الخميس، 25 يوليو 2013

المقاطعة الإحتجاج الصامت


المقاطعة الاحتجاج الصامت :
ظهر هذه الأيام هاشتاق نشط في تويتر يدعو لمقاطعة مغرد ، لم يتوافق في تغريداته مع أنشط هاشتاق يمس شريحة كبيرة من الناس ، شارك فيه كبار الكتاب والمغردين من شتى التوجهات والآراء .
النظرة جميلة جداً حين نعلم أن من الأسلحة المتميزة والقوية وذات التأثير العالي ، سلاح المقاطعة ، والذي يحق أن يسمى في بعض مراحله الاحتجاج الصامت أو السلبي .
يتوافق مع المقاطعة أعمال سلبية كثيرة في سبيل التغيير ، لا تتوقف عند حد معين ، فغاندي مثلاً مارس المعارضة السلبية للاستعمار الإنجليزي على بلاده ، ونتج عن ذلك تأثير عميق على الهند ذات العدد الرهيب من السكان والمساحة الشاسعة والتنوع الملاحظ .
في الإرث الإسلامي بعض اللمحات عن المقاطعة ، فمثلاً قاطع النبي صلي الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا ، وثمامة بن آثال قاطع التجارة مع قريش حتى يأذن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين شكى له الناس غلاء اللحم قال لهم أرخصوه أنتم .
وعند النظر للمقاطعات الشعبية السابقة التي لم تتحرك بدوافع سياسية أو ترتيبات حزبية ، نجد أن مقاطعة الدنمارك بعد الصور المسيئة من أروع الأمثلة في المقاطعة الاقتصادية ، كون البديل متوفر وبكثرة .
هذا ما أريد الحديث عنه حين الإعلان عن استخدام هذا الفن في العمل السلمي الجماعي ، سواءً اقتصادياً أو لأي سبب كان ، يجب توفر البديل ، فالناس في النهاية تخضع لحاجاتها ، والمراهنة على العاطفة في كل عمل أمر غير صحيح .
ثم يجب أن يُعلم أن المقاطعة لا تتم على كل شيء ، فهناك أشياء يستحيل أن تقاطع ، مثلاً يأتيك من ينتقد وزارة التعليم ويقول نقاطعها ، هذا الأمر مرفوض جملةً وتفصيلاً كون الأمر المراد مقاطعته غير داخلٍ في مجال المقاطعة أصلاً ، بل يجب استخدام وسائل أخرى .
يتحدث الدكتور النفيسي في إحدى مقابلاته عن تطور العمل المجتمعي السلمي في الغرب ، أن طفلة صغيرة طرقت عليه الباب وهو في بريطانيا ، وقالت له سيدي نحن سكان الحي ، نشتكي من صاحب البقالة وتلاعبه بالأسعار ، فهل تنضم لنا في مقاطعته حتى يعيد الأسعار كما كانت .
وافق الدكتور في الانضمام ، ونقل التجربة لنا بإعجاب ، فحتى أهل الحي الصغير لا تستطيع استغلالهم وأنت من يقدم لهم الحاجات الضرورية اليومية .
وهناك أمثلة كثيرة على المستوى الشخصي قد لا تتسع المساحة لذكرها ، ويمكن طرحها في وقت أخر ، في الختام أريد التأكيد على أن من يرد المقاطعة يجب أن يوفر مع البديل وقتاً تنتهي به هذه المقاطعة ، أو تتوقف عند زوال داعيها .

الثلاثاء، 23 يوليو 2013

عندما تتساقط الأقنعة


العدالة لا تتنافى مع الحرية :
تتساقط الأقنعة الورقية هشة التركيب والبنية في وجوهٍ تتشدق بمبادىء لا تعيها حقيقةً ، صنفان من الناس سقطا حديثاً مع الأسف ، وأقول مع الأسف لأنهم من النخب إن جاز التقسيم للنخبة و العامة ـ رغم التحفظ ـ ، صنف طالما تشدق بالدين والتدين وحماية مقاصد الشريعة ، وصنفٌ طالما تقعر وتنطع بالحقوق والحريات ، وعند أصغر موقف تسقط هذه المبادىء مع الأسف .
إن لم يكن ما تقتنعه مبدأً لديك، أو أنك لم تتشرب الفكرة كاملةً فلا ضير ، لأن الفهم كالأرزاق يهبه الله لمن يشاء ، لكن الأخلاق والشهامة والمروءة ، لا تتعذر بها ، فبمجرد أن تشمت بسجن الدكتورين سبب كبير للقدح في أخلاق الشهامة ، وخارم للمروءة على رأي الفقهاء ، ولا يوجد لذلك تبرير إلا الحقد والفجور في الخصومة إن وجدت ، مع أن الكثيرين ممن هللوا وكبروا لا يعرفهما الدكتوران فيما أعلم .
تتفق مع العريفي والعواجي أو تختلف فهذا شأن ، يجوز فيه الكثير ، أما أن تبارك وتهلل السجن من أول لحظة فهذا شأن آخر لا علاقة له بالاختلاف .
لست من متابعيهم ولا أعلم عن أخبارهم شيئاً ، ولي تحفظات معينة ، ولكن يبقى عرفاني لهما أنهم ممن تحدث في المعتقلين في سجون المباحث وسعى فيهم ، سعي المجتهد المعذور ، أعجبني السعي أم لم يعجبني يبقى جهداً مشكوراً لهما ، نعرف حجمه عندما كنا في السجن ، ولم نجد من يتحدث عنا في المجالس فضلاً عن الأماكن العامة موصلاً صوتنا للخارج .
قالوا أنهم سعوا لأمر في أنفسهم ، وهل نحن آلهة ننظر في النوايا ، يكفينا الفعل والقول ، أما أعمال القلوب فهي من اختصاص الله سبحانه وتعالى .
و كان العريفي قد سعى مع الشيخ ناصر العمر أطال الله عمره على الطاعة ، في ملف السجناء السياسين أو موقوفي سجن المباحث ، أذكرها وأعرفها عندما كنت هناك ، كان له صدىً جميلاً عند المساجين وإحساساً رائعاً لا يعرفه إلا من جربه .
قالوا أنهم تمنوا السجن لحمزة وغيره من المخالفين ، فإن كان صحيحاً فليس بحق أن تخالف ما تقتنع به لأجل أن غيرك لا يراه ، فهو في الأخير رأيك وقناعتك وما تؤمن به .
المبدأ الذي يجب أن لا يحيد عنه المواطن ، أن لا سجن إلا بمحاكمة ، ولا عدالة إلا بحرية فهما لا يتنافيان ، والسجن وإن كان عقوبةً رادعة ، فهذا لا يعني أن تتمناه لمن خالفك ، فتعامل بشهامة إن فقدت المبدأ ، ولا يكن عرضك كالزجاج وترمي الناس بحجر .
أرجوا من الله أن لا يبقى سجين رأي ، أو سجينٌ بلا محاكمة ، أو سجين كيد ، أو سجين تجاوز مدته .
اللهم ارحم ضعفهم وهوانهم على منهم عنده ياحي ياقيوم .

السبت، 20 يوليو 2013

الشيطان الفصيح


الشيطان الفصيح :
أن نقع في الأخطاء فهذا مسلم به ، و أن ننقد أخطاء الآخرين فهذا أمر مقبول عند الجميع ، والنقد لا يعني بالضرورة الإساءة للمنقود بقدر ما يعني تصحيح المسار مرةً أخرى ، والخطأ جبلة في الإنسان ، خُلق وهي معه لا تنفك عنه و لا ينفك عنها ، و إلا فقد إنسانيته و أصبح ملاكاً خالداً .
و لو نظرنا بتأمل لفريضة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لرأينا أنها من هذا الباب ، و حديث نافق حنظلة فيه الدليل الواضح أن الله يحب الخطأ لأجل التوبة و الاستغفار .
و قد تتوافق مع الشريعة الإسلامية نظريات العقلاء من الوضعيين ، حيث يعتبرون النقد و التعلم من الخطأ منهجاً في حياتهم ، يرتقي ذلك لأعلى المستويات ، فتجد عندهم المعارضة السياسية و هي من هذا الباب لا تخرج عنه ، و تجد عندهم غيرها في نواحي الحياة .
الإشكالية الكبرى في النقد هي عدم وجوده ، و عدم تقبله ، و رفضه أو عقاب من يمارسه بحجج كثيرة ، على النطاق الشخصي أو على النطاق المجتمعي .
و الأدهى و الأمر من ذلك كله ، تسويغ الخطأ بمبررات كثيرة ، و إصدار الأحكام الجزافية لتبريره ، سواءً كان الخطأ شخصياً أو مجتمعياً ، إما خوفاً من مكانة ، أو رغبةً فيها ، أو بدواعي كثيرة تختلف من شخص إلى أخر .
و حين يتعلق الأمر بالجانب العدلي و الحقوق المدنية ، فإن هذا التبرير أو إصدار الأحكام العشوائية خارج منصة الحكم القضائي ، يعتبر جريمة بحق الشخص أو المؤسسة ، لا أحنث بحول الله إن حلفت أنها من البهت ، فهو هنا لا يعلم شيئاً وأصدر حكماً على شخص ما .
أما إن كان الخطأ العدلي معلومًا ، و تم تبريره ، أو قبوله بأي دعوى كانت ، فهذا الظلم بعينه ، والشر المستطير الذي لن يرتفع عن الناس و فيهم من يقبله ولا ينكر عليه ، و لا يشنع به ، و يُخالط و كأن شيئاً لم يكن .
الساكت عن الحق شيطانٌ أخرس ، والساكت عن الظلم مثله أو أشنع منه ، أما مبرر الأخطاء العدلية وهو يعلمها فهذا يصدق عليه أنه شيطان فصيح ، يستوي في ذلك جميع العارفين ، ويتفاوتون بالدرجات ، فمن عمل بالسلك العدلي أحق أن يكون إبليس الرجيم في هذه المنظومة التي تحوي خنزب والولهان وغيرهم من الشياطين المردة .
إذا أنت لم تستطع قول الحقيقة أو جزءاً منها ، فلا تزيفها أو تتستر عليها ، فأنت هنا تخرج من كونك شيطاناً أخرساً ، إلى أن تكون شيطاناً فصيحاً .
خلص الله هذه الأمة و هذا البلد من شياطينها الفصحاء الذين فاقوا الفرزدق فصاحةً ، و الجاحظ بلاغةً .

الجمعة، 19 يوليو 2013

الحرية المصطنعة سارة الدريس مثلاً




تكلمت عن نفسها بعبارات بسيطة في تركيبتها اللغوية ، عميقه في معانيها الإنسانية ، تلامس القلب قبل الفكر و العقل و العين ، بل تلامس الذوق و الحس ، و كل ما نبض في قلب الإنسان من عاطفة كتبت تقول :

“ أنا سارة الدريس ٫ كوني امرأة قد تكون تكلفة السجن علي أكثر من أي شخص ، لكن أقسم بالله لن يرهبني السجن “ .

جربتُ السجن السياسي و عرفتهُ عن قرب ، هذه العبارات لا تخرج إلا من قلبٍ حي ، مليء بالحياة ، يرفض الموت و هو ينبض بالكرامة ، هي الآن لا تُعرّف بأنها " سارة الدريس " فقط ، هي امرأة صامدة في زمنٍ قلّ فيه الرجال ، و كثر فيه المتشدقون بلا معنى .

لا ألوم من لم يستوعب هذه المعاني الليبرالية في كلامه و لم يدافع عنها ، ولا ألوم من يتشدق بالتشريع والشريعة والمقاصد بلا وعي و إدراك ، و لكني ألوم من يُحسب من المدركين من أتباع كلا التيارين .

بائعوا الحرية المزيفة ، أشباه البغايا حين يبعن الشرف المفقود مع أول ممارسة بأرخص الأثمان و أبخسها ، معتقدين بأن المبدأ يتجزأ أو يتعامل معه بنسبية فيزيائية .

هل من الحرية الليبرالية أن تصمت تلك الأفواه المتشدقة بالحرية و الساعية لمطالبها ، خارج المكان حين تصل الكرامة الإنسانية للانتهاك بالدواعي ذاتها كل مرة ، و هل من مقاصد التشريع عند من آذى أسماعنا بحرقته على الشريعة و أهلها ، خارج الحدود أن يبتلع لسانه لفوات المقصد القريب من عينيه ، بل هو أقرب إليه من نفسه ، و سيكون شعاره يومًا كما قال سيدنا علي رضي الله عنه في مقتل عثمان الخليفة المظلوم :

أكلت يوم أكل الثور الأبيض .

ثم ما الداعي للحديث بالعقلانية الساسانية عن بعض الأشخاص هنا أو هناك ، و جعلهم أنصاف آلهة ، وهم في قرارة أنفسهم يرفضون ذلك للقريب والبعيد سراً وجهراً ، هل ستأتي بتقدير حقيقي  مطلوب و مرغوب ، أم تقدير مزيف يعتريه الوهن من الوهلة الأولى .

ما يحدث الآن في دولنا نذير شؤم ، و بون شاسع ، يتسع مع الوقت بين الحاكم و المحكوم ، بصورة لا ترقى إلى أن يُنسب الخلل للبطانة وحدها ، بل أصبحت كالسلوك الجمعي ، و التفكير الجماعي من الكل بلا استثناء ، تاركين كل المعاني البسيطة للعلاقة ، المبنية على العقد الاجتماعي المبسط جداً ، حين صاغه رجالٌ في بدايات دولنا ، متجهين نحو ساسانية مقيتة في العلاقة ، و حرية مصطنعة عند المثقفين لا يحق عليها إلا صلاة الميت فقد حان دفنها .

الخميس، 18 يوليو 2013

القرآن الكريم الأسلوب والخطاب


القرآن الكريم الأسلوب والخطاب :

يخطىء كثيراً من يضع فهمه للعربية وأساليبها معياراً للقرآن الكريم ، مهما وصل من علم في العربية وبلاغتها وأساليبها المتبعة عند العرب ، فسيظل محصوراً بالقياس على كلام العرب ، وهو ما لا يتناسب مع قوة السليقة والفطرة اللغوية الأصلية .

خاطب القرآن الكريم العرب بلغتهم وبلاغتهم وأساليبهم وطريقتهم في الكلام ، لم يأتِ بشيء لم يألفوه من الأساليب والاستخدامات ، وإلا لفقد الإعجاز المعني في تنزيله بهذه الصورة ، وكون القرآن نزل على ذلك الجيل العربي ، الذي اتفق أهل اللغة والعارفين بها بأنهم الأفصح من بين العرب قاطبةً ، وأن كلامهم حجة على غيرهم ، حتى على مقاييس أهل اللغة أنفسهم ، وقصة الفرزدق مشهورة حين كان ينظم الشعر مخالفاً لما قعده اللغويون .

روي أنه في أحد مجالس خلفاء بني العباس ، تكلم أحد الشعوبيين إن لم تخني الذاكرة ، بأن القرآن يحمل مغالطات ، فقيل له أين ، قال أنه ورد تشبيه رؤوس الشياطين لثمرة الزقوم ، وفي هذا تشبيه بالمجهول وهو متعذر ، فانبرى له أحد العلماء وأظنه الفراء أو غيره ، بأن هذا استخدام لغوي شائع عندهم ، وتجده في قصيدة امرؤ القيس :

أيقتلني والمشرفي مضاجعي /
ومسنونة زرق كأنياب أغوال 



فشبه زج الرمح بناب الغول ، وهي غير معروفة ولم يروها ، ولكن للوصول بالتشبيه أبعد مراحله ، حيث الغول قمة التوهمات المخيفة ، فكذلك القرآن الكريم خاطبهم بما يعرفون من أسلوب وبلاغة ، لم يأتِ بما يخالف استخدامهم حتى يقع الإعجاز .

وهم على بلاغتهم لم يشككوا في بلاغته ، بل شككوا في صدق نسبته إلى الله ، تعالياً وعتواً وكفراً محضاً وهم مستيقنون بذلك ، ولكن هو الإيمان  و الكفر.

على أن ذلك يقودنا مروراً لنقطة أخرى ، وهي أن القرآن لا يستقيم به لسان ، لفرط إعجازه ، و استحالة محاكاته ، فهو ليس بكلام بشر يحاكى ، ولا كلام بشر يجارى ، بلغ التحدي فيه آية .

ذكر ذلك بن خلدون في المقدمة ، وهو مشاهد في مسابقات القرآن ، تجد حفاظ كتاب الله من غير الناطقين باللغة العربية ، يقرأون القرآن بلسان عربيٍ مبين ، ولا يستطيع نطق جملة بالعربية خارج المصحف ، وهو مشاهد ولا يحتاج لزيادة بيان ، فاللغة يدعمها وينميها الكلام المحاكى المجارى كالشعر الفصيح والحكم والأمثال وغيرها من كلام العرب الحجة عند أهل اللغة .

صرخة :

لا تتهم كتاب الله في بلاغة أو خطاب أو أسلوب ، بل اتهم بصيرتك في ضعفها و قلة حيلتها في الارتقاء لهذا المستوى الرباني ، ولا تجعل من القرآن والتهكم عليه شماعة ليطلق عليك أحد ألقاب الثقافة والفكر والتحرر، فهي مجرد أوهام وزور بيّن .

الأربعاء، 17 يوليو 2013

اليمين واليسار غير صالحين في الثقافة


اليمين واليسار غير صالحين في الثقافة :



المتابع للمشهد الثقافي والفكري عموماً ، يلمس فريقين متواجدين بصخب وقوة حضور ، الأول المحافظين أو اليمين إن جازت التسمية مجازاً ، والثاني المنفتحين أو اليسار إن جازت التسمية أيضاً .

ما يدعو له اليمين مخالف حد التناقض لما يدعو له اليسار ، من حيث المبدأ والتطبيق ، فهم يدعون - أي اليمين - لاستلهام التجربة الحضارية الإسلامية ، واستجلابها بالكامل كما هي ، بلا قوالب أو تعديلات ، و أما اليسار فيدعو إلى نبذ التجربة الحضارية الإسلامية بالكامل ، وإستجلاب الحضارة من الخارج بقوالبها كما هي ، وبين الفريقين وقوة الصخب والإستقطاب الرهيب ، ضاعت أصوات وسطية معتدلة مزجت التيارين في تيار واحد .

والأدهي والأمرّ هو ضياع المتابعين لكلا الفريقين ، فمن تارك  لمظاهر التقدم الحقوقي ، بحجة عدم الحاجة لها والإكتفاء بما عندنا حتى الوسائل ، وإعطاءها حكم الغايات جملةً وتفصيلاً ، والحكم على جميع مظاهر المدنية الغربية بالتجريم في المتابعة ، ومن متعلقٍ بها لا يرى غيرها حتى في العلوم القديمة التي تميز بها العرب والمسلمون قديماً ، تجده يعرف ما قاله فولتير وديدو وباسكال وهو لم يقرأ المقدمة يوماً ما ، فما بالك بغيرها من الكتب المتعمقة والمتخصصة .

نحتاج من المثقفين أو المفكرين أو الدعاة التناغم الحضاري والربط بين القديم والحديث ، وعدم إعطاء الوسائل حكم الغايات ، بل عزلها تماماً ، كما نحتاج من نفس المثقفين والمفكرين والدعاة أيضاً ، التعمق بالموروث الثقافي والحضاري لأمتنا ، وعدم ترك ذلك الموروث بحجج واهية متداعية في أحيانٍ كثيرة .

النقاشات البيزنطية في هوية الدولة ونظام الحكم والعلاقة بين الحاكم والمحكوم ، ليس بذات أهمية إن اتفقت الوسائل الموصلة لمعرفة الشكل والهوية والنظام ، ما يهمنا هو مكان يرتاح فيه الناس ، ويعيشون حياتهم بسلام ، لا نحتاج أبداً لمصطلحات معينة قد لا تعني الكثير إن لم تطبق حقيقةً .

نحتاج لتبسيط الخطاب المعرفي والحقوقي للناس ، المتمازج والمتناغم مع الإرث التاريخي للأمة ،  والمستفيد من الحضارة المغايرة ما لا يفقده خصوصيته الدينية واللغوية والجغرافية .

همسة :

قبل القراءة في كتب الآخرين ، اقرأ ما كتب أسلافك ، وقبل نفي ما عند الأخرين ، اذكر حركات التأثر والتأثير التي قام بها أسلافك ، و اعلم أنه ليس كل صاحب منبرٍ خطيب ، وليس كل باكٍ صادق في بكاءه .

الاثنين، 15 يوليو 2013

الإسلاميون والصندوق كاستراتيجية :



بعد الإنقلاب المشؤوم في مصر على الرئيس المنتخب فخامة محمد مرسي ، علت الكثير من الأصوات داخل الصف الإسلامي تنادي بخيار العنف ، ونبذ الديموقراطية كوسيلة فاعلة للوصول إلى سدة الحكم وتمرير المشروع الإسلامي بقوة الصندوق .
مرد مثل هذه الأصوات إلى فئتين :
الأولى جماعات العنف كالقاعدة ومن يدور في فلكها وليست مرادةً هنا .
الثانية المحبطون من أنصار الجماعات السلمية كالإخوان والجماعة الإسلامية وغيرها من جماعات ، لا يلامون في الوقت الراهن لمثل هذه الدعوات ، فهي نوع من البكاء على المشروع الذي سلب ، ومحاولة ربطه بغيره من مشاريع كجبهة الإنقاذ في الجزائر وغيرها من المشاريع التي قتلت في مهدها .
ولكن بتأمل وموضوعية ، نرى أن المسار الديموقراطي هو الأسلم والأفضل ، فجماعات مثل الإخوان كسبت زخماً حتى من كارهيها ، بسبب تقبلها للطريقة الديموقراطية في تداول السلطة ، أضف إلى ذلك الحاضنة الشعبية التي زادت من شتى الأطياف والأحزاب خلف جماعات الإخوان في إعتصاماتها الأخيرة ، والرأي العام العالمي تعاطف مع الجماعة وهو ما يلمس من تخوف الساسة الغربيين من الإعتراف بالإنقلاب وإن كانوا معه قلباً وقالباً ، نظراً لأن شعوبهم لا تتقبل مثل هذه المواقف .
إستخدام العنف لن يجدي نفعاً ، بل سيطلق يد الجيش والعسكر في القتل والتنكيل وتكريس الإستبداد من جديد ، وكبت الحريات ، بدعاوى لن يعجز عن إيرادها ،  وبوادرها بدت ، ينتظر الفرصة المواتية التي تبرر له الإستبداد من جديد .
بإستحضار تجارب سابقة كثيرة للجماعات الإسلامية ، كجماعة الطليعة ، والجماعة الإسلامية ، والجماعة الليبية المقاتلة ، نجد أنها لم تستفد شيئاً مما قامت به ، بل خسائرها هي نفسها كانت كبيرة وفادحة ، أما خسائر المجتمعات فقد كانت بحيث لا يمكن وصفها .
أضف لذلك خسارتها للحاضنة الشعبية التي تستطيع الإنطلاق منها ، في مشروعك ، فأي مشروع حضاري لقيام دولة أو تعديل وضع سياسي مرفوض ، يحتاج لحاضنة شعبية تضخ فيه الدماء .
دعوى العنف يجب أن تنسى من القاموس لدى جماعات العمل السياسي الإسلامي ، فالصندوق رغم أنه سلب ، إلا أنه أوصل ، بعكس كل المحاولات المسلحة التي لم توصل إلا إلى السجون والمعتقلات .