة الفلسطينية، في نفس الوقت الذي فتحت فيه هذه النافذة المصرية. ويبدو أن قيادات حماس والفصائل كانوا مستشرفين عودة الحصار من الجهة المصرية، فاستعجلوا بأقصى ما يستطيعون لاستثمار هذه النافذة الزمنية، والاكتفاء بما ينفعهم لسنين طويلة. (١١)

هذه النافذة في أحداث الربيع العربي، ساعدت في إتمام الاستعداد للمواجهة، فكانت بمثابة تحقيق "وأعدوا لهم ما استطعتم"، وتيسر لغزة ما كان ينقصها مما لم يمكن تحقيقه، حتى بأقصى أنواع البطولة و الإبداع.

استشراف القادم

عجلة التاريخ ليست مستعجلة، والأحداث الكبرى لا تتهيأ أسبابها بشهر أو سنة، والغيب لا شك بيد الله، لكننا يمكن أن نحاول الاستشراف، من خلال ما نرصد من تطورات لها قيمة في النواميس الإلهية والسنن الكونية.

إتمام الربيع العربي
مخطئ من يظن أن الربيع العربي تجمد، وأن قوى الشر أوقفته بالثورات المضادة، فالربيع العربي نهضة حضارية بحاجة لأن تأخذ وقتها، وتمر بصعوباتها الحتمية، والتعثر أمر طبيعي لا يمكن تحاشيه(١٢). إسرائيل تستفيد حاليا من الحكومات المجاورة، التي تحمي حدودها وتستفيد من الحكومات البعيدة التي تصنع جوا محاربا للمقاومة، مستفيدة من ثقلها العربي والعالمي. عودة الزخم للربيع العربي، يعني تلقائيا تجريدها من هذه الحماية والدعم، وجعلها مكشوفة عسكريا وسياسيا ونفسيا، أمام تكتل كبير من القوى المرعبة لها. (١٣)

وربما تساهم مواجهة غزة الأخيرة في تقوية زخم الربيع العربي، بعد أن كشفت مدى الخيانة عند الأنظمة العربية، ومن ثم نزعت من قلوب الشعوب شرعيتها والرضوخ لها، وهيأت الأرضية لأي تحرك باتجاه إزالتها. كما ساهمت المواجهة الأخيرة في بعث آخر للربيع العربي، متمثلا في بوادر انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية، وتهاوي أركان السلطة الفلسطينية العميلة.

توسع المشروع الجهادي
لا يزال المشروع الجهادي حتى الآن، في دائرة الاحتواء من قبل القوى الإقليمية والعالمية، لكن أي نظرة فاحصة، تثبت أن هذا المشروع في تصاعد وتوسع كمي ونوعي، وأنه قريب جدا من الخروج من دائرة الاحتواء بالكامل. خروج المشروع من دائرة الاحتواء، ربما يساهم في إسقاط أنظمة تحمي إسرائيل، وربما يجعل الجهاديين وجها لوجه مع إسرائيل.

 لكن الأقرب من ذلك، هو تخويف الغرب من المبالغة في دعم إسرائيل، لأن الغرب أدرك أن هذا الدعم من أهم اسباب انطلاق التيار الجهادي، وأن الاستمرار فيه تغذية لهذا التيار. وبهذا المعنى فإن النتيجة ضد إسرائيل في كلا الحالتين، إن استمر الغرب في دعم إسرائيل قوى التيار الجهادي، وسهل وصوله لحدود إسرائيل، وإن خشي من هذا التنامي، حرم إسرائيل من دعم لا تستغني عنه.(١٤)

الإرهاق الأمريكي
أمريكا، لا تزال مستعدة أن تخسر ماليا وسياسيا من أجل أمن إسرائيل، والسبب تضليل الشعب الأمريكي من خلال نفوذ اللوبي الصهيوني، الذي يعطل آليات القرار الأمريكي، عن تقديم المصلحة القومية على مصلحة إسرائيل. لكن  تصاعد أزمة أمريكا الاقتصادية، ووصول دينها القومي إلى مستوى قاتل، وتمددها العسكري المرهق في أفغانستان والعراق، وارتباكها مما يجري في أوكرانيا، كلها عوامل ستصدم الرأي العام رغم أنف اللوبي الصهيوني، وتضعف من قدرة هذا اللوبي على التحكم إلى الأبد.

وأيا كان الأمر، فسينحسر الدعم الأمريكي لإسرائيل، إما لأن أمريكا عجزت حقيقة عن دعم إسرائيل، بسبب تدهور اقتصادي سياسي، أو بسبب غضب شعبي على تقديم مصالح إسرائيل على مصالح أمريكا القومية. ونفس ما يسري على أمريكا يسري على أوربا، بل إن النفوذ الصهيوني في أوربا، أضعف بكثير من أمريكا، وبدأت بعض الدول الأوربية بالنأي بنفسها عن إسرائيل.

ستبدي لك الأيام
هذا ما يمكن للإنسان أن يستشرفه من نظرة فاحصة للأحداث، لكن في نهاية المطاف هو جهد بشري، ولعل في الأفق ما لا نستطيع رؤيته، من مفاجآت تحقق التغيير بأسرع مما تصورنا. لكن الذي نجزم به، هو أن وعد الله حق، وأنه سيتبين أن اجتماع اليهود في فلسطين، ليس إلا مشروع انتحار جماعي على يد المسلمين. (١٥)(١٦)

----------------------
(١) يقول تعالى عن نبيه موسى "ولتصنع على عيني"، ولعل من شواهد ذلك نشأته في بيت فرعون، حتى يعيش حياة عز الملوك، ومنها تحريم المراضع حتى يبقى على صلة بقومه.

(٢) استعرض القرآن هذه القضية في سورة البقرة من آية ٢٤٦ إلى آية ٢٥٢، وفيها إشارات إلى المراحل الأربع، في استبعاد من لا يصلح للتضحية من بني إسرائيل، قبل مواجهة جيش جالوت، ١) التكليف بالقتال، ٢) تعيين طالوت قائدا،٣) منع الشرب من النهر، ٤)المواجهة الأخيرة لجيش جالوت. 


(٣) المعجزات إنما هي لإقامة الحجة في نبوة الأنبياء، وليست لتغيير مسار التاريخ، فقد كتب الله أن التاريخ لا يتغير إلا بجهد بشري. ولو كان التاريخ يتغير دون جهد بشري، لكان الأنبياء أولى أن ينتصروا بالمعجزات، ولسيد قطب فصل كامل في هذا المعنى، بعنوان (منهج للبشر) في كتابه "هذا الدين" إضغط هنا.

(٤) عملية رصد بسيطة لأسماء القيادات العظمى في صدر الإسلام، تبين غزارة القيادات القرشية سياسيا وعسكريا، وتفوق نسبة القدرة القيادية داخل قريش، على أي نسبة في القبائل الأخرى.

(٥) لعل هذا مصداق ما جاء في الحديث "واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريش، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فانا خيار الى خيار"، وهو جزء من حديث أخرجه البيهقي، والحاكم نحوه، والطبراني وابو نعيم والهيثمي. 

(٦) أهم انتصار حققه أهلنا في غزة، أنهم أشعروا الصهاينة بأنهم الطرف المهزوم المجبور على التنازل، والعاجز عن كسر إرادة الغزاويين. هذا الشعور أدخل الصهاينة في حالة إحباط أحسوا فيها بأن نهايتهم قريبة، راجع مقالنا "الهواجس القاتلة للشعب الإسرائيلي" إضغط هنا.

(٧) لمن لا يعرف تفاصيل هذا الحدث ومقدماته وتداعياته هنا بعض التفاصيل إضغط هنا.

(٨) لم تنجح السلطة الفلسطينية ولا الحكومة الأردنية، في ضبط مشاكل العوائل والثارات، ولا تفكيك التكتلات القائمة على حماية عائلية للمجرمين، وهو ما نجحت سلطة حماس فيه بكفاءة.

(٩) إذا علمنا أن بعض الفصائل نفسها تمارس العمالة، وقياداتها عميلة أدركنا صعوبة هذا التحدي، لكن يبدو أن استخبارات القسام أدت هذا الدور بكل كفاءة، ولا أدل على ذلك من بقاء جلعاد شاليط كل هذه السنوات، دون أن تحصل إسرائيل على أي خيط عن مكان وجوده، رغم أنها مكنت عمر سليمان من مقابلته. 

(١٠) في الحديث الصحيح (فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم ).

(١١) لا توجد معلومات موثقة عن كمية ما دخل غزة من أسلحة ومعدات خلال حكم مرسي، لكن الحديث المتداول شفويا كثير، وفيه تفاصيل عن معدات كثيرة من ليبيا.

(١٢) راجع مقالنا "الربيع العربي انتفاضة عابرة أو نهضة حضارية" إضغط هنا.

(١٣) راجع مقالنا "القضية الفلسطينية والحقائق العشر" إضغط هنا.

(١٤) راجع مقالنا "ما الذي يستهوي الشباب في تنظيم دولة العراق والشام" إضغط هنا.

(١٥) راجع مقالنا "الهواجس القاتلة للشعب الإسرائيلي" إضغط هنا.


(١٦) للأمانة هذه العبارة مستعارة من تغريدة للأستاذ الدكتور بشير نافع التي كتبها في إحدى تغريداته.

المقال سبق نشره في صحيفة التقرير.

الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

السنة والشيعة مقارنة نفسية

هذه المقالة كانت معدة  للنشر في صحيفة التقرير لكن الصحيفة اعتذرت لأسباب أقدرها وأتفهمها

وقررت نشرها في المدونة


التحدي الذي يفرضه التاريخ والنصوص الدينية والتربية الروحية والسلوك الأخلاقي على السنة والشيعة، يدفعهما لمواقف نفسية محددة، فيها تمايز واضح يمكن رصده وتشخيصه. ويؤثر في صياغة هذه الحالة النفسية مواقف الطرفين من آل البيت، ومواقفهما من بعضهما البعض. هذه محاولة لتقصٍ توصيفي لتلك الحالات النفسية، والربط بين أسبابها ونتائجها وتداعياتها، وبالطبع لا يقصد بهذا التوصيف كل فرد بعينه، لكنه توجه عام يغلب أن يتجسّد فيمن ينتمي لهذا المذهب أو ذاك. 

الأصل والاستثناء ونفسية الأقلية
يرى السنة أنفسهم امتدادا طبيعيا لجيل الصحابة الذي رباه النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك يعتبرون أنفسهم الاستمرار الاصيل للدعوة النبوية والخط الأصلي الممتد لجماعة المسلمين. ثم إن المنظومة العقدية والفكرية والتربوية والفقهية لدى السنة، تشكلت في عهد النبوة، وبفهم الصحابة رضي الله عنهم، ولذلك فإن من جاء بعدهم من التابعين وأتباع التابعين يرون أنفسهم داخل هذه المنظومة وفي إطارها. هذا الشعور بالأصالة عند أهل السنة يطرد الهواجس، ويُطمئن النفس بالمنهج، ويرسخ الثقة بالاسلاف، ولذلك ترى الانتماء عند أهل السنة طبيعي على قاعدة (نحن نحن) بدون عقد نفسية من الانتماء. 

الشيعة لا ينكرون أن الوجود الشيعي كان شبه معدوم من الناحية البشرية وقت النبوة والصحابة، ولم يتبنى التشيع إلا عدد قليل جدا من الصحابة (اقل من عشرة) الذين يسمونهم المنتجبين(١). وحتى بعد الصحابة لم يتشكل الشيعة في مجتمعات ظاهرة ولا مؤسسات سياسية، بل إن بنيتهم الاجتماعية بقيت رهينة الجيوب الخاصة، ولم تجد طريقها لبناء سياسي وهيمنة سلطوية، إلا في حالات استثنائية في التاريخ، لا تمثل السياق العام زمانا ولا مكانا ولا عددا(٢). وحتى على المستوى العقائدي الشرعي، يقر الشيعة بأن التشيع بمفهومه الإثناعشري، لم يبدأ في التشكل كمذهب عقدي واضح، إلا بعد قرن ونصف من الهجرة، ولم يكتمل إلا بعد  ثلاثة قرون(3). 

النتيجة: نفسية الأقلية والتعلق بالمهدي
لهذا السبب يعترف الشيعة في أدبياتهم بأن السنة هم الأصل، وأن الشيعة استثناء إلى درجة انهم يسمون السنة (العامّة) (٤) أي عامة الناس، بمعنى أنهم هم الخاصة (الأقلية). ولذلك يعيش الشيعة هاجس السنة في كتاباتهم وفي نظرتهم للتاريخ، وفي حياتهم الاجتماعية وفي حياتهم السياسية وفي تربيتهم الشخصية. وفي جولة سريعة في كتابات الشيعة الفقهية والعقدية والاجتماعية القديمة والحديثة، يلاحظ القارئ عمق الهاجس بالسنة أو "المخالفين"(٥). ولأن التاريخ أثبت أن قَدَر الشيعة هو الأقلية ولا يمكن بالمقاييس التاريخية الراهنة أن يسود الشيعة، فلا توجد وسيلة لتغيير هذا القدر المحتوم، إلا أن تكون قفزة فوق التاريخ، تحول الشيعة فجأة من أقلية مغمورة لأغلبية مهيمنة. ولا يحقق مثل هذه القفزة إلا شخصية خيالية، تخترق الثوابت التاريخية، وتمثل مخرجا إعجازيا من المجتمع المحدود، إلى الهيمنة الكاملة. وهذا ما يجعل إنجازات المهدي في أدبيات الشيعة مرتبطة بهذه العقدة، فهي معظمها تمكين للشيعة وتحويلهم لأغلبية، وسحق الأغلبية الحالية (السنة) لأنهم أعداء آل البيت، وليست لسلطة الإسلام في الأرض.(6)

النجاح والفشل والتعويض بالمهدوية
تعتبر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم عند السنة أنجح الدعوات في التاريخ، تربويا وحضاريا واجتماعيا وسياسيا، وكل ما حصل فيها هو مما يقتدى به. وكذا سيرة الخلفاء الراشدين التي كانت نجاحا في القضاء على الردة، وفي فتح الفتوح وتنظيم شؤون الدولة وغيرها من الإنجازات. وحتى بعد الخلافة الراشدة، ينظر السنة  للجوانب الإيجابية في فترة الدولة الأموية والعباسية والعثمانية والمماليك، في علو شأن المسلمين وبسط هيمنة الإسلام على رقعة واسعة من العالم. 

الشيعة من جهتهم لا يعترفون بهذه النجاحات، لأن النجاح عندهم مرتبط فقط بمدى تمكين الأئمة. واول فشل عندهم هو فشل النبي عليه الصلاة والسلام (حاشاه) في التربية، حيث لم تنتج تربيته إلا مجتمعا من المتآمرين على إقصاء حق الأئمة (٧). وما دام الصحابة تمالؤا على إقصاء علي بن أبي طالب ثلاث مرات، فهذا فشل تاريخي آخر في حياة الخلفاء الراشدين. وحتى تولي علي الخلافة لم يكن نجاحا بالطريقة التي يفترضونها، بل كان تمكينا ناقصا ولم يحقق التخلص من الذين خذلوه. أما ما حصل بعد ذلك من خلافة الأمويين والعباسيين، فقد كان فشلا أعظم، بل كارثة حلت بالأمة طبقا لحساباتهم، ولا قيمة لكل ما قدمه الخلفاء حتى العادلين منهم ما داموا لم يمكنوا لآل البيت(٨).

النتيجة: اللجوء إلى حل خارق للسنن الكونية والنواميس التاريخية
ما دامت التجربة التاريخية أثبتت أنه حتى القيادة والتربية النبوية لم تنجح، ولم يتحقق التمكين لآل البيت على مدى قرون طويلة فما هو المخرج ؟ المخرج هو نفس مخرج إشكالية الأقلية، وذلك بتغيير قواعد التاريخ بقدرات خارقة وتصورات إعجازية، بشخصية المهدي الأسطورية، وطريقة خروجه التي تخالف قوانين الكون ونواميس الحياة. ولذلك تجد في أدبياتهم مبالغات في تمكين المهدي، وسيطرته المطلقة، وشفاء غليلهم في الصحابة بإحيائهم والانتقام منهم(٩). هذه الحكايات التي لا تتفق مع سنن التاريخ، وتناقض مسيرة الحركة البشرية، لا يمكن تفسير اللجوء إليها إلا كبواعث نفسية، للتعويض عما يرونه فشلا متتابعا، على مدى قرون طويلة في تمكين الأئمة، وحلا إعجازيا في تحويل الفشل إلى نجاح.

التاريخ الإسلامي فخر السنة ومصائب الشيعة 
في نظرتهم للتاريخ، يعتقد أهل السنة أن البعثة والهجرة، وغزوات النبي صلى الله عليه وسلم، وفتح مكة، ثم ما حصل في حكم الخلفاء الراشدين، المثل الأعلى في التاريخ والنموذج الأمثل للافتخار. وشعور السنة بذلك طبيعي، لأن الصحابة رموزهم التي يفتخرون بها، ونماذجهم العظيمة التي لا يتفوق عليها أي نموذج في التاريخ. أما ما جرى بعد ذلك في التاريخ الإسلامي، خاصة في الدولة الأموية والعباسية والمماليك والعثمانيين، فيفتخرون بما فيه من الفتوحات والانتصارات، ولا يقرّون ما حصل من ظلم واستبداد وفساد، لكن لا يعيشون هاجسه ومن ثم لا يعانون من عقدة في الانتماء.

في المقابل لا يمثل هذا التاريخ للشيعة أي فخر، لأن هذه الأمجاد إنما هي إنجازات الذين ظلموا آل البيت، واقصوهم، وقتلوا بعضهم، ومن ثم فالافتخار بهذه الإنجازات، هو بالضرورة افتخار بالأعداء(١٠). ولذلك يجد الشيعة أنفسهم أمام فراغ تاريخي كبير، يمتد لمئات السنين، لا تشكل فيه هذه الأمجاد شيئا. والأمم بطبعها لا تقبل خلو تاريخها من الأمجاد(١١)، خاصة إذا كانت تمتد لمئات السنين، فكيف حل الشيعة هذه المشكلة النفسية؟

النتيجة: تضخيم تاريخ آل البيت ومآثرهم وجرائم لخصومهم
الحل هو في محاولة تعويضية لتعبئة هذا الفراغ في الانتماء التاريخي، وذلك بتضخيم وتهويل قصص أهل البيت، وما تعرضوا له من ابتلاء ومظالم، والإسهاب والإطناب في ذكر التفاصيل الدقيقة التي تكاد تشبه الروايات القصصية المعدة للتمثيل والافلام(١٢). ولذا فإن المعالم الهامة في التاريخ، عندهم محدودة في قصة غدير خم، وحادثة السقيفة، ومعركة الجمل، وصفين، وذروة التاريخ كله هي فيما حصل للحسين رضي الله عنه. والوصف التفصيلي الدقيق لما حصل لآل البيت، يفوق تفاصيل السيرة النبوية والأحداث المفصلية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث عن مآثر وشجاعة وقدرات الأئمة الاثني عشر، يفوق مآثر أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.  وفي المقابل تمتليء الأدبيات بحكايات الجرائم المنسوبة لخصومهم، التي تضاهي في حجمها ما يتداوله السنة عن مآثر نفس الشخصيات. ولأن هذه الروايات ناتجة عن حالة نفسية للتعويض وليست حقيقية، فبالطبع لن يكون لها إسناد أصلا أو يكون إسنادها متهالكا، لا يُعتمد عليه في الرواية. (١٣)

أداء حق آل البيت والتقصير في حقهم
يتعامل السنة مع آل البيت تبعا لما ورد لديهم، من وجوب مودتهم، والصلاة عليهم، وأداء حقهم من بيت المال، ولا يعتقدون أن لهم حقا خاصا في الولاية ولا الإمامة. ويقر أهل السنة بما حصل لبعض آل البيت من مظالم، لكنهم لا يعيشون هذا الهاجس، ولا يعتقدون أن آل البيت تم استهدافهم قصدا بالإقصاء والقتل أو الاغتيال. بل إن أهل السنة يعتقدون أن مظالم آل البيت كانت استثناء في التاريخ الإسلامي، وأنهم في الجملة كانوا مقدرين محترمين، قد أُمنّت حقوقهم من قبل الأمة ومن قبل الحكام.

أما الشيعة فيعتقدون أن الظلم والإقصاء والقتل والكيد والتآمر، هو قدر آل البيت، وأن الشيعة ذاتهم قصروا في حقهم ولم يساهموا في تمكينهم في الإمامة بشكلها الكامل، ولم يحموهم كما ينبغي(١٤). وحتى علي بن أبي طالب وهو الإمام الوحيد الذي تمكن سياسيا بسلطة، لم يتمكن إلا بعد ثلاثة خلفاء، بل إن وصوله للحكم لم يكن بجهد من الشيعة، بل ببيعة الصحابة رضي الله عنهم (١٥). لكن تقصيرهم الأعظم كان مع الحسين بن علي رضي الله عنه، والذي يعتبرون خذلانه أكبر خذلان في التاريخ.

النتيجة : تعذيب النفس والعيش بعقدة الذنب
يعالج الشيعة هذه المشكلة بطقوس تعذيب النفس، بأشكال مختلفة ليس أقلها اللطم، وضرب الجسد بالحديد، وجرح الرؤوس بالسيوف، وتقطيع الجلد بالسكاكين ..إلخ. وهم يستمتعون بهذا التعذيب، ويجدون فيه إشباعا بسبب قوة مشاعر المسؤولية بالتقصير التي تنتابهم تجاه الحسين. كما إن أدبياتهم مليئة بعقدة الذنب، وتحميل أنفسهم مسؤولية ما أصاب الحسين، والتي توجد على شكل روايات كثيرة. ويجتهد الشيعة في مجالس العزاء الحسيني بالبكاء والنحيب، ويطيلون البقاء لاستماع التفاصيل الدقيقة عن اللحظات الأخيرة في حياة الحسين، حتى تكون بمثابة إخراج لما في الباطن، من لوم للذات، وتقريع للنفس، على الخذلان والتقصير في حق الحسين، بطريقة شبيهة في تعامل النصارى مع قصة صلب المسيح.(١٦)

السنة والشيعة من يحتوي ومن يُقصي؟
ليس عند السنة مشكلة مع علي والحسن والحسين رضي الله عنهم، بل يعتبرونهم مشهود لهم بالجنة ومن كبار الصحابة، ويتعبدون الله بحبهم، ولذلك فإن موقف السنة من الشيعة لايخضع لأي إسقاط مرتبط بالموقف من هؤلاء. وقد ثبت في التاريخ أن السنة الذين كان التمكين من نصيبهم في معظم فترات التاريخ الإسلامي، لديهم القدرة على استيعاب الشيعة لأنهم لا يعيشون عقدة بغض للأئمة، ولا هاجس الشيعة، ومن ثم لا يستهدفونهم كطائفة إلا إذا في حالات الاستفزاز. 

أما الشيعة، فيعتبرون الصحابة متآمرين  في استبعاد علي بن ابي طالب، وبما أن السنة يعظمون الخلفاء الثلاثة، فإن كل السنة ورثة لمسئولية هذه الجريمة. وعلى نفس المنوال لأن السنة يعترفون في الجملة بخلافة بني أمية وبني العباس، فإن كافة السنة في القديم والحديث، يرثون مسئولية ما أصاب الأئمة الإثني عشر من أذى في العهدين الأموي والعباسي، خاصة الحسين رضي الله عنه. 

النتيجة : حقد ورغبة بالانتقام وعجز عن الاحتواء 
هذا الموقف، يصنع نتيجة تلقائية، هي حقد الشيعة على كل من يعتبر نفسه امتدادا للصحابة والتابعين وخلفاء بني أمية وبني العباس، وبهذا لا يستطيع الشيعي من الناحية النفسية، تفادي الحقد على السني، لأنه يرى فيه هذا الامتداد للمسئولية تجاه ما حصل لآل البيت. هذا الحقد يترجم بنزعة طبيعية للانتقام من السنة، تفسر ما يصيب السنة من أذى كلما توفر للشيعة سلطة أو فرصة. ولهذا السبب لا يمكن أن تشتمل النفسية الشيعية على استيعاب السنة، ويصعب تصور سلطة تدار من قبل الشيعة قادرة على استيعاب السنة. ولذلك فإن استهداف السنة بالاعتقال والتعذيب والقتل والاغتصاب في العراق مثلا، لم يكن تصرفا متكلفا أو مرتبطا بثارات من آثار حكم صدام، بل هو تصرف طبيعي مرتبط بهذه الإسقاطات النفسية عندهم. (١٧)

الصحابة وكتب الحديث والبديل 
يثق السنة بعدالة الصحابة ويثقون بمنهجية أهل الحديث في الرواية والتصحيح والتضعيف، ويتعامل السنة بطمأنينة وارتياح للكتب التي اتفق أئمة الحديث على صحتها مثل البخاري ومسلم، كما يتعاملون بثقة بالأسس التي يحكم بها على ما جاء في الكتب الأخرى، ويعتمدون عليها دون وساوس ولا شكوك. 
أما الشيعة، فحتى الذين يتحاشون تكفير وتخوين الصحابة، يقرون بعدم الاعتراف بعدالتهم ورفض رواياتهم، وتبعا لذلك لا يقبلون بكتب الحديث السنية. وبدلا من ذلك يعتمد الشيعة على (الكتب الثمانية) (١٨) المروية عن الأئمة، والتي نقلها عنهم اصحاب الأئمة، ولا يشكل فيها المروي عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا نسبة لا تذكر. هذه الكتب لم تكن خاضعة لقواعد محددة في التصحيح والتضعيف، ويكفي زعم المؤلف صحة رواياته كشهادة عن صحتها(١٩). ولم يبدأ النظر في الأسانيد وعلم الرجال، إلا بعد القرن التاسع الهجري أي بعد آخر الأئمة بـ ٦٥٠عام . (٢٠)

النتيجة : الخيالات الجامحة بدلا من المنطق والشمول
عدم المبالاة بالأسانيد، وعدم التدقيق في موافقة المتن لصريح القرآن، والمنطق البشري الطبيعي، جعل تلاوة الروايات الصادرة من خيال المتحدث أو الكاتب، أمرا سهلا ما دامت الروايات الأصلية التي بني عليها المذهب غير خاضعة للتدقيق. وهذا يفسر كثرة القصص الغارقة في الخرافة التي نراها قد ملأت اليوتيوب حاليا، لأنه لا توجد مقاييس تحكم على دقة هذا المتحدث فيسترخي في خيالاته. والحقيقة فإن هذه الخيالات الجامحة، حل مفيد لمشكلة خلو الروايات الشيعية من محتوى مقنع، منطقا وشمولا، فيكون التحليق العاطفي بالجمهور بديلا. (٢١)


تعويض الروحانية بالطقوس الشكلية 
نظرا لأن الدين عند أهل السنة مرتبط بعلاقة العبد بربه دون أي هواجس أو قضايا جانبية، فإن القرب من الله والتلذذ بالعبادة والتمتع بالروحانية، يتم بالحرص على النوافل التي تقرب إليه، وخاصة قراءة القرآن وقيام الليل. وكل سني يستطيع أداء ذلك كفرد أو جماعة، وليس بحاجة لطقوس معينة أو وسائل خاصة يتقرب فيها لله. 

أما عند الشيعة فلا تخلو كتبهم من الحث على قيام الليل وقراءة القرآن، لكن الزخم العام للتربية الروحية ليس مرتبطا بالاهتمام بذلك، بل ملتصق جدا بما له علاقة بآل البيت. والنصوص في الكتب الشيعية تحشر آل البيت في كل شيء، سواء في مخاطبة الله سبحانه، أو في العلاقة مع بقية الكائنات الحية وغير الحية، أو مع الجن والملائكة، أو في تفسير الظواهر الطبيعية والأحاسيس البشرية. 

النتيجة : طقوس الروحانية كلها مرتبطة بآل البيت
لهذا السبب فإن البديل عند الشيعة في التلذذ بالعبادة، هو حضور جلسات العزاء سواء للحسين أو للائمة الآخرين، والتطويل في حكاية قتل الحسين وصياغتها بطريقة تفاعلية مع الجمهور، بطريقة تجعل لها متعة روحية هائلة عند الشيعة. شكل آخر من أشكال المتعة الروحية، هو زيارة أضرحة الأئمة بطقوس ومراسيم معينة، ولكل ضريح زيارة خاصة وبرنامج وأدعية خاصة. شكل ثالث من أشكال المتعة الروحية، هو الإكثار من المناسبات الدينية المرتبطة بآل البيت. ولهذا فميلاد كل إمام ووفاته وأربعينيته، لها قدسية توفر أكثر من ٣٠ فرصة سنويا للشيعة، بالتمتع بشيء من الطقوس الروحية التي يتسابقون في اختراع الأساليب المناسبة للتعبير عنها. (٢٢)

الاخلاق بين المسؤولية والتقية
يتعامل السنة مع الأمانة والصدق والوفاء، تعاملا مجردا خاضعا للخوف من الله، والمسئولية في الحذر من صفات المنافقين، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان. ويؤمن السنة بوجود هامش للتورية، وهامش آخر للتقية، وهامش ثالث للتحايل الشرعي، ورابع للمكر بالأعداء، لكنهم يعتبرون هذه الهوامش استثناء، ويضعونها في سياقها المحدود والخاص.  

الشيعة من طرفهم يتبنون التقية كأساس في التعامل لا كاستثناء، كما تدل على ذلك مروياتهم، التي تشير إلى كثير من مواقف الأئمة المبررة بالتقية، والمتعارضة مع شجاعتهم، ورباطة جأشهم. والتقية عند الشيعة ليست للاضطرار ولا للخوف، بل هي مستحبة على كل حال، حتى لو أمن الشيعي الضرر. الأخطر من ذلك، أن كثيرا من المرويات ليس فيها دليل على اقتصار التقية مع الأعداء أو المخالفين، بل هي روايات عامة عن مشروعية التقية هكذا. (٢٣)

النتيجة : القابلية للشك بالآخرين والتوسع في المعاذير
من الطبيعي أن يستحضر الفرد الشيعي في معاملاته، ممارسة الأئمة المعصومين للتقية باستمرار في تعاملاتهم، ويتذكر حثهم عليها، واعتبارها أصلا عظيما في الدين. فإذا كان الإمام المعصوم المؤيد من عند الله غارقا في التقية إلى شحمة أذنيه، فما الذي يمنع الشيعي الضعيف غير المعصوم من استخدامها؟ هذا الاستحضار الذي يخترق اللاشعور، يدفع الشيعي لأن يلجأ للتقية حتى في حياته العادية ومع بني مذهبه، خاصة وأن المرويات لا تقصر استخدام التقية مع المخالفين. هذه الممارسة تفتح الباب بقوة لانتشار الشك وسوء الظن في المجتمعات الشيعية، لأن كل فرد يعتقد أن الثاني يفكر ويتعامل بنفس طريقته وفهمه. وفي بعض المجتمعات الشيعية، تنتشر هذه الظاهرة لدرجة أنهم يثقون بالسنة أكثر من ثقتهم ببني مذهبهم، خاصة في قضايا الأموال والأعراض. (٢٤)

أخيرا 
فهذا جهد ذهني تقديري ليس فيه استقصاء ولا شمول ويمكن بالعمل على غراره التعرف على حالات نفسية أخرى لدى الطائفتين والله أعلم.

-----------------------------------------------------------------------

(١) الصحابة المنتجبون قيل 3 وقيل 4 وقيل 7 وقيل أكثر، جاء في كتب الشيعة أن كل الصحابة خانوا العهد وارتدوا إلا هؤلاء. والروايات الشيعية في تحديد عدد الصحابة المنتجبين كثيرة منها ما رواه الكلیني عن الباقر قوله: " المھاجرون والأنصار ذھبوا إلا ـ وأشار بیده ـ ثلاثة". (الكافي ٢/٢٤٤). وراجع كذلك الاختيار في معرفة الرجال للكشي (ص ٥-١٠).

(٢) تمكن الشيعة أيام الدولة الفاطمية في مصر والدولة الصفوية في فارس كسلطة كاملة، أما تمكنهم أيام بني بويه في خلافة العباسيين، فقد كانت أقرب للوزارة من السلطة الكاملة تحت ظلال الخليفة العباسي. 

(٣) لم يبدأ التشيع يأخذ مذهبا واضحا مستقلا، إلا بعد ظهور جعفر الصادق المتوفي ١٤٨ هـ، ولم يكتمل تشكل المذهب فكريا إلا بظهور الكتب الأربعة الأولى، وعلى رأسها الكافي الذي الفه الكليني المتوفي ٣٢٩ هـ.

(٤) استخدام لفظة "العامة" في الإشارة لاهل السنة جاء مبكرا جدا، حيث ينسب في كتب الشيعة لجعفر الصادق في أحاديث الكليني. 
وفيه عبارة "قال: ما خالف العامّة ففيه الرشاد." الكافي - الشيخ الكليني - ج ١ - الصفحة ٦٨.

(٥) (٦) عبارة تلخص ما ذكرناه عن نفسية الأقلية، وانتظار المهدي جاءت في كتاب بحار الأنوار للمجلسي حيث يقول "بل يظهر من كثير من الروايات أن المخالفين في حكم المشركين والكفار في جميع الأحكام، لكن أجرى الله في زمان الهدنة حكم المسلمين عليهم في الدنيا رحمة للشيعة، لعلمه باستيلاء المخالفين، واحتياج الشيعة إلى معاشرتهم، ومناكحتهم، ومؤاكلتهم، فإذا ظهر القائم عليه السلام، أجرى عليهم حكم المشركين والكفار في جميع الأمور" بحار الأنوار ١٦/٦٦.

(٧) اتهام النبي عليه الصلاة والسلام بالفشل (حاشاه)، مبثوب بشكل ضمني في كل كتب الشيعة، لكن لم أطلع على تصريح بكلمة فشل، إلا عند الخميني في خطبة ألقاها بمناسبة ذكرى مولد المهدي في ١٥/شعبان /١٤٠٠ هـ قال (( لقد جاء الأنبياء جميعا من أجل إرساء قواعد العدالة في العالم، لكنهم لم ينجحوا، حتى النبي محمد خاتم الأنبياء الذي جاء لإصلاح البشرية وتنفيذ العدالة، لم ينجح في ذلك )) (نهج خميني ص٤٦).

(٨) نموذج لتعامل الشيعة مع العهد الأموي والعباسي كتاب : ( أضواء على عقائد الشيعة الإمامية وتاريخهم، تأليف : آية الله جعفر السبحاني ) اضغط على الفصلين المخصصين للتاريخ الأموي والعباسي إضغط هنا.

(٩) من نماذج ذلك، ما ينقله المجلسي عن جعفر الصادق زعمه تفاصيل خروج المهدي، ونبش قبري أبي بكر وعمر وإحيائهما، ثم يحاكمهما على ما يزعم من الجرائم فيقول"كل ذلك يعدده عليهما و يلزمهما إياه فيعترفان به، ثم يأمر بهما فيقتص منهما في ذلك الوقت بمظالم من حضر، ثم يصلبهما على الشجرة، و يأمر نارا تخرج من الأرض فتحرقهما والشجرة، ثم يأمر ريحا فتنسفهما فِي الْيَمِّ نَسْفاً" بحارالأنوار ج : ٥٣ ص : ١٢.

(١٠) روايات الشيعة المعتبرة، تتعامل مع أبي بكر وعمر وعثمان كأعداء، ومن يزعم غير ذلك من الشيعة مضطر لأن ينكر الإمامة، لأن من يؤمن بالإمامة بصدق، لا بد أن يعتبرهم أعداء وخونة ومرتدين، كونهم تآمروا على إنكار تعهدهم للنبي صلى الله عليه وسلم بإمامة علي. أما خلفاء بني أمية وبني العباس، فعدائهم صريح ولا يبذل الشيعة أي جهد في إخفائه.

(١١) الافتخار بأمجاد الأسلاف طبع بشري شائع في كل المجتمعات حتى البدائية منها، ويتشكل ذلك إما في الأغاني والفلكلور، أو في الكتابات والأعياد، أو في أي مظهر آخر. 

(١٢) يروي الشيعة كل ما دار في موقعة كربلاء بتفاصيله المزعومة، والتي تملأ مئات الصفحات من الحوار المسهب، وعادة ما يجري تمثيله حقيقة في مجالس العزاء أمام الجمهور. والتفاصيل في هذا الفيلم المصور ليست خيالات كاتب سيناريو، بل هي مدونة في كتبهم يزعمون أنها حدثت هكذا بتفاصيلها، إضغط هنا.

(١٣) لا يثبت من تفاصيل موقعة كربلاء بأسانيد صحيحة إلا أقل من ٥٪ من الروايات مما هو ثابت في كتب السنة، وأما الباقي فهو إما بأسانيد متهافتة، أو بدون أسانيد، هكذا يروى معلقا. 

(١٤) مظلومية آل البيت لم تكن قضية رصدت عن طريق الملاحظة بعد مرور الزمن، بل إن روايات الشيعة تتحدث عنها كقدر محتوم قبل ظهور المهدي، حيث ينقل نهج البلاغة عن الباقر قوله في حديث طويل "ثم لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام، ونقصى ونمتهن، ونحرم ونقتل، ونخاف، ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا … الخ".

(١٥) روي عن الباقر إجابته عن سؤال لماذا لم يتحرك جده علي بن أبي طالب، فكان مما قال "فما بال أمير المؤمنين عليه السلام قعد عن حقّه حيث لم يجد ناصراً، أو لم تسمع الله تعالى يقول في قصّة لوط عليه السلام : قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، وفي حكاية عن نوح فدعا ربه أني مغلوب فانتصر، ويقول في قصة موسى قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين، فإذا كان النبي هكذا فالوصي أعذر. يا جابر مثل الإمام مثل الكعبة يؤتى ولا يأتي".
كفاية الأثر / الخزاز : ٢٤٧ وبحار الأنوار ج ٣٦  ص ٣٥٧.

(١٦) التشابه بين الشيعة والنصارى، لا يقف عند تشبيه قتل الحسين بصلب المسيح، بل هناك تشابه في أمور كثيرة، مثل تشابه تراتيب الحوزة مع سلم الكرادلة، وتشابه تقديس مريم وتقديس فاطمة، و ١٢ إمام مع ١٢ حواري، وتشابه في كثرة المناسبات الدينية، وتشابه في تصوير المسيح والحواريين في الكنائس، مقابل تصوير علي والحسين في الحسينيات، وتشابه في تقسيم الناس لمجتهد ومقلد عند الشيعة، مع تقسيمهم لقسيس وعامي عند المسيحيين. كل هذه التشابهات ليست موجودة عند السنة.

(١٧) هذا الإسقاط يفسر قدرة السنة على استيعاب الشيعة على مدى قرون كثيرة في العراق، حين كانوا هم المسيطرين على الوضع، وفي المقابل عجز الشيعة أن يستوعبوا السنة ولو لسنوات محدودة. والخطف والاعتقال والتعذيب والاغتيالات والمذابح التي تعرض لها السنة قبل وخلال الحرب الأخيرة، تصرف متوقع بسبب هذا الإسقاط. 


(١٨) عمدة المذهب الشيعي على ثمانية كتب منها الأربعة القديمة والأربعة المتأخرة .
الاربعة القديمة هي :
- "الكافي" لمحمد بن يعقوب الكليني توفي ٣٢٩هـ.
- "من لا يحضره الفقيه" للصدوق محمد بن بابويه القمي توفي ٣٨١هـ.
- "تهذيب الأحكام" لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي توفي ٣٦٠ هـ.
- "الاستبصار" للطوسي أيضا.

والأربعة المتأخرة هي :
- "الوافي" لمحمد بن مرتضى الكاشاني توفي ١٠٩١ هـ.
- "بحار الأنوار الجامعة لددر أخبار الأئمة الأطهار" لمحمد بن باقر المجلسي توفي ١١١١هـ.
- "وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة" لمحمد بن الحسن الحر العاملي توفي ١١٠٤هـ. 
- "مستدرك الوسائل" لحسين النوري الطبرسي توفي ١٣٢٠هـ.

(١٩) لو طبق منهج التصحيح والتضعيف عند أهل السنة على الروايات الشيعية بكل تجرد، لن يصمد أكثر من واحد بالمئة من روايات الكتب الثمانية، وهذا الاعتقاد يحمله كثير من علماء الشيعة:
ويقول شيخ الطائفة الطوسي: "إن أحاديث أصحابنا فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد، حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا، وتطرقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا" تهذيب الأحكام ١\٢. وينقل صاحب رجال الكشي، عن جعفر الصادق في ترجمة جابر بن يزيد الجعفي، الذي روى ٧٠ ألف حديث عن الباقر، ١٤٠ ألف حديث عن غيره، معظمها عن جعفر نفسه ؟ يقول : "والله ما رأيته عند أبي قط إلا مرة واحدة وما دخل علي قط". رجال الكشي الجزء ٣ صفحة ١٩١.. ومع ذلك يوثقه الكشي ويثق برواياته.

(٢٠) أول من بدأ النظر في التصحيح والتضعيف وعلم الرجال، هو زين الدين العاملي المتوفي ٩٦٥هـ ، ومع ذلك فهو لا يقترب فضلا عن أن يشبه طريقة أهل السنة. وبعد ذلك ظهرت المدرسة الأصولية بعد ١٢٠٠هـ، وتوسعت أكثر من التدقيق في الإسناد إلى استخدام المنطق كبديل عن كثير من الروايات التي يستحيل تصديقها للعقل السليم. 

(٢١) من ضرورات نجاح التحليق العاطفي بالجمهور، أن يكون لدى المتحدث صوت جيد وقدرة على الإلقاء الملحن بما يشبه المقامات الحزينة، ولا يكفي أن يكون عالما وقادرا على الحديث.

(٢٢) مناسبات الشيعة لا يكفي فيها التعبد الفردي بل لا بد من حضور نشاط ديني محدد بقيادة أحد المجتهدين، أو "الرادودين" لإحيائها وتحويلها لنشاط احتفالي بمهرجان حزن أو بكاء حسب الحالة. كما أن الأضرحة لها سدنتها ومطوفوها، ولكل ضريح مطبوعات بأدعية خاصة لكل ضريح. 

(٢٣) المرويات عن التقية عند الشيعة، ترفع التقية إلى جعلها ركنا من أركان الدين، وليس مجرد رخصة تنفعه عند الضرورة، تأمل هذه الأقوال المنسوبة للأئمة: 
"التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له". 
"لو قلت إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا". 
"ليس منا من لم يلزم التقية ويصوننا عن سفلة الرعية". 
"التقية من أفضل أعمال المؤمن يصون بها نفسه وإخوانه عن الفاجرين".
وقد نص بن بابوية القمي، على أنها واجبة فقال "والتقيَّةُ واجبة، لا يجوز رفعها إلى أن يَخْرج القائم، فمن تركها قبل خروجه، فقد خرج عن دين الله تعالى، وعن دين الإماميَّة، وخالف الله ورسوله والأئمة" الاعتقادات ١١٤.
راجع كتاب التقية في الفكر الإسلامي، إصدار مؤسسة الرسالة ص ٧٤ وما بعدها، إضغط هنا.

(٢٤) يتوسع مفهوم التقية عند الشيعة بسبب مرونته الفائقة، حتى يصل لمرحلة الميكافيلية (الغاية تبرر الوسيلة)، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة. وهذا ما جعل إيران مثلا تتعامل مع التحديات الإقليمية والعالمية في كثير من الأحيان، بطريقة فيها تغليب للمصلحة على المبادئ، والسبب هو أن المبدأ نفسه يجيز تغليب المصلحة اعتمادا على مبدأ التقية. وهذا هو نفس تفسير طريقة تصرف القيادة العراقية الملتزمة شيعيا، وذلك بالرضا بالتعامل مع الاحتلال إلى آخر مدى ضد السنة، واعتبار من يقاتل الاحتلال إرهابيين. وقد أشرت إلى هذه النقطة في مقال سابق في صحيفة التقرير (إيران الثورة.. مع أو ضد أمريكا؟) إضغط هنا.